الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 29، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع أساليب القرآن في مجادلة أهل الكتاب والكفار، منها الدعوة إلى الحق ببيان محاسن الدين وبراهينه، والتحدي بالإتيان بمثل القرآن، والمباهلة، وضرب الأمثال كتمثيل العبد المملوك والسيد لتوضيح عدم استواء الخالق بالمخلوق، ووجوب تنزيل كل شيء منزلته اللائقة به.
يعرض المقطع حجة إبراهيم عليه السلام على قومه ببطلان عبادة الأصنام لعجزها عن الخلق والرزق، ثم ينتقل لتحدي الكفار بالإتيان بشريعة أحسن من شريعة الإسلام التي حققت العدل والضبط الاجتماعي، ويختم بتحديهم بالإتيان بمثل القرآن الكريم المعجز الذي عجز البشر والجن عن معارضته.
يوضح المقطع أن المباهلة هي وسيلة قرآنية قصوى تُلجأ إليها فقط عند إصرار المكابر على عناده بعد استنفاد وسائل الدعوة الرفيقة، ويركز على أن القرآن رتبه الله تعالى منهجاً متكاملاً للمجادلة يبدأ بالتي هي أحسن وينتهي بالمباهلة في أصول الإيمان والكفر، محذراً من ابتكار أساليب غير قرآنية قد تنفر المدعوين.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وعلى... أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد: اقرأ يا أكرم... وأنه لا يليق أن يجعل للمخلوق العبد الفقير العاجز من كل وجه بعض حقوق الرب الخالق الغني من جميع الوجوه، ويتحداه أن يأتي بكتاب أو شريعة أهدى وأحسن من هذه الشريعة، وأن يعارض القرآن فيأتي بمثله إن كانوا صادقين، ويأمر نبيه بمباهلة من ظهرت مكابرته... ويأمر نبيه بمباهلة من ظهرت... ويأمر نبيه بهم... أنه رسول الله الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، وأنهم لو باهلوه لهلكوا... المباهلة... وفي الجملة لا تجد طريقًا نافعًا فيه إحقاق الحق وإبطال الباطل إلا وقد احتوى عليه القرآن على أكمل الوجوه. ظهر الواو هنا زائدة، كلكم عندكم الواو، عندك الواو يعني: إلا وقد احتوى عليه القرآن على أكمل الوجوه. طيب، الحمد لله، وأن يعارض القرآن فيأتوا بمثله، هو بالغد... حد أن لا كيف مثل... قل: إن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا. بمثله، بمثله، ما هاتي... إذا في شيء بمثله. طيب، الحمد لله، وصلات السلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه والولاه. وبعد: لا يزال المؤلف يذكر الأساليب التي جاءت في القرآن في مجادلة أهل الكتاب، فقولوا هنا: وهذا الأصل في القرآن كثير، يعني مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن. قال: فإنه يفيد الدعوة للحق، وقولوا: هذا الأصل... يعني هذا هنا اسم الإشارة يعود على ما تقدم من بياني براهين هذا الدين وصدق هذا الدين، بمعنى أن تأتي بمحاسن هذا الدين. طيب، لأنه ذكر من قبل ويجادلهم بتوضيح الحق وبيان براهينه، وأن صدقه وحقيته تدفع بمجردها جميع الشبه المعارضة له، يعني يكون ذلك بتوضيح جمال وحسن هذا الدين. فهذا الأصل في القرآن كثير، يعني بيان حسن وكذلك حجج وبراهين هذا الدين، ورد كل ما ينافيه. ثم قال: في أمر آخر يجادل به الكفار، ويجادلهم بوجوب تنزيل الأمور منازلها. مثلا يقال له... يقال له مثلا: وهذا في القرآن كثير، يقال له مثلا: لو أن عندك مملوك، عبد عندك عبد، فهل يصح أن تجعل لهذا العبد منزلة السيد، فتجعله يحكم أو تجعله يملك المال؟ لا يصح، هذا لا يرضى. وهذا مثل قد ضربه الله في القرآن، قد ضربه الله عز وجل: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ يَرْزُقُهُ حَسَنًا فَهَلْ يَسْتَوِيَانِ﴾ [النحل: ٧٥]... اللي يستوي هو والذي يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم. فيضرب لهم مثل هذه الأمثلة، فيقول لهم مثلا: أنه لا يليق أن يجعل للمخلوق العبد الفقير العاجز من كل وجهه بعض حقوق الرب الخالق، كما أنت ما ترضى أن تعطي عبدك بعض منازلك من السيادة ومن الحكم ونحو ذلك، فكيف ترضى أن تعطي هذا المخلوق حقًا لله عز وجل في عبادته أو في طلب الرزق منه أو نحو ذلك؟ فهذا معنى قوله: ويجادلهم بوجوب تنزيل الأمور منازلها، كل شيء له منزلة وله كذلك يعني درجة لا يتجاوزها. قالوا: أنه لا يليق أن يجعل للمخلوق العبد الفقير العاجز من كل وجه بعض حقوق الرب الخالق الغني الكامل من جميع الوجوه. فهذا مثلا الصنم الذي يعبده، هل يستطيع أن يخلق أو أن يرزق أو أن ينفع أو أن يضر؟ ما يستطيع، فكيف جعلت هذا المخلوق الضعيف كالخالق القوي العزيز القدير سبحانه وتعالى؟ فتحاجهم بمثل هذه الحجج. ثم انتقل إلى أمر آخر، قال: ويتحداهم أن يأتوا بكتاب أو شريعة أهدى وأحسن من هذه الشريعة. انظر الآن مثلا إلى شريعة الإسلام، تبين له مثلا في مسألة الأحكام الشرعية كيف أن هذا الإسلام أعطى كل ذي حق حقه، أعطى الوالدين حقهما، وأعطى الزوجة حقها، وأعطى الأولاد حقهم في الميراث، وكذلك الحدود في غيرها. هل سيجدون شريعة مثل شريعة الإسلام؟ الآن الكفار في زماننا هذا بدأوا يأخذون بأحكام الإسلام، بدأوا يأخذون بأحكام الإسلام لأنهم ما استطاعوا أن يضبطوا مجتمعاتهم في كثير من الأمور، ما استطاعوا أن يضبطوا مجتمعاتهم، فرأوا أن شريعة الإسلام هي التي تضبط المجتمعات، وأن الدول الإسلامية يقل فيها الجرائم، وكذلك الأمور التي تقل بأمن البلاد بسبب تلك الشرائع المحكمة المتقنة، المحكمة المتقنة. فأنت هذا الكافر تبين له كما ذكر هنا أن هذه الشريعة شريعة محكمة متقنة، لا يوجد مثلها في هذه الأرض من قوانين البشر أو نحوها، لا يوجد ذلك. ويقول لهم: إذا لم تصدقوني هيئتوا لنا، ابحثوا هل هناك شريعة أفضل من شريعة الإسلام؟ لا يجدون أبدًا، لا يجدون شريعة أفضل من شريعة الإسلام. وهذا قد ورد في بعض الآيات، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الجاثية: ١٨-١٩]. لماذا؟ لأن شرائعهم شرائع كاسدة فاسدة، شرائع كاسدة فاسدة. نعم، فأنت تحاجهم بهذا، تبين لهم، وهذا يدخل في معنى بيان يعني براهين، وكذلك يعني حسن هذا الدين، حسن هذا الدين. ثم قالوا: أن يعارضوا القرآن فيأتوا بمثله إن كانوا صادقين. يقال لهم: هذا القرآن، هل يوجد كتاب في العالم أجمع أحسن من القرآن؟ اتني أنت بكتاب، أنا أستطيع أن أؤلف مثله وأحسن منه، لكن أتحداك أن تكتب كتابًا مثل القرآن. العرب وهم أهل البلاغة وأهل الفصاحة وأهل اللغة، تحداهم الله عز وجل أن يأتوا بعشر سور من مثله، أن يأتوا بسورة من مثله، أن يأتوا بمثله، ما استطاعوا. كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ وقال قبلها: نعم، ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٣-٢٤]. فهكذا تتحدى أنت هؤلاء المجادلين بالتي هي أحسن أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وأن تعرض عليهم القرآن، وأن تقرأ عليهم القرآن، فهو يؤثر، القرآن مؤثر. كم من كافر كان سبب إسلامه سماعه للقرآن، لأن القرآن يؤثر في القلوب، كما قال الله عز وجل: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١]. نعم، فهذا أيضًا مما يحاج به الكفار بالتي أحسن. ثم قال: ويأمر نبيه بمباهلة من ظهرت مكابرته وعناده، فينكسون عنه لعلمهم أنه رسول الله الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، وأنهم لو باهلوه لهلكوا. المباهلة كما جاء في سورة آل عمران: ﴿قُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١]. يجتمع هذا يحلف أنه صادق، وهذا يحلف أنه صادق، يقولون: ولعنة الله على الكاذبين. طيب، اللعنة بمعنى الطرد من رحمة الله. والمباهلة لا يلجأ إليها من أول وهلة، من أول الأمر، وإنما كما يقال: آخر العلاج الكي. يكون هذا في آخر الأمر، لا يبدأ بها الداعية... الله عز وجل في أي شيء أن تجد بعض طلاب العلم اختلفوا في مسألة دقائق إلا ويقول له: خلاص وباهلك على هذه المسألة. سبحان الله، هذه المباهلة أمرها عظيم، لا يكون من أول الأمر، ولا يكون في مسائل يعني يسيرة وهينة، إنما يكون في مسائل عظيمة. ولذلك جاءت المباهلة في مسألة الإيمان والكفر، ليس في أي مسألة، في مسألة ماذا؟ الإيمان والكفر. فإذا هذا المجادل أتيت له بالحجاج، أتيت له... ولذلك من سبحان الله يعني من حسن ترتيب المؤلف أن المباهلة ذكرها آخر شيء، صح، ذكر المباهلة آخر أسلوب من أساليب مجادلة الكفار. لأن أولا تبدأ معه بالأساليب المتقدمة من عرض الإسلام، من يعني إلزامه بتوحيد الربوبية، من يعني بيان له محاسن هذا الدين، من كذلك يعني أن يأتي بمثل هذه الشرائع أو بمثل هذا القرآن، ثم إذا أصر على عناده، أصر على كفره، تقول له: خلاص إذن نتباهل. فهنا سيجد من نفسه ماذا؟ سيجد من نفسه يعني معارضة لهذا الأمر، لأنه يعلم أنه على باطل، لكن الكبر والعناد، الكبر والعناد. ولذلك هذا الأمر لا يلجأ له إلا في آخر شيء، آخر علاج الكي كما يقال. فهذا معنى قوله: ويأمر نبيه بمباهلة من ظهرت مكابرته وعناده. خلاص، ظهرت بمعنى ما يعني نفعت فيه الوسائل الأولى والطرق الأولى في دعوته، فهنا يلجأ إلى هذا الأمر وهو المباهلة، فينكسون عنه إلى آخره. قال: وفي الجملة لا تجد طريقًا نافعًا فيه إحقاق الحق وإبطال الباطل إلا وقد احتوى عليه القرآن على أكمل وجه. وهذا سبحان الله يعني المؤلف في أول هذه القاعدة وفي آخر هذه القاعدة يحث على اتخاذ الوسائل، وسائل الدعوة والمجادلة، مجادلة أهل الكتاب وأهل الكفر من القرآن، لا من غيره، من القرآن. فهو يؤصل هذا الأصل أن الداعي إلى الله عز وجل لا يذهب يمينا ولا شمالا، ولا يبتكر وسائل لربما تنفر الكافر، فالقرآن فيه بركة، والله عز وجل يعلم ما يعني يأتي بقلوب عباده إلى الحق، فيأتي بالوسائل ويأتي بالطرق النافعة الناجعة التي بها بإذن الله عز وجل يقتنع المعاند والمكابر فيعود إلى الصواب وإلى الحق والجادة. طيب، نكتفي بهذا اليوم إن شاء الله، وإلى هنا، والله تعالى... اشتركوا في القناة.