الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  18

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 18

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 18، ألقاها

التحذير من فتنة الخوارج والدجال

يحذر الشيخ من الخوارج الذين يقتلون المسلمين ويتناقضون في تطبيق الأحكام الشرعية، ويبين خطورة فتنة الدجال الذي سيفتن الناس بقدراته الخاصة.

صفات الدجال وفتنته

يصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم الدجال بأنه أعور العين اليمنى ويملك قدرات خاصة مثل إخراج كنوز الأرض وإحياء الموتى، ويبين أن الدجال سيتبعه سبعون ألفًا من يهود أصبهان.

التحذير من الدجال وعذاب القبر

يروي المقطع قصة شاب ذهب للدجال ويبين تحذير النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الدجال ومن الاقتراب منه، ويشير إلى أهمية الابتعاد عن الشبهات وإثبات عذاب القبر.

استعاذة النبي من عذاب القبر في الصلاة

كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستعيذ من عذاب القبر بعد أن أوحي إليه أن الأمة تعذب كما عذبت يهود، فأصبح يستعيذ من عذاب القبر في كل صلاة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا بقب بن هاد الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا سليمان بن داود، وهو الطيالسي، أبو داود الطيالسي صاحب المسند. وقيل: إنه أول من ألف المسند، وقيل: قبله ابن جريج، وقيل: حماد بن سلمة. ولعلهم ألفوا في وقت واحد أو في وقت متقارب. وكذلك الموطأ لمالك، ولعله قبلهما، وكذلك الموطأ لابن أبي ذئب، لكن في البصرة يقال: إن حماد بن سلمة، ومنهم من يقول: أبو داود الطيالسي هو أول من ألف المسند. ومسند حماد بن سلمة لم يشتهر، واشتهر مسند أبي داود الطيالسي. قال: حدثنا شعبة، وهو ابن الحجاج، أمير المؤمنين في الحديث. كان رحمه الله إمام صدق، وكان مع فقره ومع زهده في الدنيا، إلا أنه كان صاحب خير، صاحب صلاة. يقول عبد الرحمن بن مهدي وغيره: كان شعبة إذا صلى نقول: إنه قد نسي، أنا نسى في نفسه في الصلاة معنا، كان يطيل صلاة. وكان إذا كان في مجلس حديث فقام بعض السامعين يسأل، لا يحدث حتى يُعطى، لا يحدث حتى يُعطى مالًا. وفي ذات مرة قام رجل ثم جلس، فقال: ما له جلس؟ فقالوا: تعهد إليه عبد الرحمن بن مهدي أنه سيعطي. قال شعبة، عن حبيب بن الزبير، وهو ثقة بصري، قال: سمعت عبد الله بن أبي الهدى، وهو أيضًا ثقة، أنه سمع ابن أبزى - والظاهر أنه أراد عبد الله بن أبزى - أنه سمع عبد الله بن خباب. عبد الله بن خباب يعتبر من صغار الصحابة، أنه سمع أبا يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكر الدجال، فقال: «يخرج عينيه كأنها زجاجة خضراء». وتعودوا بالله تبارك وتعالى من عذاب القبر. قال: وقال أيضًا: حدثنا محمد بن جعفر، وهو غندر، وروح بن القاسم، قال: حدثنا شعبة به. وقال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا شعبة بمثله. قال الشيخ: هذا حديث صحيح. وعبد الله بن خباب هذا الذي ذكروا أن الخوارج قتله، قتله الخوارج وبقروا بطن امرأته. والخوارج تجد - كما ذكر في هذه القصة - أنهم تورعوا أن يأكلوا تمرًا أو تمرة وجدوها في بعض الطريق، وأيضًا تورعوا أن يقتلوا كلبًا. وما تورعوا أن يقتلوا صحابيًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك قتلوا زوجته التي لا ذنب لها، وكذلك أيضًا بقروا بطنها وهي حامل. هذه جنايات عظيمة، وهذا بسبب أن حرمة الدم عندهم قد ذهبت، أن حرمات المسلمين ذهبت. يتورعون في أشياء يسيرة، لكن لا يتورعون في الدماء أبدًا، ولا يتقون الله عز وجل فيها. وهذا كما قال عبد الله بن عمر: لما سأله بعض العراقيين عن دم البعوضة، فقال: تسألون عن قتل البعوضة، وقد قتلتم ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - يريد الحسين - فتجد أنهم يتورعون في أشياء يسيرة، لكن ما يتورعون في الدماء وهي عظيمة عند الله جل وعلا. وهذا من لعب الشيطان بعقول هؤلاء أهل الأهواء، لعب الشيطان بعقولهم حتى انتهت حرمات الله جل وعلا، وسفكوا الدماء الحرام. ولهذا تجد أنهم لا يبالون بالدماء، وغالبًا من خرج يختار في خروجه المصلين في قتلهم، يقتل مثلًا أهل الحرب الذين يكونوا يصلون ويطوفون في الحرب، يقتلهم لأجل أن هؤلاء كفار أو أنهم أعوان الكفر أو غيرها من ما يثيرونه أو مما يثيره عليهم الشيطان، فيقتلون أهل الإسلام بسبب هذا. فقال هنا في هذا الحديث في ذكر الدجال: «إحدى عينيه كأنها زجاجة خضراء». وجاء في الصحيحين أو الصحيح أيضًا في حديث ابن عمر: «كأن عينه عينبة طافية». كذلك جاء أيضًا في حديث أبي هريرة وغيره، فعيني الدجال - كما ذكر بعض المحققين كابن القيم وابن حجر وغيرهما - الظاهر أن كلاهما فيه شيء، لكن إحدى عينيه يرى بها والأخرى لا يرى بها؛ لأنه قد جاءت في بعض الروايات أن عينه اليمنى كأنها عينبة طافية، أن العينبة التي قد أصابها داء يكون فيها مثل الثقب، وهكذا هذا مثل العينبة الناتئة والخارجة وكأن فيها مثل هذا الثقب الذي في هذه العينبة. والعين الأخرى كأنها زجاجة خضراء. على بعض الروايات في العين اليمنى الظاهر أنه لا يرى بها، والعين اليسرى فيها شيء لكنه يرى بها، فهو أعور كما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وهذه أشد علامة ذكرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الدجال، وكما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إني محدثكم بحديث عن الدجال لم يحدث به نبي قبلي، وإنه أعور العين اليمنى، كأن عينه عينبة طافية». فهذا يدل على أن العين اليمنى هي العوراء التي لا يرى بها، والعين الأخرى يرى بها لكنها فيها شيء من التشويه. وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «ألا إن ربكم ليس بأعور». فدل على أن الدجال من أعظم العلامات التي يعرف بها أنه أعور العين اليمنى، وأن عينه اليمنى كعينبة طافية. وأما هنا قوله: «كزجاجة خضراء»، هل أراد بها نفس العين أو أراد الأخرى؟ الظاهر أنه أراد الأخرى؛ لأن الأخرى أيضًا فيها شيء. وهل ينطبق هذا الوصف وهو زجاجة خضراء على العينبة الطافية؟ الظاهر أنه لا ينطبق، وإنما أراد العين الأخرى، العين الأخرى أيضًا وإن كان يرى بها إلا أن فيها تشويهًا، إلا أن فيها تشويهًا ولمعانًا وشيء من هذا كأنها زجاجة خضراء من كثرة لمعانها. فهذا فيه وصف لهذا الدجال الكذاب. وقد ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن قبل الساعة دجالون كذابون ثلاثون منهم، لكن هذا أكبرهم، الدجال الأكبر الذي وصفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأوصاف من خروجه أين يخرج عند المنارة البيضاء في شرق دمشق. وكذلك أيضًا كيف يكون أتباعه كما ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أن يتبعه سبعون ألفًا من يهود أصبهان». هؤلاء أتباعه والذين يمشون معه والذين هم جنوده. كذلك أيضًا عنده قدرات يجعل الله عز وجل له فتنة عظيمة، فتخرج فيمر على الخربة ويقول: «اخرجي كنوزك»، فتخرج كأنها يعاسيب نحل. وهكذا يجعل الله عز وجل له نارًا ويجعل له جنة. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «فجنته نار وناره جنة». وكذلك أيضًا أنه يجعله الله عز وجل يقتل رجلًا من المسلمين فينشره بالمنشار ثم يمشي على نصفه، فيقوم ذلك الشاب. والطالب العلم الذي يقول: «أنت الدجال الذي حدثنا عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم». وقد ذكر أيضًا النبي صلى الله عليه وآله وسلم العشرة الطليعة الذين في الجيش الذي يقاتل الدجال. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إني لأعرفهم وأعرف أسماءهم وأسماء آبائهم». ومنهم هذا الفتى الشاب الذي جاء إلى الدجال وقال: «أنت الدجال الأعور الذي حدثنا به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم»، فنشره نصفين ثم مشى على النصف الآخر، فقام هذا الرجل. فأراد أن يبين للناس أنه يحيي الموتى، فقال هذا الشاب: «يا أيها الناس، إنه لا يستطيع أن يتولى على غيري». فأراد بعد ذلك أن يذبحه فلم يستطع أن يذبحه. خلاصة هذا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصف هذا الدجال حتى يحذر منه الناس. قال صلى الله عليه وآله وسلم: «إن ينزل وأنا فيكم فأنا حجيجه، وإن ينزل وأنا لست فيكم فكل امرئ حجيج نفسه». وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «ألا يا أيها الناس أثبتوا». وأيضًا قال صلى الله عليه وآله وسلم: «من سمع بالدجال فلينأ عنه، فليبعد عنه، لا يأتيه». لا ينبغي للمؤمن أن يقول: «أنا لهذه الشبه أنا سأرد على شبه الدجال»، لا بل قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «يبتعد من ذلك». وهذا استدل به كثير من العلماء أن طالب العلم وأن المؤمن ينبغي عليه أن يبتعد عن الشبهات، ولا ينبغي له أن يوقع نفسه ويسمع شبهات أهل البدع وهو ليس عنده أسلحة كثيرة يحارب بها، أي عنده علم مما يرد هذه الشبهات. فقد يأتي إلى رجل من أهل البدع وتجد أنه يلبس عليه بمثل هذه الشبهات، فيضل هذا الشخص الذي ظن من نفسه أنه عنده العلم الذي يدفع به هذه الشبهات. فهكذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم حذر من الدجال، وقال: «من سمع بالدجال فلينأ عنه». فقد يأتيه المؤمن كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيأتيه المؤمن يحسب أنه ينجو، فيأتيه من الشبهات. فلهذا لا ينبغي للإنسان أن يضع نفسه في أماكن الشبهات أو يسمع من هذه الشبهات التي قد لا يستطيع أن يردها، فالابتعاد عنها أسلم. لكن من استطاع أن يرد على هذه الشبهات وقد عرف هذه الشبهات وعرف ردودها فلا بأس. واستدلوا بما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك الشاب الذي ذهب إلى الدجال بنفسه ورد شبه الدجال، ولما قتله ثم قام قال: «والله ما ازددت إلا يقينًا أنك الدجال». فهذا رجل رسخ الإيمان في قلبه، وكذلك العلم الذي معه. فلهذا قال العلماء: إن من كان متمكنًا من نفسه وعنده علم وإيمان واعتقاد، فهذا يمكن أن يسمع بعض الشبهات حتى يرد عليها وهو يعرف هذه الشبهات ويعرف ردودها. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «وتعوذوا بالله تبارك وتعالى من عذاب القبر». وفي هذا إثبات لعذاب القبر، إثبات لعذاب القبر. وقد جاءت الأدلة المتكاثرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إثبات عذاب القبر، ومنها في الصحيحين حديث أنس وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم. فعذاب القبر ثابت في السنة، بل جاء في قول الله جل وعلا: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾. قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «نزلت في عذاب القبر». واستدل أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بقول الله جل وعلا: ﴿النار يعرضون عليها غدوة وعشية ويوم تقوم الساعة أدخل آل فرعون أشد العذاب﴾. واستدل على عذاب القبر أنهم يعذبون قبل يوم القيامة. وقال أيضًا الله عز وجل: ﴿سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم﴾. قال الحسن البصري: أي يعذبون في الدنيا ويعذبون في القبر. عذبوا في الدنيا ويعذبون في القبر. وجاءت السنة المتكاثرة والمتواترة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عذاب القبر. وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إنما تعذب يهود». كان قبل يقول: «إنما تعذب يهود» حتى أوحي إليه أنه أيضًا هذه الأمة تعذب كما جاء في الصحيحين في حديث عائشة. ثم كان بعد ذلك صلى الله عليه وآله وسلم لا يصلي إلا ويستعيذ من عذاب القبر. فهذا ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم وأحكم. الحمد لله رب العالمين.

شاركنا على