القواعد والأصول الجامعة 84

الدرس في القواعد والأصول الجامعة 84، ألقاها

مقدمة في القاعدة الفقهية 'لا عذر لمن أقر'

يبدأ الشرح ببيان معنى القاعدة الفقهية 'لا عذر لمن أقر' وأهميتها في الشريعة الإسلامية. القاعدة تشير إلى أن الإقرار يعد دليلاً قاطعاً لا يحتمل الخطأ إذا توفرت شروطه.

شروط صحة الإقرار وتطبيقاته

يشترط لصحة الإقرار أن يكون المقر مكلفاً رشيداً، وانتفاء التهمة، ومعلومية الحق المقر به. إذا توفرت هذه الشروط، عمل بإقراره وترتب عليه مقتضاه، ويعتبر الإقرار أقوى البينات في القضاء.

أحكام الإقرار وحجيتها في القضاء الإسلامي

الإقرار يعد أقوى البينات في القضاء الإسلامي، ويلزم العمل بهذا الإقرار ولا يقبل التراجع عنه لاحقاً إذا توفرت شروطه. القاضي يحكم بناءً على ما يظهر له من البينات، والإقرار يعد أقوى من شهادة الشهود.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام سعد رحمه الله في كتاب القواعد والضوابط للجامعة، القاعدة الخامسة والخمسون: لا عذر لمن أقر. وهذه القاعدة أشبه بالضابط في باب الإقرارات، أو الإقرار: أن من أقر بشيء لا عذر له في التراجع عما أقر به. وهذا اللفظ ورد حديثًا: هذه العبارة «لا عذر لمن أقر» وردت في حديث، لكنه لم يصح. والحافظ بن حجر رحمه الله يقول: لا أصل له. وإن كان معناه صحيح من حيث أن الإقرار يعمل به، ويؤخذ بما قر به الإنسان على نفسه. ويدل على ذلك قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءً لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ﴾، وقوله: «ولو على أنفسكم» أي شهادة الإنسان على نفسه، هذا هو الإقرار. وهكذا أيضًا قول الله جل وعلا: ﴿وَالْيَمِينُ عَلَىٰ مَا يَقُولُ﴾، واليملل الذي عليه الحق، هذا أيضًا بمعنى الإقرار. فإقرار الإنسان على نفسه، واعترافه على نفسه بفعل أو قول، هذا هو الإقرار. قال رحمه الله: وذلك أن الإقرار أقوى البينات، وكل بينات غيره فإنه يحتمل خطأها. الإقرار أقوى البينات، فهو أقوى من الشهادة. يعني من البينات، مثلا الشهادة: الشهداء مثلا في باب الأموال، أن يشهد شاهدان على أن فلان أخذ مالا من فلان. وهكذا أيضًا في باب إقامة حد الزنا، يشهد مثلا أربع عدول أنهم رأوا فلان يزني. وهكذا في غيرها من البينات، فالإقرار أقوى؛ لأن الشهادة يحتمل فيها الخطأ، يحتمل أن هؤلاء الشهداء كذبوا وتمالأوا على المشهود عليه، هذا محتمل. لكن الإقرار لا يحتمل فيه ذلك؛ لهذا كان أقوى إذا وجدت شروطه كما سيأتي تنبيه عليها. قال: وذلك أن الإقرار أقوى البينات، وكل بينات غيره فإنه يحتمل خطأها. وأما إذا أقر المكلف الرشيد على نفسه بمال أو حق من الحقوق، ترتب على إقراره مقتضى، حتى ولو قال: كذبت، أو نسيت، أو غلط؛ لأنه ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنما أقضي بنحوي مما أسمع». ومسائل الإقرار الكثيرة ترجع إلى هذا الأصل. إذا أقر المكلف الرشيد، إذن الإقرار يشترط فيه أن يكون من مكلف. المكلف هو البالغ العاقل، أن يكون هذا الذي يقر بأمر من الأمور، لابد أن يكون عاقلا بالغا. فإذا جاء مجنون يقر بأمر من الأمور، فهذا لا يعتبر إقراره؛ لأنه لا عقل له. وهكذا أيضًا إذا أقر صبي بأمر من الأمور، فإنه لا يعتبر إقراره؛ لكونه غير مكلف. وهكذا أن يكون رشيدا، فإذا كان سفيها - هو بالغ عاقل، لكنه سفيه لا يحسن التصرف، أو ممن حجر عليه في التصرف - ومثل هذا أيضًا لا يقبل إقراره. إذن هذه من شروط الإقرار: أن يكون المقر مكلفا رشيدا. كذلك أيضًا من شروط الإقرار أن تنتفي التهمة. فإذا وجد التهمة يتهم بها هذا المقر، فهنا لا يقبل إقراره. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما أقر ماعز بأنه زنى وكرر هذا الإقرار، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «استنكحوه» - يعني شموا فمه - هل شرب شيئا؟ ومعنى هذا أنه لو وجد مثل ذلك: أقر إنسان، ثم تبين أنه سكر، فهنا لا يقبل إقراره. فإذا وجد التهمة فإنه لا يقبل حينئذ هذا الإقرار؛ فلابد من انتفاء التهمة. وهكذا أيضًا الشرط الرابع: أن يكون الحق المقر به معلوما. أن يقر على شيء معلوم، أما إذا كان شيئا مجهولا فهذا لا يقبل. لو قال: أنا أخذت من فلان شيئا، طيب ما هذا الشيء؟ الله أعلم، هذا ما يقبل؛ لأنه مجهول. لا بد أن يكون شيئا معلوما ليس فيه شيء من الجهالة. فإذا وجدت هذه الشروط فحينئذ يعمل بهذا الإقرار. إذا أقر على نفسه المكلف الرشيد على نفسه بمال أو حق من الحقوق - أو حق من الحقوق كالقذف مثلا، القذف أو السرقة أو الزنا - لو قال: أنا أخذت مالا من فلان، أقر على نفسه، إذن يطالب بدفع هذا المال. أو أقر بأنه سرق، أنه سرق مالا، إذن يقام عليه حد السرقة. أو أقر على نفسه بأنه قذف فلانا، فيقام عليه حد القذف. أو أقر على نفسه بأنه زنى، فإنه يقام عليه حد الزنى. لأن الإقرار كما سمعنا أقوى البينات، لا يحتاج إلى بينة بعد هذا، هو يشهد على نفسه ويقر على نفسه أنه قال وأنه فعل. وإنما تحتاج البينة إذا أنكر، إذا أنكر ولم يقر، فنحتاج إلى بينة إلى إثبات هذا الحق. لكن وقد أقر، فهذا أقوى البينات، فحينئذ يترتب على إقراره، وإقراره مخاطبه، إذا كان أخذ مال فيلزم بيرده، إن كان حد فيقام عليه هذا الحد كما سمعنا. قال: حتى ولو قال: كذبت، أو نسيت، أو غلط - يعني لو أقر ثم رجع وقال: لا، أنا كذبت في هذا الإقرار، أو أنا غلط، أو نسيت - فيقول أهل العلم: لا يقبل ذلك. ما دام أنه أقر وهو مكلف رشيد، وليس هناك تهمة ونحو ذلك، فحينئذ يعمل بهذا الإقرار حتى لو أراد أن يعتذر بعد ذلك، فلا يقبل عذره. قال: لأنه ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنما أقضي بنحو مما أسمع»، في حديث مسلمة، قال عليه الصلاة والسلام: «إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أقوى بحجته من بعض، فأقضي بنحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه فإنما أقضي له بقطعة من النار». ومعنى هذا أن القاضي والحاكم يقضي بما ظهر له، يقضي بما ظهر له من البينات. فإذا وجد الإقرار وهو أقوى من وجود بينة الشهود ونحو ذلك، فإنه يعمل به. فإنه يعمل به إذا كان يعمل بالشهود أو شهادة الشهود، فالإقرار من باب أولى؛ لأنه أقوى. قال: ومسائل الإقرار الكثيرة ترجع إلى هذا الأصل، يعني في العمل بالإقرار، وأنه من أقره فإنه يأخذ بما أقر به. طيب الله ناو صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على