الدرس في الاستغناء بالقرآن 6، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يؤكد العلماء إجماعهم على ذم الاشتغال عن القرآن حتى بالعلوم الشرعية إذا أدى إلى نسيانه، مقدّمين حفظه وتدبره على كل علم. كما يحذرون من أن الانشغال بالهواتف ووسائل الترفيه المعاصرة أشد إنكاراً وأعظم ذنباً.
يحتوي القرآن على جميع العلوم النافعة وأحسن القصص، وهو محفوظ مهيمن على ما قبله، ويكفي المسلم عن سؤال أهل الكتاب. نقل ابن عباس النهي عن سؤالهم لأن القرآن أحدث الكتب وأصفاها نصاً.
القرآن كتاب نقي لا يحتاج المسلم إلى كتب أهل الكتاب المحرفة، وغضب النبي ﷺ حين رأى عمر صحيفة منهم. رسالة محمد ﷺ عامة للناس، ويجب الاعتزاز بالقرآن وتجنب موالاة أهل الكتاب في أعيادهم.
أعلن المتحدث انتهاء الجزء الحالي من الدرس مع وعد باستكماله في جلسة قادمة إن شاء الله. وختم بقوله: والله تعالى أعلم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، بعدما أنهينا من الفصل الثاني من هذا الكتاب "الاشتغال أو الاستغناء بالقرآن"، ذكر المؤلف رحمه الله الفصل الثالث، وقال: فصل في ذكر النهي عن التشاغل عن القرآن بغيره من القصص والأخبار وغيرهما إلا ما كان معيناً على فهمه. قال: أجمع العلماء على أن الاشتغال عن القرآن ولو بالحديث وغيره من العلوم الشرعية حتى يُنسى أو يُترك بسبب ذلك تدبره واتقانه فيه وفهم معانيه وأوامره ونواهيه مذموم، وأن المحمود ما كان عليه السلف من الاهتمام بحفظ القرآن والاشتغال بما يعين على فهم معانيه من التفسير والحديث والأثر واستنباط العلوم منه، لما سبق أن العلم كله في القرآن. وقد قال الله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾، وقال الله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾، وقال: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾، وقال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. وسبق قوله صلى الله عليه وسلم: «وَمَنِ ابْتَغَى الْعِلْمَ فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ». ذكر قبل ذكره للأحاديث الواردة في هذا الباب هذه المقدمة وهذا البيان لمعنى هذا الفصل، فقال: فصل في ذكر النهي عن التشاغل عن القرآن بغيره، لأن القرآن كتاب معظَّم، فمن تعظيمه ومن تقديمه وإجلاله أن لا يشتغل بغيره عنه، فهو أحسن القصص وأحسن الحديث، وهو كتاب مبارك، وهو أصدق القول، فلذلك كان السلف رحمهم الله يعظمون القرآن فلا يتشاغلون بغيره عنه، بل شغلهم الشاغل وجلُّ أوقاتهم وأعمارهم في الاشتغال والاعتناء بهذا القرآن. فالقرآن خير مذكر، فيه العلم كله، وهو موعظة وهداية وسعادة لمن اهتدى بهداياته واستنار بنوره، فلذلك لا تتعظ القلوب ولا تنتفع بمثل القرآن. قال الله عز وجل: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾، أي في هذا القرآن، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾، وهو شهيد. فينبغي للمسلم في مواعظه وفي دروسه وفي كتاباته وفي نصحه أن يشبع هذه المواعظ وتلك الكتابات بآيات القرآن، بآيات القرآن، لا يشغل الناس بغير القرآن من القصص أو الأخبار، أو كما ذكر هنا يعني: نعم القصص والأخبار، فمن باب أولى ما هو دونها كاشتغال بالأناشيد وإن كانت شعراً دون موسيقى، لا يشتغل بهذا ويعتنى بهذه الأناشيد وينسى القرآن أو يترك القرآن. ولذلك قال هنا: أجمع العلماء على أن الاشتغال عن القرآن ولو بالحديث، يعني بحديث النبي عليه الصلاة والسلام، فالشخص يهمل القرآن وينسى القرآن ويقبل على الحديث، هذا مما نهى عنه السلف، مما نهى عنه السلف رحمهم الله تعالى، رحمهم الله تعالى. ولذلك جاء عن ابن رجب في "طريقة الفقهاء المحدثين في أخذ العلم والتقديم في العلم" قال: وأما فقهاء الحديث العاملون به فإن جل همهم البحث عن معاني القرآن، فإن جل همهم البحث عن معاني كتاب الله وما يفسره من الكتب الصحيحة من كلام الصحابة والتابعين والتابعين لهم بإحسان، وعن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام ومعرفة صحيحها من سقيمها، ثم التفقه فيها وتفهمها والوقوف على معانيها، ثم معرفة كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان في معرفة التفسير ومسائل الحلال والحرام وأصول السنة والزهد والرقائق وغير ذلك، فكل هذه العلوم تعين على فهم القرآن، تعين على فهم القرآن. ولذلك كان السلف الصالح يقدمون القرآن على غيره حتى في التلقي، تلقي العلم. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: قال وينبغي أن يبدأ أي طالب العلم في دروسه على المشايخ وفي الحفظ والتكرار بالأهم فالأهم، بالأهم فالأهم، فأول ما يبدأ به حفظ القرآن، أول ما يبدأ به حفظ القرآن العزيز، وهو من أول ما يبدأ به طالب العلم. قال: ولقد كان المحدثون لا يقبلون طالب العلم إلا إذا حفظ القرآن، فإذا حفظه اشتغل بإتقانه ومعرفة معانيه، فيأتي الطالب عند أحد العلماء المحدثين ليكتب الحديث، فيسأله الشيخ: هل حفظت القرآن؟ فإن قال: لا، لم أحفظ القرآن، يقول له: اذهب احفظ القرآن ثم ائتنا، اذهب احفظ القرآن ثم ائتنا واطلب الحديث واطلب الحديث. فهذا معنى قوله هنا: أجمع العلماء على أن الاشتغال عن القرآن ولو بالحديث وغيره من علوم الشرعية، إنسان انكب على علوم مثلاً اللغة أو المصطلح أو غير ذلك من العلوم التي هي وسائل، ونسى أو ترك القرآن فلم يراجعه ولم يحفظ منه ولم يبحث عن معانيه ولم يستنبط منه الأحكام ولا شيء من ذلك، فهذا ذمه السلف، ذمه السلف رحمهم الله تعالى. انظر إلى قوله: أجمع العلماء على أن الاشتغال عن القرآن ولو بالحديث، فكيف لو اشتغل المرء بالقرآن بغير الحديث وبغير العلوم الشرعية كاشتغال كثير من الناس في هذه الأزمان بأجهزة الجوال وبالعكوف أمامها الساعات الطوال، فلا يقرأ حزباً من القرآن ولا يقرأ تفسيراً لآيات القرآن ولا يبحث عن معاني القرآن، فلا شك أن هذا أعظم في الذنب وفي الإنكار، وفي الإنكار. فهذا هو ملخص هذا الباب. ولذلك ذكر المصنف والمؤلف رحمه الله أن العلم كله في القرآن، فينبغي الاشتغال بهذا القرآن لأن القرآن هو أحسن القصص. إن أردت أن تستمتع بقصص مؤثرة، بقصص يعني تأخذ منها الأخلاق الفاضلة والعلم النافع والهدى والاستقامة، فلا شيء أنفع في ذلك من قصص القرآن. مهما قرأت من قصص البشر ومن كتابات الأدباء والبلغاء، فإن قصص القرآن قد وصفه ربنا عز وجل بأنه أحسن القصص: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾. إذا أردت أن تجذب الناس كما يزعم بعض من يكثر من القصص ويكون قصاصاً، إن أردت أن تجذب الناس أو تؤثر عليهم، فاختر لهم قصص القرآن، فربك عز وجل يقول في كتابه: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾. اقرأ قصة موسى جاءت في القرآن بأساليب متنوعة، منها الآيات الطويلة والتفصيل في أحداثها، ومنها الآيات القصيرة والاختصار في أحداثها. فكم ذكرت قصة موسى في القرآن في مواضع كثيرة. اقرأ قصة يوسف، اقرأ قصة يونس، اقرأ قصة إبراهيم إمام الحنفاء عليه السلام، اقرأ القصص في القرآن، ستجد العلم، وستجد الهدى، وستجد الأخلاق، وستجد العقائد الصحيحة، وستجد كذلك العلوم النافعة. وهكذا القصص الذي يؤلفها الخلق قد يعتريها الكذب، وهذا وقع حتى وللأسف في من يزعم أنه يدعو إلى الله، يأتي بالقصص الملفقة المخالفة للواقع بحجة التأثير على الناس، فهذا كذب لا يجوز. فإن أردت القصص وأردت الكلام الذي هو من عند الله سبحانه وتعالى صدقاً، فتجده في القرآن، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾. إن أردت البركة والخير، البركة هي كثرة الخير، كثرة وزيادة الخير، فإن أردت البركة فستجد ذلك في القرآن، كما قال الله عز وجل: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾. فأذن هذا الفصل معقود في أن المسلم لا يشتغل بشيء غير القرآن، غير القرآن، فيكثر من الإقبال على كلام الله عز وجل، وسيذكر في هذا الباب عدة أحاديث. قال رحمه الله تعالى: قال وفي الفصل ستة أحاديث، يعني في هذا الفصل ذكر المؤلف ستة أحاديث. الحديث الأول عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم أحدث الأخبار بالله تقرؤونه محضاً لم يشب، وقد حدثكم الله في كتابكم أنهم قد غيروا كتاب الله وبدلوه وكتبوا الكتاب بأيديهم وقالوا هو من عند الله واشتروا واشتروا به ثمناً قليلاً، ألا ينهاكم العلم الذي جاءكم عن مسألتهم، لا والله ما رأينا رجلاً منهم يسألكم عما أنزل الله إليكم». رواه البخاري في صحيحه. هذا أثر عظيم عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، حبر هذه الأمة وترجمان القرآن. فقوله هنا وهو ينكر على، ينكر على بعض من يأخذ من كتب أهل الكتاب، من كتب أهل الكتاب، فقال: كيف تسألون أهل الكتاب، يعني اليهود والنصارى، عن شيء؟ شيء هنا نكرة يشمل كل شيء، لا يجوز للمسلم أن يسأل اليهود أو النصارى عن شيء من أمور دينه وأمور سيره إلى الله سبحانه وتعالى، بخلاف أمور الدنيا الصناعات ونحوها، فذكر العلماء أن هذا لا بأس به، بأنه ليس مما له تعلق بالدين والملل والقرب وكذلك السير إلى الله سبحانه وتعالى. فقال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم أحدث الأخبار بالله؟ ومعنى أحدث الأخبار بالله: أقربها نزولاً، فهو آخر الكتب نزولاً، نزل بعد نزول جميع الكتب، فكتابنا أحدث الأخبار بالله، فالقرآن مهيمن وناسخ للكتب السابقة. قال: ﴿تَتْلُونَهُ مُحْضَاً لَمْ يُشَبْ﴾، محضاً يعني خالصاً صافياً لم يشب، أي لم يخلط ولم يحرف ولم يبدل، بخلاف الكتب السابقة فإنها مشوبة ومحرفة قد خلطت بأشياء ليس من كلام الله. ولذلك قال: وقد حدثكم الله في كتابه، يعني في القرآن، أنهم أي أهل الكتاب قد غيروا كتاب الله وبدلوه وكتبوا الكتاب بأيديهم وقالوا: هو من عند الله، واشتروا به ثمناً قليلاً، يشير إلى الآية التي في سورة البقرة، وهو قول الله عز وجل: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾، مما يكسبون. ثم قال: ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟ وهذا هو وجه الشاهد من إيراد هذا الأثر في هذا الفصل، فابن عباس ينهى عن التشاغل بغير القرآن، ينهى عن التشاغل بغير القرآن، فكأنه يقول لهم: إن القرآن الذي بين أيديكم فيه الغنى وفيه الكفاية، فلماذا تسألونهم ولماذا تتطلعون إلى ما عندهم؟ ثم أيضاً ذكر لهم أمراً آخر مما ينفرهم عن سؤال أهل الكتاب، قال: لا والله ما رأينا رجلاً منهم يسألكم عما أنزل الله إليكم. هذا مع علمهم، أي أهل الكتاب، أن كتابنا لم يحرف ولم يستطيعوا تحريفه، لأن الله عز وجل حفظه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. فمع علمهم أن هذا الكتاب لم يحرف ولم يبدل فهم لا يسألوننا عن شيء من أمورهم، ونحن وقد علمنا أن كتابهم أو أن كتبهم قد حرفت وغيرت وبدلت فنسألهم ونأخذ منهم، فهذا مما لا ينبغي أن يصدر من المسلم. يقول ابن كثير في تفسيره: يقول ليعلم أن أكثر ما يتحدثون به يعني أهل الكتاب غالبه كذب، غالبه كذب وبهتان، لأنه قد دخله تحريف وتبديل وتغيير وتأويل، قال: وما أقل الصدق فيهم، أهل الكتاب، ما أقل الصدق، الصدق فيهم قليل، ثم ما أقل فائدة كثير منه لو كان صحيحاً، لو كان ما يتحدثون به صحيحاً لا تجد منه تلك الفائدة، لا تجد منه تلك الفائدة. وقد بوب الإمام البخاري في كتابه: باب لا تسألون أهل الكتاب عن شيء، أو لا تسألون أهل الكتاب عن شيء عن شيء. فإذا ينبغي للمسلم أن يستغني بالقرآن وأن يشتغل بهذا الكتاب وأن لا يلتفت إلى غيره وأن لا يقلد أعداء الله. انظر ابن عباس يقول للناس في ذاك الزمان: لا والله ما رأينا رجلاً منهم يسألكم عما أنزل الله إليكم، ما أحد منهم يسأل المسلم عن شيء في كتابنا سؤال اهتداء وسؤال عمل وسؤال انتفاع أبداً، أما نحن فلربما ما سألناهم فقط بل قلدناهم، احتفلوا بأعيادهم احتفلنا بأعيادهم نحن المسلمين، وللأسف الشديد. لكن هل تجد أهل الكتاب يحتفلون بأعيادنا؟ هل تجد أحداً إذا جاءت عيد الفطر وعيد الأضحى قام وحضر مع المسلمين أو اشترى أضحية وضحى معهم وقلد المسلمين في ذلك؟ ما تجد هذا منهم أبداً، أما نحن إذا جاءت عيدهم ما شاء الله نحتفل ونسهر وهكذا نهنئهم ونبارك لهم ونحو ذلك، هذا من السقوط العظيم الذي سقطت فيه هذه الأمة في هذه الأزمان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. أين العمل بالقرآن؟ أين قول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾؟ أين قول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم؟ قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، لا توالوهم، لا تقلدوهم، لا تأخذوا عنهم. فينبغي للمسلم أن يعتز بهذا الكتاب، أن يعتز بهذا الكتاب، وأن يستغني به عن غيره، وأن يشتغل به عن غيره. نعم، قال الحديث، قال الحديث الثاني عن جابر رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، وفي رواية من بعض بني قريظة، قريظة، ليزداد به علماً، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، والذي نفسي بيده لو كان موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعني». رواه أحمد والنسائي، والحديث حسّنه العلامة الألباني في إرواء الغليل برقم تسع وثمانين وخمسمائة وألف، فهو حديث حسن إن شاء الله تعالى. وهذا الحديث كسابقه، النبي عليه الصلاة والسلام رأى هذه الصحيفة في يد عمر، أصابها من بعض أهل الكتاب، يعني أخذها من بعض أهل الكتاب، وفي رواية من بعض بني قريظة، وأخذها كي يستفيد وينتفع منها رضي الله تعالى عنه، فلما رأى ذلك النبي عليه الصلاة والسلام غضب، غضب لأن القرآن فيه الغنى، والكتاب الذي أنزل عليه فيه الغنى، فلماذا يتشوف ويتشوق إلى غير القرآن؟ فغضب النبي عليه الصلاة والسلام وقال هذا الحديث العظيم: «والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية»، أي النبي عليه الصلاة والسلام بعث بهذا الإسلام وهذا الدين العظيم وهذه الملة السمحة بيضاء نقية، لا تحتاج إلى أن تأخذ من غيرها، تأخذ من غيرها، فهي بيضاء نقية صافية واضحة بيّنة، تمثل في هذا القرآن وفي سنته عليه الصلاة والسلام. ثم قال: «والذي نفسي بيده لو كان موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعني»، وذلك لأن رسالة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام لجميع الناس، عربهم وعجمهم، وهي باقية دائمة إلى قيام الساعة، فهي عامة لجميع الخلق، وليس لأحد من بعده عليه الصلاة والسلام، أو ليس لأحد من الخلائق الخروج عن شريعته وعن اتباعه وطاعته، صلوات الله وسلامه عليه. فلو كان الأنبياء أحياء لوجب عليهم اتباع النبي عليه الصلاة والسلام، ويدل على هذا أيضاً قوله تعالى في كتابه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾. قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: ما بعث الله من نبي إلا أخذ عليه الميثاق لبعث محمد وهو حي ليؤمنن به. ولهذا عيسى عليه السلام لما ينزل في آخر الزمان يحكم بأي شريعة؟ هل يحكم بشريعة الإنجيل الذي أنزلت عليه أو يحكم بشريعة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام؟ يحكم بشريعة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام. وفي هذا أنه لا يشتغل بغير القرآن، لا يشتغل بغير القرآن، بل يجب على المسلم أن يقبل على القرآن وأن يقدم القرآن على غيره، وأن يكون هذا القرآن في أولى أولويات حياته وفي مقدمة اهتماماته. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا ونكمل ما بقي إن شاء الله في درس قادم. إلى هنا والله تعالى أعلم.