الدرس في آثار وآداب الصيام 10، ألقاها
يتناول أهمية التقوى في رمضان وكيف يحقق الصيام التقوى للمسلمين، حيث يُعد التقوى ميزان قبول الأعمال عند الله.
يُوضح أن الصوم وقاية من عذاب الله ومكائد الشيطان، وتقوى الله تعني فعل المأمور وترك المحظور وأحيانًا فعل المستحب وترك المكروه.
يشرح أن تقوى الله تعني العمل بالطاعة مع الإخلاص والمتابعة والخوف والرجاء، وهي سبب لدخول الجنة وأمرها عظيم وأجرها عظيم.
ينتهي بالتعبير عن شكر الله وحمده ودعائه بالتوفيق لتقوى الله والعمل بما يرضيه.
أحمد الله تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فإن شاء الله هذا اليوم، في هذا الدرس إن شاء الله، الذي عرفتموه، درس آثار رمضان، هذا الشهر، وصيامه وآدابه، فنأخذ اليوم أثرًا عظيمًا من آثار هذا الشهر العظيم، ألا وهو أثر التقوى. فكذلك شهر رمضان، وشهر التقوى لله عز وجل. وكما تعلمون، ربنا سبحانه وتعالى قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾، أي أن الصيام يوصل إلى التقوى، بل كل العبادات إنما غايتها هو تقوى الله جل وعلا. كل العبادات غايتها وأثرها هو تقوى الله، فإذا لم تكن هناك تقوى لله عز وجل في العمل، فإن هذا العمل لا يكون صحيحًا ولا يكون مقبولًا عند الله جل وعلا. ولهذا قال في هذه الآية: ﴿لعلكم تتقون﴾، ولعل وغيرها من صيغة ترجي في القرآن والسنة محمولة على الجزم، أي أنكم إذا صمتم صيامًا صحيحًا فإنكم تتقون الله عز وجل بذلك. والله عز وجل جعل كل العبادات إنما تكون غايتها التقوى، كما قال الله عز وجل: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾. فتقوى الله عز وجل هي ميزان الأعمال أو قبول الأعمال، كما قال الله عز وجل على لسان ابن آدم الطائع: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾. وقال الله عز وجل أيضًا: ﴿لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم﴾، فدل على أن أثر التقوى له أهمية عظيمة في العبادات. وهذا أيضًا كذلك في هذا الشهر العظيم، والصيام يؤدي إلى تقوى الله جل وعلا، أو من أعظم الأعمال التي تؤدي إلى تقوى الله سبحانه وتعالى. قد تقدم معنا حديث أبي هريرة في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الصوم جنة»، والمراد بالجنة هي الوقاية، وهي التقوى بمعنى التقوى. لأن التقوى كما سيأتي معنى في تعريفها هي الوقاية. فلهذا هنا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «الصوم جنة». وجاء عند أحمد وأبي داود بسند صحيح، عن مطرش بن عبد الله بن الشخير، أنه قال: دخلت على عثمان بن أبي العاص، فأتى لي بلبن، فقلت: إني صائم، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «الصوم جنة كجنة أحدكم من القتال». جنة القتال أو المجن أو الترس أو الدرقة، هذا الذي يتقي به السيوف. فهذه مهمة جدًا في القتال، لأنها ترد السيوف وترد الموت عن المحارب. وهكذا الصوم جنة، يتقي بها أشياء كثيرة، يتقي بها عذاب الله جل وعلا، ويتقي بها مكائد الشيطان ومداخله، ويتقي بها أيضًا أمور الشهوات. وكما تقدم معنا في حديث إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه غض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء». وجاء أيضًا عند أحمد والنسائي بسند لا بأس به، عن جابر بن عبد الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصوم جنة يستجن بها العبد من النار». فالصوم وقاية من عذاب الله عز وجل، وقاية من مكائد الشيطان، لأنه يضيق منافذ الشيطان، وهو أيضًا كاسر للشهوة، وقاية للشهوة. فاجتمعت أمور عظيمة من أمور التقوى في الصيام. فلهذا فتقوى الله عز وجل من أعظم آثار الصيام، وأنه إن لم يحمل الشخص على تقوى الله جل وعلا، فصيامه غير صحيح. فما هي التقوى؟ التقوى كما ذكرها العلماء، أما في اللغة، هو أن تتقي شيئًا، تتقيه لأجل أن تدفعه عنك، أو أن تستر عنك من ينظر إليك. فالتقوى هي الوقاية، وهي أيضًا الدفع. فكل هذه معاني التقوى في اللغة. وأما في الشرع، فتقوى الله عز وجل في الشرع، جاءت عن بعض السلف تعريفات، منها ما جاء عن عمر، واشتهر عن عمر، ذكره الحافظ ابن كثير في التفسير، وهو أن أبا بن كعب سأله عن التقوى، فقال: «أمشيت في طريق فيها شوك؟ قال: نعم، قال: ماذا صنعت؟ قال: اجتهدت وشمرت، قال: تلك التقوى». وهذا مثال واقعي يبين لك معنى التقوى. فالتقوى هي فعل المأمور وترك المحظور، وأدخل كثير من العلماء أيضًا فعل المستحب وترك المكروه. وقد يسميه بعض العلماء ورعًا، يدخلونه في الورع، لأن الورع هو مرتبة من مراتب التقوى. فتقوى الله عز وجل هي العمل بالطاعة، والعمل بالشرع، مع الأمور التي لا بد منها، وهي الإخلاص، والمتابعة، والخوف، والرجاء، وغيرها من هذه الأمور العظيمة التي لا تقبل العبادة إلا بها. فالعبادة لا بد أن تكون فيها محبة لله عز وجل، يكون فيها خوف من الله، يكون فيها الرجاء لله عز وجل. وهذا الذي وصف الله عز وجل به عباد الأنبياء، إنهم كانوا يسارعون في الخيرات، ويدعوننا رغبًا ورهبًا، وكانوا لنا خاشعين. خوف ورجاء ومحبة لله عز وجل. فتقوى الله عز وجل هي من أعظم الأمور، فتقوى الله عز وجل هي ميزان قبول العمل، ولهذا كانت وصية الله عز وجل للأولين والآخرين: ﴿ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله﴾. وكذلك أيضًا تقوى الله عز وجل هي أكرم ما يكون في هذه الدنيا، في حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل: «من أكرم الناس؟ قال: أتقاهم لله». كما قال الله عز وجل: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾. فربنا جل وعلا أكرم الناس عنده أتقاهم، لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأسود على أبيض، إلا بتقوى الله سبحانه وتعالى. وليس الأبيض عند الله مخضلًا، ولا الأحمر، ولا غيره، وإنما بتقوى الله. وكما جاء في حديث أبي هريرة في مسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». ومعلوم كما قلنا أن دخول الجنة إنما يكون بتقوى الله سبحانه وتعالى، وكما ذكر الله عز وجل أن الجنات للمتقين. والنبي صلى الله عليه وآله وسلم جاء عنه عند أحمد وأبي داود والنسائي، من طريق عبد الله بن إدريس، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه سئل: «ما أكثر ما يدخل الجنة؟ قال: تقوى الله وحسن الخلق». فلهذا فتقوى الله عز وجل أمرها عظيم، وأجرها عظيم، وثوابها عظيم، وهي أثر عظيم من آثار هذا الشهر العظيم، وهي ميزان لهذا العمل وقبوله عند الله سبحانه وتعالى. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا لتقوى الله والعمل بما يرضيه سبحانه وتعالى، والحمد لله رب العالمين.