الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 2، ألقاها
تناول الشيخ أوهام الحاكم في كتابه المستدرك على الصحيحين، حيث أورد أحاديث موضوعة أو ضعيفة وتعقبها الذهبي بشدة. كما أشار إلى أوهام الحاكم في استدراكه على البخاري ومسلم.
يشرح المقطع شرط الحافظ ابن حجر في إيراد الأحاديث في كتابه، حيث يشترط صحة الحديث وخلوه من العلل، ويتبع منهجًا دقيقًا في التحقق من الصحة. كما يشير إلى تورع بعض المحدثين عن إيراد الحديث عند الشك في حرف منه.
يتناول المقطع شروط إخراج الأحاديث ومسائل متعلقة بالرواة، مثل عدم إخراج حديث التابعي الذي يرسل عن الصحابة دون تصريح بالتحديث، وتوثيق الرواة وقبول رواية من لم يوثقه أحد إذا روى عنه جماعة.
يشير المقطع إلى اكتفاء الكلام في الموضوع المطروح مع التأكيد على أن الله تعالى أعلم بكل شيء، ويعتبر خاتمة لبعض النقاش أو الشرح السابق.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فذكر الشيخ رحمه الله بعض ما استدركه الحاكم على الصحيحين. الحاكم أبو عبد الله ألف كتابًا سماه المستدرك، أي استدرك على البخاري ومسلم أحاديث يلزمهما بإخراجها. والذي عول عليه العلماء أنه ليس بلازم لهم؛ لأن البخاري ومسلم لم يشترطا إخراج كل حديث صحيح. بل إنهما صرحا بأنهما تركا أحاديث صحيحة. قال مسلم: لأجل خشية الطول. وقال البخاري: فليس كل حديث صحيح أضعه ها هنا. ولهذا فهو قد صحح حديثًا تذكرها عنه الترمذي ولم يضعها في كتابه. فلهذا فلا يلزمهما هذا الاستدراك. ذكر الشيخنا مقبل رحمه الله أن الحاكم قد وهم في أشياء كثيرة، ومن أوهام تصحيح الموضوعات. وهذا قال الشيخ: شيء كثير. وإني ذاكر لك جملة من الأحاديث التي تعقبه عليها الحافظ الذهبي بشدة. ذكر الحاكم حديث: أنه صلى خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وخلف أبي بكر، وخلف عمر، وخلف عثمان، وخلف علي، فكلهم كانوا يجهرون بقراءة ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، أنه يجهرون بقراءة ﴿بسم الله﴾. عن الحديث في الصحيحين: يسرون. وهذا حق ضده: يجهرون. فتعقبه الذهبي فقال: قلت: ومستحيي المؤلف أن يورد هذا الحديث الموضوع. فأشهد بالله ولله: بأنه كذب. هذا كلام الذهبي رحمه الله. هذا من أوهام الحاكم. قال: وذكر الحاكم حديث مبارزة علي بن أبي طالب لعمر بن ود يوم الخندق: أفضل من أعمال أمتي إلى يوم القيامة. وهذا حديث باطل. القصة صحيحة؛ لما برز عمرو بن ود وأراد من يبارزه، وهذا في يوم الخندق، فبارزه علي فقتله. فجاء في حديث: أنه أفضل من أعمال أمتي إلى يوم القيامة، أي ما فعله علي. لكن هذا من وضع الشيعة. حتى قالت ذهبي رحمه الله: قلت: طبع الله على قلب رافضي افترى، افترى هذا الحديث. قال: وقال الحاكم في حديث المسعود: فيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: أول من يصلي علي جبريل. قال الحاكم: عبد الملك بن عبد الرحمن الذي في هذا الإسناد مجهول، لا نعرف بعدالة ولا جرح. الباقون كلهم ثقات. فقال الذهبي: قلت: بل كذبه الفلاس، هو عمر بن علي الصيرفي. قال: يعني الحاكم الباقون ثقات. قلت: وهذا شأن الموضوع؛ خلاني يقول الذهبي: هذا شأن الموضوع؛ يكون فيه رجل هو مجهول، والبقية ثقات؛ لأن غالبًا الكذاب يختار له أناس ثقات معروفون بالحديث. قال: وقال الحاكم رحمه الله في حديث سهل: طيب قال. قلت: هذا شأن الموضوع؛ يكون كل رواته الثقات سوى واحد. فلو استحى الحاكم لما أورد مثل هذا. قال الحاكم في حديث سهل بن سعد: أفي الجنة برق؟ الحديث قال الحاكم: إن كان الحسين بن عبيد الله هذا حفظه عن عبد العزيز بن أبي حازم، فإنه صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. فقال الذهبي متعقبًا للحاكم: قلت: هذا موضوع. وهذا هو الحسين بن عبيد الله العجلي الذي يروي عن مالك وغيره الموضوعات. أفيحتج عاقل بمثله، فضلًا أن يورد له في الصحاح؟ هذه كلها أحاديث موضوعة. وذكر عشرة أحاديث الشيخنا كلها يعلق عليها الإمام الذهبي بأنها كذب وأنها موضوعة. وقلنا أن الإمام الذهبي ألف كتابًا سماه المختارة، اختار مئة حديث موضوع من مستدرك الحاكم. ثم ذكر الشيخنا أوهام الحاكم في استدراك حديث قد أخرجها، أن حديث قد أخرجها وذكرها على أنهم لم يخرجوا هذه الأحاديث، فظن أنهم لم يخرجوها، وهذا خطأ منهم. فمن ذلك ذكر الشيخنا حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا تكلم ثلاثًا. فقال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وهذا الحديث رواه البخاري من طريق ثمامة عن أنس. وأيضًا ذكر حديث جابر بن مطعم في حد أسماء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقد أخرجاه أي البخاري ومسلم، كما في تحفة الأشراف في ترجمة محمد بن جابر بن مطعم: أن له خمسة أسماء، أي النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وذكر أيضًا حديث ابن عمر: أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن. وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وذكر قرابة ستة أحاديث بهذا السياق يذكرها. وإن شاء الله تعالى الواحد يقرأ هذه المقدمة، مقدمة طيبة فيها بعض الفوائد وبعض الأحاديث قد تكون ضعيفة أو صحيحة. الحاكم ضعفها مثلًا، وبعضهم مثلًا يأخذون من كلام الحاكم في الموضوعات فيظنون أن كل ما ذكره -أقصد ابن الجوزي- في الموضوعات هو صحيح. كذلك يذكرون من كلام من أحاديث الحاكم يظنون أنها صحيحة. حتى بعض المحدثين كان يقول: أخرجه الحاكم في صحيحه. أخرجه الحاكم في صحيحه. هذا في شيء من التوسع؛ لأن كتاب الحاكم ليس صحيحًا أيضًا. قال: ذكر بعدما ذكر هذه الأوهام، قال: فإني إذا أردت أن أكتب الحديث، أقول: أما صحيح المسلم مما ليس في الصحيحين، فإني بحمد الله قد نظرت في أكثر كتب السنة الموجودة بمكتبتي. ولكن شرطي فيه شديد. أنا هذا شرط الشيخ في إيراد الحديث في هذا الكتاب: الصحيح المسلم. واسمعوا جيدًا شرط الشيخ في هذا أو في إخراج هذا الحديث في هذا الكتاب. قال رحمه الله: فإني إذا أردت أن أكتب الحديث أنظر في تحفة الأشراف، هل اختلف في رفع الحديث ووقفه أو وصله وانقطاعه؟ فإن ترجح لي الرفع كتبته. أولًا ينظر: إن كان في الحديث اختلاف ورجح الرفع أو الوصل فإنه يكتبه. وأحيانًا يشير للخلاف كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الأحاديث. قال: وهكذا أنظر في كتب العلل. هذا متى؟ هذا بعد ما يرى الشيخ أن هذا الحديث إسناده صحيح. فلا يستعجل. معنى الشيخ: إذا رأى أن الحديث إسناده صحيح لا يستعجل ويضعه، بل ينظر هل فيه اختلاف؟ فإن كان فيه اختلاف نظر إلى هذا الخلاف الذي حصل في هذا الحديث. إن رجح فيه الرفع أو الوصل فإنه يضعه في هذا الكتاب. ثم بعد ذلك ينظر أيضًا في أمر آخر، وهو ينظر في كتب العلل. إن كان الحديث معللًا بعلة قادحة تركته. وإذا شككت في الحديث تركته. على إذا ذكر بعض العلماء أنها علة أو فيها علة ولم يترجح للشيخ هل العلة هذه أو هذا ذكر العلة راجح أو لا، أو أنه بغير هذه العلة يصح، فالشيخ رحمه الله كان يطرح الحديث من باب التورع. قالوا: قد فعل هذا الإمام مالك بن أنس، كما في مناقب الشافعي. وعفان بن مسلم، ففي تقريب التهذيب قال ابن المديني: أي كان إذا شك في حرف من الحديث تركه. على أراد ابن المديني عفان بن مسلم: عفان بن المسلم إذا شك في حرف في الحديث -في حرف من الحديث- معناه: ما يدري هل هو بالياء أو بالتاء، هل هو بالباء أو بالنون عن الكلمة؟ فيقوم يطرح الحديث كله حتى لا يقع في الخطأ. قال: وربما وهمه في تهذيب التهذيب أن علي بن المديني قال: إن عفان شك في حرف فضرب على خمسة أسطر. وهذا من ورعه رحمه الله وشدة تثبته. فلهذا الشيخ تثبت في هذا الكتاب حتى لا يقع في الخطأ، ولا يقع في حديث اختلط فيه أو فيه علة. لكن تجد أن الإنسان لا يكون. ولهذا وقع في بعض الأخطاء. ثم تدريجًا تدرك بعضها، وبعضها لم يستدركه. قالوا: رب حديث سنده كالشمس بعد النظر في كتب العلل تظهر فيه علة. قالوا: قد جمعت من هذا نحو خمسمائة حديث أنا في كتاب حديث معلل، ظاهرها الصحة. وذكر هنا أمثلة من الحديث المعلولة التي في ظاهرها العلة، أو ظاهر إسنادها صحيح -أقصد ظاهر إسنادها صحيح- وتجد أن العلماء يذكرون فيها علة. وهذه ذكر هنا عدة أمثلة قرابة العشرة. ونمر عليها لأنها ستأخذ منا وقتًا. قالوا: هذا ومما لا أعرض عليه ما إذا كان التابعي يرسل. هذه أيضًا الأشياء التي اشترطها الشيخنا في هذا الكتاب. قالوا: هذا مما لا أعرض عليه مما إذا كان التابعي يرسل ولم يذكر أنه سمع من ذلك الصحابي ولا أنه لم يسمع منه، ولم أجد الشيخين رحمهم الله قد أخرجا له عن ذلك الصحابي. فهذا مما أتوقف في الإخراج عنه. معنى كلامه: مثلًا إذا رأى تابعي، وهذا التابعي مما ذكروا أنه يرسل عن الصحابة يرسل عن الصحابة. فإذا جاء وروى عن صحابي لم يجد الشيخ من ذكره أو أنه غير معروف في الرواية عنه. ولم يذكر أيضًا ولم يرى أحد من أهل الكتب الستة روى عنه أيضًا كذلك أو روى رواية عنه. فالشيخ رحمه الله غالبًا ما يذكر هذه الرواية -ما يذكر هذه الرواية- مثلًا على سبيل المثال مجاهد عن عبد الله بن مسعود. فهذا مجاهد يرسل كثيرًا، ولم يروي عن عبد الله بن مسعود، ولم يذكر في الكتب أنه روى عن عبد الله بن مسعود. فمثل هذا الشيخ يتجنبه. وإن كان قد أدرك مثلًا أحيانًا مثلًا أهل حسن قد أدرك كثيرًا من الصحابة، لكنه لم يرو عنه. قال: ومنها أن يكون التابع مكثرًا والصحابي مكثرًا أيضًا، ولم يصرح بالتحديث عن ذلك الصحابي، ولم يخرج له شيخان عنه. فهذا مما أتوقف فيه. وإن لم يكن التابع ممن قيل فيه: يرسل. ولا يقال: إن عنعنة غير المدلس مقبولة. فإنه مقيد بما إذا قد سمع منه. فعنعنة غير المدلس عمن سمع منه محمولة على السماع. قال: ولست بحمد الله أجهل انتقاد الحافظ ذهب في الميزان. ابن القطان حيث جهل بعض من روى عنه جماعة؛ كمالك بن الخير المصري. ولكن غير مغتنى بكلام الحافظ الذهبي. والذي يظهر لي أنه لا بد من توثيق من معتبر أو شهرة في الطلب؛ كما في فتح المغيث. والله أعلم. فأنا إما أن يأتي توثيق من عالم من العلماء أو يكون مشتهرًا بالطلب. قال: ثم إن هذه ليست قاعدة مضطردة؛ فرب راوي يروي عنه جماعة. ويقول حافظ ذهب في الميزان: لم يوثق. ويقول حافظ: فيه مقبول. فهي مسألة اجتهادية. وهذا الصحيح الذي ذكره هنا الشيخ رحمه الله. وأما ما ذكره بعض المشايخ -الشيخ الألباني رحمه الله- على أن هذه قاعدة مضطردة، فهذا ليس صحيح؛ لأن الحافظ نفسه في التقريب أحيانًا يقول على من مثل من روى عنه مثلًا أربعة، ولم يوثقه أحد فيقول: مقبول. ولا يقول: أنه ثقة. والشيخ الألباني رحمه الله مشى على هذه القاعدة: إذا روى رجل روى عنه أربعة فما فوق -وقاصة- إذا كان هؤلاء الأربعة من الثقات، فإنه يمشي روايته ويجعله ثقة وإن لم يوثقه أحد، وإن لم يوثقه أحد من العلماء. ومشى الشيخ الألباني على هذه القاعدة رحمه الله. ولعل أقرب مثال مما يذكر من كلام الشيخ الألباني حديث العجل -حديث: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجف في الصلاة- هذا الحديث فيه الهيثم بن عمران، ولم يوثقه أحد معتبر. وروى عنه أربعة. فالشيخ الألباني مشى حديثًا، جعله من الحسن. والشيخ في هذه الطريق يقول: لا. الشيخ مقبول. كان يجعله مجهولًا أو مقبولًا كما يقول الحافظ. قالوا: رب حديث قد صححه الماضون، فأرى فيه علة فأعرض عنه صفحًا. وربما ذكرت في حديث ظاهرها الصحة وهي معلة. على حديث معلة ظاهر الصحة. قال: الحكم على الحديث -طيب إن شاء الله- لا كثرة. انتهي من هذه. لكن إن شاء الله ننتهي في درس لاحق. فنكتفي بهذا. والله تعالى أعلم.