الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 127، ألقاها
رأى النبي صلى الله عليه وسلم الجنة والنار في صلاة الصبح، ووصف نعيم الجنة. كانت هذه الرؤية إشارة إلى جزاء الآخرة لأهل الصلاح والتقوى.
رؤية النبي للجنة والنار تدل على يقينه العظيم ووجودهما في الحياة الآخرة. عرضت عليه النار وكان ذلك إشارة إلى جزاء الآخرة لأهل المعاصي.
يوم القيامة، يمر الناس على الصراط بسرعات مختلفة، ويشفق النبي عليهم من النار. ثم يقرهم الله في أماكنهم لمرورهم إلى الجنة بإذن الله.
النبي صلى الله عليه وسلم يتواضع مع أصحابه ويقدر أعمالهم الصالحة، مؤكدًا أن فضله عليهم هو النبوة فقط. هذا يظهر تواضعه وتقديره لأصحابه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله أنه لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام الطحاوي رحمه الله في «مشكل الآثار»: حدثنا بحر بن نصر، وبحر بن نصر هو مروان، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، وهو ديوان العلم، يلقب بديوان العلم لشدة حفظه، لكثرة حفظه، قال: حدثني معاوية بن صالح، وهو أيضًا مصري، ومعاوية بن صالح من حفاظ مصر، وجاء في «الشريعة» للأجري أنه مكتوب: «زمعة بن صالح»، وظهر أنه خطأ، في «الشريعة» للأجري مكتوب: «زمعة بن صالح»، وهو خطأ، وإنما هو معاوية بن صالح، قال: عن عيسى بن عاصم، وهو أسدي كوفي، وهو ثقة، قال: عن زر بن حبيش، قال: لنس بن مالك، وزر بن حبيش هو كوفي أيضًا، معدود في الكوفيين، وهو من المخضرمين، قال: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلاة الصبح، فبينما هو في الصلاة مد يده ثم أخرها، فلما فرغ من الصلاة، قلنا: يا رسول الله، صنعت في صلاتك هذه ما لم تكن تصنعه في صلاة قبلها»، قال: «رأيت الجنة عرضت علي، ورأيت فيها حبة قطوفها دانية»، وفي «المستدرك»: «دلة قطوفها دانية»، قال: «حبها كالدباء، فأردت أن أتناول منها، فأوحي إلي أن استأخري، فأوحي إلي أن استأخري، فاستأخرت»، أي الجنة، ثم عرضت علي النار بيني وبينكم، حتى رأيت ظلي وظلكم، فأومأت إليكم أن استأخروا، فأوحي إلي أن أقرهم، فإنك أسلمت وأسلموا، وهاجرت وهاجروا، فلم أر لي عليكم فضلا إلا النبوة»، قال: «هذا حديث حسن». فهذا الحديث أخرجه أيضًا الإمام الحاكم، وهو عبد الله، من طريق أخرى عن عبد الله بن وهب، وأيضًا أخرجه الإمام ابن خزيمة، والحديث إسناده صحيح، وبعضه أيضًا في الصحيح، يشبه أن يكون في الصحيحين في صلاة الكسوف، وأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى الجنة ورأى أيضًا قطوفها. قالوا: «فإذا نبقها كقلال هجر»، نبقها معنى الدوم الذي يكون يخرج من السدرة أو شجرة السدر، كبرها هذا الدوم يسمى نبق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا نبقها كقلال هجر». ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنه: «ليس بين الدنيا والآخرة -أو الجنة- الفواكه والأشياء التي تذكر في الجنة، ليس بينها وبين ما في الدنيا إلا الأسماء»، معنى هذا: عينب، وذاك يسمى عينب، لكن ذاك آخر، ليس كعينب الدنيا، وأيضًا هذه أشجار، وتلك أشجار، لكن ليست مثلها، فهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نبقها كقلال هجر»، أن النبق كبير، وقلال معنى ما نسميه زير أو كذا، معنى الذي يكون من الفخار ومن الطين، القلة، وقلال هجر تكون كبيرة، فلهذا فالنبق يكون مثل هذه، فالعنب سيكون أكبر وأعظم، فلهذا قال أيضًا: كذلك في الطعم، فطعمه سيكون آخر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله عز وجل: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»، في الجنة أشياء أخرى لم تخطر على بال الناس، نعيم لا ينفد، ونعيم مقيم، ونعيم أبدي، ونعيم لم ير، لم ير الناس نعيمًا مثله. ولهذا يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار، أو يؤتى بأبأس أهل الدنيا من أهل الجنة، فيغمس فيها، فينسى ما كان عليه من البؤس، فيقال له: هل رأيت بؤسًا قط؟ فيقول: لا، فيقال: هل مر بك بؤس قط؟ فيقول: والله ما مر ببؤس قط، يعني ينسى ما كان في الدنيا بغمسة واحدة في الجنة، فينسى ما كان عليه في الدنيا من الفقر والفاقة والحاجة، بغمسة واحدة من الدنيا. كما أن أيضًا العكس، أنه يؤتى بأنعم أهل الدنيا فيغمس بغمسة في النار، فينسى ما كان من تنعمه في الدنيا. فلهذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى الجنة، وأما مثل «القطوف الدانية»، فهذا قد جاء في كلام الله عز وجل: «قطوفها دانية»، ودانية أي متدلية، على غصون الأشجار، والفواكه تأتي للشخص إلى مكانه، إن أراد شيئًا أخذه وقطفه عنده، هذا الثمر. فقال: «صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، فبينما هو في الصلاة مد يده ثم أخرها»، وعنوا بذلك وهم في الصلاة، قال: «فلما فرغ من الصلاة»، يعني انتهى من صلاته عليه الصلاة والسلام، «قلنا: يا رسول الله، صنعت في صلاتك هذه ما لم تكن تصنعه في صلاة قبلها»، معناه ما عهدناه، وهذا إلا وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، لما خنق الشيطان مد يده ثم تراجع، وذكر لهم أنه خنق الشيطان، أراد أن يلبس على صلاته، فخنقه، قال: «فلولا دعوة أخي سليمان لكان مربوطًا في المسجد»، فقال: «فما لم تكن تصنعه في صلاة قبلها»، قال: «رأيت الجنة»، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كانت صلاته سكون، ما كان يتحرك عليه الصلاة والسلام في صلاة، كان يهدأ في صلاة ويسكن، لكن لما تحركت يده استغرب من هذا التحرك، مد يده ثم تراجع، قال: «رأيت الجنة عرضت علي، ورأيت فيها حبة قطوفها دانية»، قال: «كأنه رأى أشجارًا كثيرة قطوفها دانية»، وفيها الفواكه التي تدلت وتدنت إلى الناس، وقربت إلى أهل الجنة. ورأى النبي صلى الله عليه وسلم أن قطوفها جاءت إليه، معنى كأنها قطوف عنده، لو أراد أن يقطف يقطف، قال: «حبها كالدباء»، الحبة الحب الزرع، حبة البر، حبة هذه الحبوب مثل الدباء، الدباء كبيرة، والحبة صغيرة في هذا في الدنيا، لكن في الآخرة هذه الحبة مثل الدباء، مثل الدباء، معنى تكون كبيرة جدًا، قال: «حبها كالدباء، فأردت أن أتناول منها»، أن يأخذ حبة من حباتها، قال: «فأوحي إلي أن استأخري، فاستأخرت»، أي الجنة. فقال بعض العلماء: إنما استأخرت، أراد أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يزال في الدنيا، وأن هذا الجزاء إنما هو جزاء من يموت، أن يكون في الآخرة، هذه الجنة أعدها الله عز وجل لأهل الجنة، فهي أعدت للمتقين، ولا ينالها أحد إلا بعد موته، لا ينالها أحد في الدنيا، فلهذا لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطف منها استأخرت، أوحي إليها أن تأخر، تأخرت عنه، فهذا إشارة إلى أنه لا يزال في الدنيا، وإنما هذا هو جزاء الآخرة، جزاء الآخرة لأهل الصلاح ولأهل التقوى. فلهذا أوحي إليها أن تأخرت، فاستأخرت، وهذا أيضًا كما قلنا لأجل إشارة إلى هذا الأمر العظيم. وقد جاءت رؤية النبي صلى الله عليه وسلم للجنة، وأنه رأى رؤية، ورأى ناسًا في الجنة، ورأى الأنبياء، فكل ذلك رؤية عين، لكن هذه رأىها رؤية يقين، وهو في الصلاة، رأى ذلك، وهذا يدل على ما كان عليه عليه الصلاة والسلام من يقين عظيم، وأنه صار في قلبه كأنه يرى رأي عين، كأنه يرى رأي عين. مثل ما قال الله عز وجل: ﴿هَٰكُمُ التَّكاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾، عين اليقين متى يكون يوم القيامة تراه أمامك، لكن علم اليقين هو في الدنيا، علم اليقين هو في الدنيا، والناس اختلفوا في علم اليقين، وأعظمهم يقينًا هم الأنبياء، أعظم الناس يقينًا هم الأنبياء، ولهذا رأى النبي صلى الله عليه وسلم الجنة، رأى عينًا، وهذا من شدة يقينه عليه الصلاة والسلام. قال: «ثم عرضت علي النار بيني وبينكم، حتى رأيت ظلي وظلكم»، وهنا قبل هذا فيه مسألة، فيه أن الجنة موجودة، وأن الله عز وجل قد خلقها، وهو يؤيد ما عليه مذهب أهل السنة، أن الجنة قد خلقها الله وهي موجودة الآن، وعلى حديث ذلك كثيرًا، خلافًا لما يقوله ويزعمه المعتزلة، أن الجنة لا تخلق إلا يوم القيامة، وخلقها الآن عبث، كما يقولون، وهذا تجرع منهم، بل الأحاديث والآيات دلت على وجود الجنة. قال: «ثم عرضت علي النار بيني وبينكم، حتى رأيت ظلي وظلكم»، وهذا أيضًا بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أمته، عرضت النار، النار كأنه في الطرف، وهم في طرف آخر، وبينهم النار، وكأنه يريد النبي صلى الله عليه وسلم، أو كأن هذا المشهد يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سبق أمته إلى تخطي النار، قد سبق أمته إلى تخطي النار، وهم يتبعونه، حتى يتخطون هذه النار، حتى يتخطون هذه النار. ولهذا جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «يكون الأنبياء عند جسر جهنم، ويقولون: اللهم سلم سلم، والناس يمرون على الجسر، والجسر يكون على ظلمة، الجسر يكون في ظلمة، فيمر الناس، منهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل»، وهكذا حتى أن منهم من يمر فيزحف زحفًا، يمر زحفًا، ومنهم من يسقط ويقوم، ومن هؤلاء من يسقط في جهنم، العياذ بالله، كما جاء في حديث أبي سعيد. فلهذا فعدي الظلمة وهي ظلمة النار، والظلمة التي تكون في ذلك المكان، فالنار ظلمة، فلهذا هنا قال: «رأيت ظلي وظلكم»، من أين هذا الظل؟ ففسره بعضهم أنه النور الذي يكون مع أهل الإيمان، النور الذي يكون مع أهل الإيمان، فالنبي صلى الله عليه وسلم نور، فهذا النور ظهر في الظلمة، وكذلك أيضًا أن أهل الإيمان عندهم نور، فظهر في الظلمة. فقال عليه الصلاة والسلام: «حتى رأيت ظلي وظلكم»، أي النور الذي في النبي صلى الله عليه وسلم، وفي أتباعه. وأيضًا استدل به بعض العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم له ظل، لا كما يزعم عند أهل التصوف، وعند بعض الناس، أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس له ظل، بل الصحيح أنه لم يأت شيء في ذلك، معنى لم يأت أنه من خصائصه عليه الصلاة والسلام أنه ليس له ظل، قد ذكر هذه الخصيصة السيوطي في «الخصائص الكبرى»، لكن ليس لها دليل صحيح، بل الأحاديث التي جاءت في ذلك موضوعة، وجاءت بعض الأحاديث التي تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم له ظل، لكن بعضها لا يصح، ومنها هذا الحديث، لكنه مفهوم فقط. لكن الأصل أن الله عز وجل خلق النبي صلى الله عليه وسلم على ما خلق عليه البشر، ما خلق عليه البشر، لهذا النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه يستضل، يستضل في أماكن كثيرة، وفي أحاديث كثيرة، استضل عليه الصلاة والسلام عند أشجار، وعند غيرها، في الغزوات، وفي غيرها، فلو كان ليس له ظل، معنى أن الشمس لا تأتيه، حتى يكون له ظل، فلا يحتاج لأن يستظل، فقصارى الأمر أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه من خصائصه أنه ليس له ظل، فللعلماء أنه له ظل. وهذا أيضًا يدل على أو في إشارة إلى هذا، قال: «حتى رأيت ظلي وظلكم»، قال: «فأومأت إليكم أن استأخروا»، أنا ابعدوا، حتى كان النبي صلى الله عليه وسلم يرى شفقته على أمته، حتى لا تمسهم النار، أنا ابعدوا من النار، لأنها كانت بينه وبينهم، فكان يقول لهم: ابعدوا، ما استأخروا، تأخروا، حتى لا تمسكم النار، وهذا من شفقته عليه الصلاة والسلام لأمته. قال: «فأوحي إلي أن أقرهم»، أنا لا تجعلهم يستأخرون، بل أقرهم في أماكنهم، فإنهم سيتبعونه، فإنهم سيتبعونه، ولهذا بعد ذلك يمرون من ذلك الجسر الذي يكون على شفير جهنم، فيمرون ويأتون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما حجزتهم هذه النار عن المرور، حجزتهم هذه النار عن المرور، فظل النبي صلى الله عليه وسلم أنهم لو قربوا لمستهم النار، ودخلوا في النار، فخاف عليهم، فقال: «استأخروا»، فأوحي إليه، أوحى الله عز وجل إلى نبيه صلى الله عليه وسلم: «أن أقرهم»، أي اجعلهم في أماكنهم، وإنهم سيمرون إليك، ولا تمسهم النار، فلئذا فيمر أحدهم كالبرق، ومنهم كالريح، ومنهم كأجاويد الخيل، حتى يأتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطرف الآخر، وهو الذي فيه الجنة. ثم قيل: «فإنك أسلمت وأسلموا، وهاجرت وهاجروا»، على اعتبار أنهم عندهم أعمال صالحة، فإليك ستنجيهم، فهم مسلمون ومهاجرون، فهم من أفضل الناس، فيمرون، لا شك أنهم سيمرون هذه النار، وسيجعل الله عز وجل لهم نورًا يمرون به الله عز وجل، وأيضًا يسرعون في مرورهم، وهذا الحديث في المهاجرين الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: «فلم أر لي عليكم فضلًا إلا النبوة»، وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين أنه ليس له فضل على هذه الأمة إلا أنه نبيهم ومقدمهم عليه الصلاة والسلام، وإلا أعمالهم كأعمالهم، أعمالهم كأعماله، لكن أعطاه الله عز وجل يقينًا عظيمًا، وإيمانًا عظيمًا، يزن أمته، يزن إيمانه إيمان أمته، من كثرة اليقين الذي عنده عليه الصلاة والسلام، حتى أن يقينه أصبح عين اليقين، وهو في الدنيا، أصبح يرى الجنة، ويرى النار، وهو في هذه الحياة. ولكن قال: «فلم أر لي عليكم فضلًا إلا النبوة»، أن عندكم أعمالًا عظيمة، فأسلمتم كما أسلمت، وهاجرتم كما هاجرت، وغيرها من الأعمال، قال: «فليس لي عليكم فضلًا إلا النبوة»، شرفني الله عز وجل بهذه النبوة العظيمة، التي أضحى الله عز وجل بها إلى نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام. فهذا شرح لهذا الحديث، فنكتفي به، والله تعالى أعلم.