الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  95

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 95

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 95، ألقاها

مقدمة عن الإمام الدارمي وسند حديث أنس بن مالك

يتحدث عن الإمام الدارمي وعلمه في الحديث، ويذكر سند حديث عن أنس بن مالك حول صنع منبر للنبي صلى الله عليه وسلم.

حادثة حنين الجذع عند استحداث المنبر للنبي

يروي حادثة حنين الجذع لفراق النبي له عند استحداث المنبر، ويشرح سند الحديث ومعنى إطلاق لقب 'حافظ' على رواة الحديث.

شرح حديث الجذع وتأثير النبي على الجماد

يشرح حديث الجذع الذي حن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويبين صحته واستدلاله على بركة النبي وتأثيره.

حادثة ضم النبي لابن عباس وتأثيرها

يشير إلى حادثة ضم النبي لابن عباس وبكائه لو لم يضمه، ويبين شبه تواتر هذه الحادثة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي وعلي رحمه الله: قال الدارمي رحمه الله، والدارمي هو أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، الحافظ الكبير، وهو يعتبر صديق البخاري. وأيضًا الحفاظ يقربون من بعضهم، فكل من محمد بن إسماعيل وعبد الله بن عبد الرحمن، ولما ذكر عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي عند الإمام البخاري قال: «ذاك السيد»، تعظيمًا له. ولما توفي كان الإمام البخاري يتمثل بقول الشاعر: «إن تعش تفجأ بالأحبة كلهم»، فكان رحمه الله إمامًا حافظًا كبيرًا، وعنده أيضًا دراية بعلم الحديث. وكان الإمام الترمذي أيضًا يسأله، يسأل البخاري ويسأل الدارمي. وهذا الدارمي غير الدارمي الذي ألف كتاب النقض على بشر المريسي، فذاك عثمان بن سعيد الدارمي، صاحب ابن معين، صاحب التاريخ الذي كان يسأل ابن معين، يحيى بن معين، عن أسئلة في الرجال. فذاك عثمان بن سعيد، وهذا عبد الله بن عبد الرحمن، صاحب السنن، أو يسمونه المسند. قال أخبرنا محمد بن أحمد بن أبي خلف، قال حدثنا عمر بن يونس، وهو ثقة، قال حدثنا عكرمة بن عمار، وهو اليمامي، وهو ثقة إلا في روايته عن يحيى بن أبي كثير، فقد انتقدها بعض العلماء. فقال يحيى بن سعيد القطان: إنه يضطرب كثيرًا. وهكذا قال أحمد: لما سئل عن روايته عن يحيى بن أبي كثير، قال: «يضطرب بها كثيرًا». قال حدثنا عكرمة بن عمار، قال حدثنا إسحاق بن أبي طلحة، وهو إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وهو أنس يعتبر عم أبي إسحاق، ابن عبد الله بن أبي طلحة، قال حدثنا أنس بن مالك، وهو عمه، قال: «إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقوم يوم الجمعة فيسند ظهره إلى جذع منصوب في المسجد فيخطب الناس، فجاءه رومي فقال: اصنع لي منبرًا، فأقعد عليه وكأنك قاعد». والحديث جاء في الصحيحين من حديث سهل بن سعد، أن الذي فعل له هذا هو رجل من الأنصار، جاء وامرأة من الأنصار، وقالت: «يا رسول الله، إن ابننا جارك، فلا أجعل له شيئًا يقوم عليه». قال: «إن شئت فافعل». ففعل له منبرًا له ثلاث درجات، كما جاء في صحيح مسلم ذكر الدرجات. والحديث في الصحيحين أصبح لسهل. وهذه الحادثة التي حصلت قد جاءت عن عدة من الصحابة، بل لو قال الإنسان أنها متواترة لما أبعد، لكثرة من روى هذه الحادثة، وهي حنين الجذع. قال: «فجاءه رومي فقال: لا أصنع لك شيئًا تقعد عليه وكأنك قاعد». فصنع له منبرًا له درجتان، ويقعد على الثالثة، من ثلاث درجات يصعد عليها. قال: «فلما قعد نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك المنبر خار الجذع كخوار الثور حتى ارتج المسجد حزنًا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم». هذا الجذع حن لرسول الله صلوات الله عليه ببركته، عليه الصلاة والسلام. قال: «فنزل إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المنبر فالتزمه وهو يخور، فلما التزمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سكن». ثم قال: «والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لما زال هكذا إلى يوم القيامة حزنًا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم». فأمر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدفن. قال: هذا حديث الحسن. قال الإمام التلمذي رحمه الله: حدثنا محمود بن غيلان، قال حدثنا عمر بن يونس. محمود بن غيلان هو مروزي، أبو الحسن المروزي، حافظ من حفاظ الحديث. وعندما نقول: حافظ من حفاظ الحديث، فلا إشكال في ذلك. ليس المراد أن هؤلاء كلهم رواة الحديث، لكن هناك أناس يتميزون بالحفظ، أن هناك رواة للحديث يتميزون بالحفظ، فلهذا يطلق عليهم العلماء حافظًا. فإذا قرأت مثلًا في مسانيد البيهقي أو مسانيد المتأخرين، هؤلاء مثلًا الحاكم أو غيرهم، تجد أنه أحيانًا يقولون على رجل: الحافظ. ويطلقون في أشخاص، فهم الآن يقصدون أن الحافظ هذا الذي يحفظ عنده أحاديث كثيرة يحفظها. حددها بعضهم بكذا وكذا من الأحاديث، وبعضهم لم يحدد، أي من الأئمة، لكن يعرفون الرجل بمذاكرة يذاكرونه في الحديث، فإن كان رجلًا حافظًا متقنًا، فقالوا: إنه حافظ. قال أخبرنا عمر بن يونس، عن عكرمة بن عمار، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطب إلى جذع، واتخذ له منبرًا فخطب عليه، فحن الجذع حنين الناقة». وجاء في رواية الصحيح: «الناقة العشراء»، عن الناقة الحامل التي ينفصل عنها ولدها. قال: «فنزل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فمسه فسكت». قال: حديث أنس، هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، لأنه قد جاء عن أنس من غير هذه الطريقة، من طريق قتادة، ثابت. قال أبو عبد الرحمن: هو حديث حسن على شرط مسلم. وقال الإمام أبو عبد الله بن ماجة، محمد بن يزيد القزويني: حدثنا أبو بكر بن خلاد الباهلي، وهو أيضًا حافظ من حفاظ الحديث، قال حدثنا بهز بن أسد، وبهز كما ذكرنا قبل، هو من حفاظ أهل البصرة، من المتقنين، والذين قال فيهم الإمام أحمد: إليهم المنتهى في التثبت. وكما ذكرنا أكثر من مرة: هم ثلاثة، بهز بن أسد، وعفان بن مسلم، وحبان بن هلال، هؤلاء من أهل البصرة، من كان يدون الحديث ويضبط الكتاب، يضبطون كتبهم حتى إنهم يشكلونها. قال حدثنا بهز بن أسد، قال حدثنا حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس، وعن ثابت، عن أنس: «أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر ذهب إلى المنبر فحن الجذع». قال: «فحن الجذع فأتاه فاحتضنه فسكت». فقال: «لو لم أحتضنه لحن إلى يوم القيامة». قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. فهذا الحديث ساقه عكرمة بن عمار بطوله، وفي رواية ابن أبي خلف. والحديث صحيح موجود كما قلنا في الصحيحين، حديث سهل، حديث أنس، حديث جابر، وجماعة من الصحابة. فهذه الحادثة التي حصلت قد رأها الصحابة رضي الله عنهم ونقلوها، وفيها ما كان عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من البركة، فإن الجماد قد يتأثر، لكن هذا ببركة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فهذا الجذع حن لرسول الله لما يسمع من الذكر، كما جاء في رواية أنس: لما يسمع من الذكر. وهذا المعنى ليس بعيد، لأن الله عز وجل قد ذكر: «أن كل شيء له تسبيح، وإن من شيء إلا يسبح بحمده». وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إني لا أعلم حجرًا بمكة كان يسلم علي، وما ذلك على الله بعزيز». فربنا جل وعلا قادر على كل شيء سبحانه وتعالى، فقد يجعل الجماد ينطق. فهذا الجذع خرج عن طوره حتى إنه حن وخار، الخوار هو صوت الثور، والحنين هو صوت الناقة التي تحن لولدها. فهذا الجذع حن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما يسمع من ذكر الله جل وعلا. وفي هذا الحديث أيضًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم دفن الجذع، وليس هذا في الصحيحين. الله أعلم هل حفظ ذلك عكرمة. فدفن، قال: «إنه أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفن». والذي جاء في الصحيحين: أنه ضمه عليه الصلاة والسلام حتى سكت، فقال عليه الصلاة والسلام: «لو لم ألتزمه لما زال هكذا إلى يوم القيامة»، أو قال: «لحن إلى يوم القيامة». فهذه الحادثة كما قلنا شبه متواترة عبر عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. نكتب بهذا والله تعالى أعلم. شكرًا.

شاركنا على