الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 107، ألقاها
يشرح المقطع حديثًا نبويًا يتعلق بالبيع والخيار في حالة الخداع، ويبين اختلاف الروايات حول هذا الحديث وتصحيحها. يروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الرجل الذي يخدع في البيوع أن يقول: 'لا خلابة'.
يتناول المقطع شرح حديث يتعلق بجواز الاشتراط في البيع، ويشرح مفهوم خيار الشرط وخيار الغبن، ويبين آراء الفقهاء في هذه المسائل، موضحًا الأحكام المتعلقة بها.
يتناول المقطع مسألة خيار الغبن والغش في البيع، ويشرح آراء العلماء في حالة شراء سلعة بثمن باهظ ثم اكتشاف أن ثمنها أقل في مكان آخر، ويبين أن له الخيار في الرجوع إذا كان هناك غش أو خداع.
يختتم المؤلف بذكر أهم المسائل الرئيسية في هذا الباب، ويشير إلى أن الله تعالى أعلم، مؤكدًا على اكتفائه بذلك.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى: قال أبو داود رحمه الله: سليمان بن الأشعث السجستاني، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأزدي -والأزدي من أهل بغداد، وقيل: إنه بصري نزل بغداد- قال: حدثنا إبراهيم بن خالد، أبو ثور الكلبي، وهو إبراهيم بن خالد، أبو عبد الله البغدادي، ويقال: أبو ثور، وهو مشهور به، أبو ثور الكلبي، وهو فقيه من فقهاء الأمة، كان من أهل الرأي، ثم لزم الشافعي رحمه الله، وأحب الشافعي، وأحب أيضًا طريقة الشافعي، فكان فقيهًا من أهل الحديث. وكان الإمام أحمد يحيل إليه أحيانًا، ولما سئل عنه الإمام أحمد بعد أن تاب ورجع من قضية خلق القرآن، قال رحمه الله: يا أبا عبد الله، أعرفه بالسنة. وقد قال مروان الضّاطر رحمه الله: اعتبروا في رجلين: اعتبروا في رجلين، أبو ثور الكلبي والحسين بن علي الكرابيسي، فكلاهما قال باللفظ، لكن أبو ثور رجع إلى السنة، فرفعه الله، وأما الحسين بن علي فأصر واستكبر، فلهذا وضع، وصار من أهل البدع. فأبو ثور رحمه الله رجع إلى السنة، وقال بما قاله أئمة السنة كالشافعي وأحمد وغيرهما، فلهذا رفعه الله عز وجل بالسنة، حتى قال الإمام أحمد: أعرفه بالسنة. وكان يقول: إنه فقيه، ويحيل إليه كما قلنا. قال رحمه الله: حدثنا إبراهيم بن خالد، أبو ثور الكلبي -المعنى- وقوله: «المعنى»، أي: معنى حديثهما متقارب. أنا عندما ترى كلمة «المعنى» خاصة في كتب السنة، كثيرًا ما يذكرها، المراد أن رواية محمد بن عبد الله الأزدي وإبراهيم بن خالد فيها اختلاف يسير، فيها اختلاف يسير، فكلاهما اتفقا في المعنى. قال: أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: أخبرنا سعيد بن أبي عروبة، وهو سعيد بن أبي عروبة البصري، وقد تقدم معنا أنه اختلط في عام الهزيمة، وعام الهزيمة كانت سنة خمس وأربعين ومائة. فكل من روى عنه بعد ذلك العام، فروايته عنه بعد الاختلاط، ومن روى عنه قبل، كيزيد بن هارون ويزيد بن زريع، وكذلك أيضًا عبدالوهاب بن عطاء، وأيضًا إسماعيل بن علية، وجماعة من أهل البصرة، فهؤلاء حديثهم صحيح. ومن روى عنه بعد ذلك، خاصة من أهل الكوفة، كمحمد بن فضيل وجماعة، فحديثهم مختلط. فنروي عنه بعد الاختلاط. وأما عبد الوهاب بن عطاء، قال الإمام أحمد لما سئل عنه: هو أعرف بحديث سعيد. قال: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: أخبرنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، فذكر الحديث. وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر، أن رجلًا كان يبايع ويخدع في البيوع، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا بعت فقل: لا خلابة». ورواه أيضًا الترمذي، وصححه على شرط مسلم. وفي رواية في «صحيح مسلم» أنه قال: «يجعله بالخيار ثلاثة أيام». أن يجعله بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء اشترى، وإن شاء رد سلعته. وأن هذا الرجل عاش حتى في عهد عثمان، كان الناس إذا كان يبايع، فإذا خدع، فقال: «لا خلابة»، أو كان يقول: «لا خلابة»، فإذا خدع رد بيعه وشراءه. قال: ورواه الإمام أحمد، فقال: حدثنا عبد الوهاب، قال: أخبرنا سعيد، عن قتادة، عن أنس، فذكر الحديث. وهذا على شرط الشيخين. ولا أدري لماذا قال شيخنا: حديث حسن. فهؤلاء كلهم والذين رووا هذا الحديث، فمحمد بن عبد الله الأزدي ثقة حافظ، وإبراهيم بن خالد كذلك، وبقية رجالهم من رجال الشيخين. فلعله ما قيل: إن عبد الوهاب بن عطاء روى عن سعيد بعد الاختلاط. هذا الحديث فيه عدة فوائد، فيه الاشتراط في البيع، هذا دليل على جواز الاشتراط في البيع. وهذا يسميه العلماء خيار الشرط. يسميه العلماء خيار الشرط. وهذا المراد به أن الإنسان، أو أن البائع أو المشتري له ما يشترط، يشترط البائع ويشترط المشتري، لكن يكون هذا الشرط شرطًا صحيحًا. وغالبًا المراد به خيار الشرط، لأن بعض الفقهاء يرون شرط الخيار. فشرط الخيار، مثلًا، أن يقول المشتري: سأشتري هذه السيارة، فيقول للبائع: سأجربها ثلاثة أيام أو يومين، فإن رأيتها صالحة اشتريتها، وإلا أرجعتها لك. هذا شرط خيار. هذا شرط خيار. أيضًا للبائع أن يشترط، للبائع أن يشترط، مثلًا، يقول له: إن ذهبت بهذه السيارة إلى مكان كذا، فالسيارة ليست لي. هذا أيضًا شرط، أو أنه يقول: إذا ذهبت إلى المكان الفلاني بالسيارة، فسخ البيع، فسخ البيع، أو أخرجتها من الأسفلت أو كذا. فهنا يجوز مثل هذا الشرط، إذا كان الشرط لا يخالف العقد، لا يخالف العقد. مثلًا، يقول له: سأعطيك هذه السيارة، سأبيعها لك، لكن بعد أيام عندي بشغل، سأخذها وأذهب بها. أنا أريدها الآن، بعد أيام سأخذها، مع أني سأخذ هذه السيارة. فهذا شرط باطل، هذا شرط باطل، لأنه عندما يبيعها، خلاص ما يكون له الملك، وجعل البيع معلقًا لا يجوز، يعني أنه يجعل البيع معلقًا. فهذا عقد باطل، معنى معلق بشيء مجهول، بشيء مجهول. وهذا من العقود الباطلة، لماذا؟ لأنه لم يعقد عقدًا صحيحًا. فالآن، مثلًا، أو قال له: أريد هذه السيارة بعد فترة، سأتي وأخذ السيارة، هي أصلا ليست له، ثم إنه أيضًا اشترط شرطًا باطلًا، وهو شرط مجهول، ما يدري متى سيأخذ السيارة. فمثل هذه الشروط باطلة لا تجوز. لكن إن كان شرط شرط خيار، ليس فيه مثلًا معارضة للعقد، فهذا جائز. أيضًا في هذا الحديث، فيه ما يسميه كثير من الفقهاء بخيار الغبن، خيار الغبن. والمراد بخيار الغبن: أي خيار الذي يغبن فيه الشخص، يعني يشتري سلعة بغير ثمنها الصحيح، بغير ثمنها المعروف في السوق. يعني مثلًا: تباع في السوق بعشرين ألف، وهو يشتريها بأربعين مثلًا، فهذا يسمونه غبنًا. فهل له الخيار؟ فذهب بعض العلماء إلى أن من يغبن غبنًا فاحشًا، فإنه له الخيار. واستدلوا بهذا الحديث، وهو قول الشافعي رحمه الله، وهي أيضًا رواية عن أحمد، أن من غبن في بيعه غبنًا فاحشًا، وأيضًا غبن واضح، فإنه له أن يرجع، له أن يرجع السلعة. وذهب كثير من أهل العلم، كمالك وغيره، إلى أنه ليس له رجوع، ليس له رجوع، ما دام أنه اشتراها باختياره. فقالوا: إن البائع هذه سلعته، فإن رفع سعرها واشتراها هذا شخص محتاجًا لها أو غير محتاج، وهو رجل سليم العقل، ليس عنده مثلًا ضعف في العقل، أو ليس أيضًا صغيرًا طفلًا مميزًا، بل هو رجل كبير وعاقل، اشترى هذه بمحض إرادته. فثم تبين له أنه اشتراها بثمن باهظ، وأن هذه السلعة نفسها عند فلان بائع آخر بأقل من هذا الثمن بكثير، فهل له أن يرجع؟ يقول: خلاص، أنت الآن بعتني، وهذه السلعة في السوق بكذا وكذا، وأنت بعتني بها -يعني بثمن باهظ- فهل له أن يرجع؟ فكما قال أولًا: مالك وغيره، أنه ليس له الرجوع، لأنه قد اشترى، وليس هناك دليل على خيار الغبن، ليس هناك دليل على خيار الغبن الذي يكون غبن فاحش. والذين قالوا: إنه له الخيار، نظروا إلى أنه يعتبر غشًا وخداعًا وتدليسًا، فقالوا: بأنه له الخيار. وهو الذي عليه فتوى أكثر العلماء، أنه له الخيار في مثل هذه المسائل. وإلا لا دليل صريح على الخيار في هذه المسألة. طيب، وإنما إذا اشترط الخيار، فله خيار، إذا قال مثلًا للبائع: سأخذها، لكن إذا رأيتها مثلًا بأقل من هذا الثمن، سأرجعها له. هذا الشرط خيار، ما في شيء. وهذا مثله، وهذا الحديث قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن كنت غير تارك للبيع، فقل: هاء وهاء، ولا خلابة». لا خلابة، يعني: لا خداع، لا خداع. فهنا قالوا: إذا كان اشترط، وهذا الذي قرره الإمام الشوكاني في «النيل» وفي «السيل»، وقرره بعدة أوجه، على أنه إن اشترط فله ذلك، وإن لم يشترط فليس له الرجوع، ليس له الرجوع، لأنه بيع، وهذه بضاعة البائع، هو له أن يبيعها بأي ثمن شاء، والمشتري يرى مصلحته فيها. أيضًا كذلك في هذا الحديث، الإنسان أيضًا له خيار الغش، خيار الغش. فخيار الغش جاء في السنة، في حديث أبي هريرة الذي رواه العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان في السوق، وجد رجلًا يبيع شعيرًا، فأدخل النبي صلى الله عليه وسلم يده داخل هذا الطعام، فرأى أنه مبلل، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟» فقال: يا رسول الله، أصابته المطر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من غشنا فليس منا». فاستدل جمهور العلماء بخيار الغش، أو أن هذا الحديث دليل على خيار الغش، إذا حصل غش وخداع في البيع، فإنه له أن يرجع، وإن لم يشترط. إذا حصل غش، يعني: أعطاه بضاعة، قال له: هذه السلعة أصلية وهي كذا، فلما اشتراها ذهب بها مثلًا إلى مهندس وكذا، فقال له: هذه -آه- ليست أصلية، أنا هذه حتى وكالة ليست وكالة، أنا -آه- من هذا الذي قال: لا إله إلا الله. فهذا له أن يرجع، لأنه الآن غشه في البيع. وكذلك إذا دلس عليه، وخيار التدليس وخيار الغش ليس بينهما فرق يذكر. فبعض العلماء يستدل بخيار تدليس بحديث الغش، لأنه يعتبر تدليسًا. والتدليس له أشكال وأنواع، مثلًا: التدليس أحيانًا يكون في قيمة السلعة، وأحيانًا يكون في السلعة نفسها، يدلس في السلعة نفسها، وهكذا. فإذا حصل هذا الغش أو التدليس، فإنه يجوز للمشتري أن يرجع سلعته، أن يرجع السلعة التي اشتراها، لأنه قد خدع فيها. وإن كان مثلًا إنما بسبب الثمن وغيره، ليس فيه خداع، لكنه باع بمحض إرادته واشترى، فهذا الصحيح أنه ليس فيه خلاف، أو ليس فيه خيار، إلا إذا اشترط الخيار. فهذه بعض المسائل التي تذكر في هذا المقام، هناك مسائل فرعية، مسائل فرعية تابعة لهذا. لكن ذكر هذه المسائل الرئيسية في هذا الباب، أو المشهورة، ذكرناها في هذا المقام. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.