الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 123، ألقاها
يُثني العلماء على الإمام الدارمي لكونه حافظًا كبيرًا ومصنفًا في التفسير والسنن، وقد أثنى عليه الإمام أحمد بن حنبل ومحمد بن إسماعيل البخاري. كما يُذكر بعض أقوال الإمام أحمد في الثناء عليه وأحداث حول وفاته.
يصف المقطع دخول الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، حيث خرج جميع أهلها لاستقباله بفرح شديد، حتى اليهود شاركوا في استقباله. كما يُوضح أن الحديث عن قولهم "طلع البدر علينا" ليس بصحيح.
كان يوم وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم يومًا مظلمًا على الصحابة، حيث عم الحزن والبكاء المدينة حتى صارت كالظلمة، وكان انقطاع الوحي مصيبة عظيمة أخرى أصابت الأمة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى: قال الإمام عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي رحمه الله، هو عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن ظهرام، أبو محمد الدارمي التميمي، الحافظ الكبير، من كبار فضلاء أهل خراسان. وكان زميل محمد بن إسماعيل البخاري، كان حافظا كبيرا. كان الإمام أحمد رحمه الله يقول: «ذاك السيد، ذاك السيد»، لما سأله رجل عن رجل من أهل خراسان، فقال: لا أعرفه، لكن أين أنت من ذاك السيد عبد الله بن عبد الرحمن. وقال أيضا: سأله رجل عن الحماني عبد الحميد الحماني، قال: تكلم فيه عبد الله بن عبد الرحمن، وأخذنا بقوله، وهو إمام. هكذا يقول الإمام أحمد رحمه الله، وهو إمام أهل السنة. قال: تكلم فيه عبد الله بن عبد الرحمن، وأخذنا بقوله، وهو إمام، أي عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي. وقد أثنى عليه العلماء ثناء عظيما، حتى إن محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله لما بلغه خبر موته نكس رأسه، رحمه الله، ثم رفع رأسه واسترجع، قال: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، ثم سالت دموعه وبكى، ثم قال: «إن تبقى تفجع بالأحبة كلهم وفناء نفسك، لا أبى لك، أفجع». فكان إماما وحافظا كبيرا، وصنف في التفسير، وصنف كذلك السنن، وأحيانا يسميها بعضهم «المسند». قال: حدثنا عفان، وهو مسلم الصفار أبو عثمان البصري، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال: ذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم -أو قال: أنا ذكر النبي عليه الصلاة والسلام، أي أنس ذكر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقال: «شهدته يوم دخل المدينة، فما رأيت يوما قط كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهدته يوم موته، فما رأيت يوما كان أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم». قال: هذا حديث صحيح. والحديث أخرجه الترمذي، فقال: حدثنا بشر بن هلال الصواف البصري، قال: أخبرنا جعفر بن سليمان الضبعي، أنبأ به، ثم قال: هذا حديث صحيح غريب. وأخرجه ابن ماجه، وأخرجه أبو يعلى بسند الترمذي به. قال: وأخرجه -أي أبو يعلى- قال: حدثنا عبيد الله بن عمر، وهو القواريري، قال: حدثنا جعفر بن سليمان به. فهذا الحديث يخبر أنس رضي الله عنه أن دخول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى المدينة كان يوما عظيما، ابتهجت المدينة، وخرج النساء والأطفال، وخرج الناس حتى اليهود كانوا قد خرجوا حتى يرون رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكانت البهجة في الأنصار رضي الله عنهم. وأما ما جاء أنهم كانوا يقولون: «طلع البدر علينا»، فهذا ليس بصحيح، فهي قصة معضلة، رواه موسى بن عائشة، رواه ابن إسحاق عن موسى بن عائشة، ثم سردها. وموسى بن عائشة من أتباع التابعين، فلهذا فهي معضلة، يسميها العلماء معضلة. كذلك أيضا ما جاء صحيحا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن النساء والأطفال ينشدون، وأنهم فرحون، لكن لم يأت ما هو النشيد الذي كانوا ينشدون. وجاء أيضا عن أنس رضي الله عنه وغيره، عندما وصف ابتهاج الناس، وأول ما جاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان نزل بقباء، نزل بقباء -أي في بني عمرو بن عوف-، ثم بعد ذلك بعد أربعة أيام خرج إلى -أو ذهب إلى- مكانه الذي هو فيه المسجد الآن، فنزل عليه الصلاة والسلام في بيت أبي أيوب الأنصاري، وكان من بني النجار، وبنو النجار هم أخوال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأن أم عبد المطلب جدة من بني النجار، فنزل فيهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكان يوما عظيما يوم جاء المدينة عليه الصلاة والسلام، فرح الناس، ابتهجوا، حتى قال أنس هنا: «كان ما رأيت يوما قط كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه». وهنا حملات كثير من أهل العلم قوله: «ولا أضوأ» أي من ناحية ابتهاج الناس وفرحهم بهذا اليوم العظيم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومنهم من قال: إن «أضوأ» هي على أصلها، أنه صار مثل الضوء في مدينة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكن الأظهر أن هذا ما حصل، لو حصل لنُقِل، لكن المراد من كلام أنس رضي الله عنه أي بهجة الناس، فرحهم وسرورهم، حتى يخيل أن هناك ضوءا وإضاءة في ذلك المكان من كثرة سرور الناس وبهجتهم. وكذلك أيضا العكس حصل يوم مات عليه الصلاة والسلام، خيم على الناس الحزن، خيم عليهم الحزن والبكاء، حتى صارت المدينة كالظلمة، صارت المدينة كأنها ظلمة من كثرة الحزن الذي غشي على الناس في موت رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، لأنها أعظم مصيبة أصيبت بها أهل الإسلام، موت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولأنه أيضا فيه انقطاع الوحي، ولهذا جاء في الصحيحين أن أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب بعد موت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم زارا أم أيمن حاضنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهي بركة الحبشية، فجلسا عندها، فذكروا برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فبكت، فقالا لها: إن ما عند الله عز وجل خير لرسوله، فقالت: أعلم أن ما عند الله خير لرسوله، لكن أبكي على أن الوحي قد انقطع، فهيجتهما بالبكاء رضي الله عنهم أجمعين. فهذه أيضا من أعظم المصائب أن الوحي قد انقطع عن الأمة، فالوحي هو الذي يسدد هذه الأمة، وهو رحمة كان في تلك الأمة، وانقطاعه يجعل ثلمة عظيمة لا يسدها شيء في هذه الأمة، فلهذا كان يوما مظلما عند الصحابة رضي الله عنهم. فهذا ما يذكر في هذا الحديث، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.