الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  88

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 88

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 88، ألقاها

مقدمة في شرح حديث النبي عن ظن العبد بربه

يبدأ الدرس بشرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن ظن العبد بربه، ويبين أهمية هذا الحديث في الرجاء. هذا الحديث يعد من أعظم الأحاديث في باب الرجاء حيث يقول الله عز وجل: «أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني».

بيان مفهوم حسن الظن بالله

يشرح المقطع مفهوم حسن الظن بالله عز وجل ويوضحه بالأحاديث النبوية والآيات القرآنية. حسن الظن يكون بالعمل الصالح والتوبة من الذنوب، ويفرق بين حسن الظن وإساءة الظن بالله.

الموازنة بين الخوف والرجاء في قلب المؤمن

يجب على المؤمن أن يكون بين الخوف والرجاء، ويختلف تقديم أحدهما على الآخر حسب المواضع. عند الموت يقدم الرجاء، وعند المعصية يقدم الخوف، والمؤمن يجتهد في عمل الصالحات ويستغفر الله إذا أخطأ.

التفريق بين أقسام الدعاء والذكر

الدعاء ينقسم إلى دعاء مسألة ودعاء عبادة. الذكر يعتبر من دعاء العبادة، بينما يكون دعاء مسألة إذا كان طلبًا. هذا التفريق يساعد على فهم أعمق لأنواع الدعاء وأهميتها في العبادة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا سليمان، وهو ابن داود أو داود الطيالسي، صاحب المسند، قال له: كتاب المسند، وقال: إنه أول من ألف المسند في البصرة، أو من أول من ألف المسند في البصرة، وكان حافظًا كبيرًا، وهو من أصحاب شعبة. قال: حدثنا شعبة بن الحجاج، أمير المؤمنين في الحديث، قال: حدثنا قتادة وابن دعام، أبو الخطاب السدوسي، رحمه الله، كان ولد أكمه، ولد أعمى، رحمه الله، لكن أتاه الله عز وجل حافظًا عظيمًا، قال: عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: يقول الله عز وجل: «أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني». قال: هذا حديث صحيح. وسليمان شيخ الإمام أحمد هو سليمان بن داود أبو داود الطيالسي، كما ذكره بكنيته أنا في مكان آخر، وهو من الحديث الكثير في المسند التي تكررت سندًا ومتنًا. والحديث أخرجه البيهقي فقال رحمه الله: حدثنا أحمد، والظاهر أنه أحمد بن حمد، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا شعبة عن قتادة أنه سمع أنسًا يحدث فذكره. قاله شيخ أبي حاتم، وهو أحمد بن يعقوب الدورقي، أخو إبراهيم بن يعقوب، كلاهما رجلان فاضلان وحافظان من حفاظ الحديث. فهذا الحديث هو حديث عظيم قد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وليس فيه «وأنا معه إذا دعاني»، لكن فيه «أنا عند ظن عبدي بي»، وجاء في غير الصحيحين «فليظن بي ما شاء»، «فليظن بما شاء أنا عند ظن عبدي بي». وهذا حديث عظيم في الرجاء، بل قال بعض العلماء: إن هذا من أعظم الأحاديث التي في الرجاء، بل هو أعظم حديث مطلقًا، كما أنهم يقولون: أعظم آية في الرجاء. منهم من يقول: إنها قول الله جل وعلا: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾، ومنهم من يقول غير ذلك. ولعل لإمام الشنقيطي أن أرجى آية في كتاب الله جل وعلا هي قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير جنات عدن يدخلونها﴾. فهنا قول الله عز وجل يقول: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله﴾، ثم لما ذكر جزاءهم قال: ﴿جنات عدن يدخلونها﴾، أي هؤلاء كلهم يدخلونها، فالواو هنا قال: هي أعظم واو في القرآن. قال: لو أنها تكتب بماء الدهر، فهذه الواو «يدخلونها»، ما قال «يدخلها»، وإنما قال «يدخلونها»، أي كل هذه الأصناف الثلاثة: الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات. لكن لا شك أن درجاتهم في الجنة تختلف، فالسابق غير المقتصد، والمقتصد أيضًا أفضل من الظالم لنفسه. فهذا الحديث أيضًا هو من أعظم الأحاديث التي جاءت في الرجاء «أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء». وجاء في حديث جابر في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه»، إلا وهو يحسن الظن بربه «أنه لا يعذبه». وأحسن الظن بالله جل وعلا أن العبد يعمل الصالحات ويسأل الله عز وجل أن يقبلها، وإن عمل شيء من المعاصي استغفر الله ودعا الله عز وجل أن يغفر له ما أخطأ. فهذا هو سبيل حسن الظن، وليس كما ظنه أناس أنه يسيئون العمل ويظنون أنهم يحسنون الظن، كما قال الحسن، ذكر ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله في كتاب الجواب الكافي، قال عن الحسن أنه قال: «إن قومًا ادعوا أنهم يحسنون الظن بالله ولم يحسنوا العمل وكذبوا، فلو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل». فلهذا الواجب على المسلم أنه يظن بالله عز وجل الظن الحسن، لا يكون مثل أهل الجاهلية والكفار يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، لكن يظن بالله عز وجل الخير، يتفاءل بالخير، يتفاءل بالخير. كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل، كما في صحيح مسلم، يعجبه الفعل، وقيل: ما الفأل يا رسول الله؟ قال: «الكلمة الطيبة». والفأل هو الفعل الحسن، هو الظن بالله عز وجل أنه سيأتي بالخير وأنه كذا، لا يظن الإنسان الشر، يقدم الشر ويجعل الشر هو الذي يظنه، بل إنه يعمل ويجتهد في طاعة الله عز وجل ويسأل الله عز وجل القبول، ويسأل الله عز وجل أن يتقبل منه هذه الأعمال، فهذا حسن الظن بالله جل وعلا. وليس حسن الظن أن الإنسان يكثر في المعاصي وينهمك في المعاصي ويقول: الله غفور رحيم، فهذا ليس حسن الظن، بل هذا إساءة الظن بالله جل وعلا، وهذا أيضًا رجاء خطأ، ولا ينبغي للمؤمن أن يكون هكذا اعتقاده. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾، أو قال: ﴿ثم أورثنا﴾، يقول الله عز وجل: فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون: سيغفر لنا، وإذا أتاهم عرض آخر مثله يأخذونه، ألم يأخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه؟ أي نسوا ما في الكتاب وانهمكوا في مخالفات الشرع وظنوا أن الله عز وجل سيغفر لهم، هذا ظن خطأ لأنهم هم أهل فساد وحل باطل. فالواجب على المسلم أنه يجتهد ويستقيم في عمل الصالحات، وإن حصلت منه أخطاء فيستغفر الله عز وجل ويتوب إليه، فهذا حسن الظن بالله جل وعلا. ومسألة الظن هذه غالبًا تكون رجاءً، تكون في الرجاء، واليأس يكون في الخوف، فلهذا المؤمن بين الخوف والرجاء، المؤمن بين الخوف والرجاء. واتفق أهل السنة على أن المؤمن يكون بين الخوف والرجاء، وإنما اختلفوا في بعض المواضع هل يقدم الخوف أو يقدم الرجاء؟ فحصل خلاف بين أهل العلم في هذا. فمثلًا عند الموت هل يقدم إذا كان في مرض موته هل يقدم الخوف أو يقدم الرجاء؟ فالذي جاءت به السنة أنه يقدم الرجاء، وإذا كان مثلًا عند معصية أراد أن يفعل معصية فهنا يقدم الخوف، وهكذا. فلا يجتمع الخوف والرجاء إلا في قلب مؤمن، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يجتمعان إلا في قلب مؤمن». وقال أيضًا كما عند البيهقي والبزار وغيرهما بسند صحيح: «لا يجتمعان أمنان وخوفان، لا يجتمعان أمنان وخوفان في قلب مسلم، لا يجتمع أمنان وخوفان في قلب مسلم، إن أمنني في الدنيا خوفته في الآخرة، وإن خافني في الدنيا أمنته في الآخرة». وهنا المراد الأمن ليس الرجاء من الله عز وجل، وإنما الأمن هو أمن مكر الله جل وعلا، أنه يأمن فيفعل معاصي ولا يبالي، وليس هو الرجاء الذي يظن فيه الظن الحسن بالله جل وعلا. قال: «وأنا معه إذا دعاني»، أيضًا هذا فضل عظيم من الله سبحانه وتعالى لعباده، وأنه يكون مع عباده في دعائهم، كما قال الله عز وجل: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾. وأيضًا كذلك ربنا سبحانه وتعالى ذكر أنه مع الداعي «وأنا معه إذا دعاني». وجاء في صحيح البخاري في حديث أبي موسى الأشعري أنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالذكر والتكبير والدعاء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من شراك نعله». إن الذي تدعونه أقرب من أحدكم من شراك نعله. فلهذا فإن الإنسان متى ما دعا الله عز وجل فالله عز وجل معه، وهذا أيضًا يفسره قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو هريرة: «أنا مع عبدي إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم». وهذا يشهد لهذا الحديث، أو أيضًا يدخل في معناه، لأن الدعاء والذكر بينهما عموم وخصوص، الدعاء والذكر بينهما عموم وخصوص، فالدعاء كل دعاء هو ذكر لله عز وجل، كل دعاء داخل في ذكر الله سبحانه وتعالى. ولأن الدعاء يقسم إلى قسمين: دعاء مسألة ودعاء عبادة، فالذكر يعتبر من دعاء العبادة، وإذا كان طلبًا فهو دعاء مسألة. طيب هذا شيء يذكر في هذا الحديث فنكتب به والله تعالى أعلم.

شاركنا على