الدرس في الاستغناء بالقرآن 5، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتميز القرآن الكريم بسور المعوذات وخواتيم سورة البقرة التي لم تنزل في الكتب السابقة، وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على قراءتها كل ليلة للحفظ والحرز.
تعد الآيتان الأخيرتان من سورة البقرة كنزاً من تحت العرش لم يعطَ لنبي قبل محمد ﷺ، وسورة الفاتحة هي أم القرآن التي حوت إجمال ما في القرآن تفصيلاً.
بشر ملك النبي صلى الله عليه وسلم بفضيلة سورة الفاتحة وخواتيم البقرة، وقراءة حروفهما سبب للإجابة والعطاء والشفاء.
اختتم الدرس بعبارة نكتفي بهذا وإلى هنا والله تعالى أعلم، ونسب الترجمة إلى نانسي قنقر.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه «الاستغناء بالقرآن»، وفي فصل في ذكر أن القرآن اشتمل على ما لم تشتمل عليه غيره من كتب الله السالفة: قال: الحديث الثاني: عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أعلمك سورًا ما أنزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في القرآن مثلهن؟ قل: هو الله أحد، وقل: أعوذ برب الفلق، وقل: أعوذ برب الناس، فلا تأتين عليك ليلة إلا قرأتهن فيها». رواه أحمد، والحديث صحيح، صححه العلامة الألباني عليه رحمة الله في «سلسلة الأحاديث الصحيحة»، المجلد السادس، برقم (2859)، صفحة (2859). ومعنى هذا الحديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لعقبة: «ألا أعلمك»؟ «ألا» حرف تنبيه ينبهه حتى يستقبل ما سيلقى عليه، فقال له: «ألا أعلمك سورًا»؟ «سور» جمع سورة، «ما أنزل في التوراة» التي أنزلت على موسى، «ولا في الإنجيل» الذي أنزل على عيسى، «ولا في الزبور» الذي أنزل على داود، «ولا في القرآن» أي الذي أنزل على محمد عليه الصلاة والسلام. والمراد بهذا: أن هذه السور كأنها نزلت قريبًا فلم تكن حتى في القرآن، وإنما نزلت الآن، فأعلم النبي عليه الصلاة والسلام بهن عقبة بن عامر، فبعدما أنزلت صارت من القرآن. هكذا يحمل قوله: «ولا في القرآن مثلهن» يعني: ما يشبههن، وذلك لفضل هذه السور الثلاث: «قل هو الله أحد» سورة الإخلاص، و«قل أعوذ برب الفلق» سورة الفلق، و«قل أعوذ برب الناس» سورة الناس. وهذا هو وجه الشاهد من هذا الحديث، فهذا الحديث يدل على أن القرآن اشتمل على ما لم تشتمل عليه الكتب السالفة، ومن ذلك هذه السور الثلاث، وهذه تسمى كذلك بالمعوذات؛ لأن سورة الفلق والناس أولها التعوذ: «قل أعوذ برب الفلق» و«قل أعوذ برب الناس»، وأما سورة الإخلاص فيقال لها من المعوذات تغليبًا؛ لأن «قل هو الله أحد» ليس فيها استعاذة، وإنما دخلت في المعوذات تغليبًا. وقوله: «فلا يأتين عليك ليلة إلا قرأتهن»؛ فيه أن هذه السور الثلاث حرز للمسلم وحفظ له، ولذلك حث النبي عليه الصلاة والسلام عقبة أن يقرأ بهن كل ليلة، أن يقرأ بهن كل ليلة، ففيها من الحفظ، وفيها من الحرز لمن قرأها. ولذلك قال عقبة بن عامر وهو تتمة لهذا الحديث: «فما مرت علي ليلة منذ أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بهن إلا قرأت بهن فيها، قال: وحق علي أن لا أدعهن وقد أمرني رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بهن». وهذا فيه حرص الصحابة على العمل بالعلم، وكثير من الأحاديث التي فيها قول الصحابة مثل ما قال عقبة، وفي حديث علي لما علمه التسبيح والتحميد والتكبير عند النوم قال: «ما تركتهن منذ سمعتهن من النبي عليه الصلاة والسلام». قال له ابن الكواء: «ولا ليلة صفين»؟ قال: «ولا ليلة صفين»؛ أي أنه داوم وحرص على العمل بما تعلم من النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا في هذا الحديث حديث عقبة. فهذا الحديث فيه فضل هذه السور الثلاث، وأنها لا يوجد مثلها لا في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، وهذا فيه أن المسلم يشكر الله عز وجل إذ أنزل الله عز وجل إليه كتابًا اشتمل على ما لم تشتمل عليه الكتب السالفة، وهذا يحثه على التمسك به وعلى العمل بما فيه لما أكرمه الله عز وجل بنزول هذا القرآن. قال: الحديث الثالث: عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يعطهن نبي قبلي». رواه أحمد، وهذا الحديث صححه العلامة الألباني عليه رحمة الله في «صحيح الجامع» برقم (6000)، برقم (6000)، فهو حديث صحيح. وقوله عليه الصلاة والسلام: «أعطيت خواتيم سورة البقرة»؛ هما الآيتان من آخر سورة البقرة: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى آخر السورة، إلى آخر السورة. وقوله: «من كنز تحت العرش»؛ تحت العرش أي عرش الرحمن سبحانه وتعالى، وهذا يدل على عظيم هاتين الآيتين، وأنهما كنز، والكنز كما ذكر العلماء - علماء اللغة - هي النفائس، الكنز هي النفائس الغالية المدخرة، قال فلان: وجد كنزًا، أي كان مدفونًا أو كان مخفيًا فعثر عليه فصار ثمينًا غاليًا. فقوله عليه الصلاة والسلام: «من كنز تحت العرش» أي عرش الرحمن سبحانه وتعالى، «لم يعطهن نبي قبلي»؛ وهذا هو وجه الشاهد من هذا الحديث، أي أن القرآن اشتمل على هاتين الآيتين اللتين لم يعطهن نبي قبل نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، وأن من عظيم هاتين الآيتين أنهما نزلتا من تحت، من كنز من تحت العرش، من تحت العرش. وهذه الخواتيم من سورة البقرة، والآيتان من آخر سورة البقرة، قد جاء فيهما فضل آخر، كما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه». قال العلماء: «كفتاه» يأتي بمعنى أنهما كفتاه عن غيرهما في قيام الليل، فهي تغني عن غيرها من القرآن في قيام الليل في الأجر لعظم هاتين الآيتين، وقيل: كفتاه من الشرور والآفات، من الشرور والآفات. فهذا فيه أن المسلم يحرص على قراءة هاتين الآيتين، وأن يحافظ عليهما بتدبر وخشوع ومعرفة لمعانيها لما حوت عليه من أصول الإيمان، من أصول الإيمان: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. فيه هذا الدعاء العظيم، ولذلك جاء في صحيح مسلم من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الله عز وجل يقول: «قد فعلت»، أي قد استجاب لمن دعا بهذا الدعاء في هاتين الآيتين، في هاتين الآيتين. فدل ذلك على فضل هاتين الآيتين، وأن المسلم يستغني بهما عن غيرهما. كثير من الناس ربما ينام على الموسيقى، وينام على الواتساب مجموعات، وعلى البرامج ونحو ذلك، فيأتيه النوم ولم يكن له حظ من الأذكار، ولا من الأدعية، ولا من القرآن، خصوصًا قراءة هاتين الآيتين، فيستغني المسلم بما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام وما جاء من قراءة بعض الآيات في كل ليلة. قال: الحديث الرابع: عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أنزل الله تعالى في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور مثل أم القرآن». رواه أحمد، والنسائي، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، والأمر كما قال الترمذي فهو حديث صحيح، وقد صححه العلامة الألباني في «صحيح الترمذي» وكذلك في «صحيح النسائي». وهذا الحديث فيه أيضًا فضل سورة الفاتحة، فالمراد بقوله: «أم القرآن» أي فاتحة الكتاب، فاتحة الكتاب: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وسميت بأم القرآن؛ لأنها حوت إجمالًا ما حواه القرآن تفصيلًا، هكذا قال العلماء: سورة الفاتحة حوت إجمالًا ما حواه القرآن تفصيلًا، فلذلك يقال لها أم القرآن، بل ويقال لها القرآن العظيم؛ لأنها حوته جميعًا، وإن كان على سبيل الإجمال، وإن كان على سبيل الإجمال. ولذلك جاء في بعض الروايات في ذكر فضل هذه السورة أنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته، فسميت القرآن لأنها حوت ما حواه القرآن، لكنه إجمالًا، لكنه إجمالًا. والشاهد واضح من هذا الحديث، فمما اشتمل عليه القرآن ولم تشتمل عليه الكتب السابقة السالفة هذه السورة العظيمة، ألا وهي سورة الفاتحة. فتعظم هدايتنا وسعادتنا بمثل هذا القرآن الذي اشتمل على ما لم تشتمل عليه الكتب السابقة، الكتب السابقة. قال: الحديث الخامس؛ لأننا قلنا أن هذا الباب فيه خمسة أحاديث، أو هذا الفصل فيه خمسة أحاديث، هذا هو الحديث الأخير من هذا الفصل. قال: الحديث الخامس: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «بينما جبريل عليه السلام قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم سمع نقيضًا من فوقه». والنقيض كما فسره المؤلف، مؤلف صاحب الرسالة، العاصل ها هنا، أنه صرير الباب إذا فُتح، الصوت الذي يصدره الباب إذا فُتح يسمى نقيضًا، يسمى نقيضًا. قال: «بينما جبريل عليه السلام قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم سمع نقيضًا من فوقه، فرفع رأسه» أي إلى السماء لأن الصوت جاء من فوقه، «قال: فرفع رأسه، فقال: هذا باب من السماء فُتح اليوم، ولم يفتح قط إلا اليوم، ولم ينزل قط». فقال: «ولم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك، فنزل منه ملك، فقال: يا جبريل، هذا ملك نزل إلى الأرض، ولم ينزل قط إلا اليوم، قال: فسلم، فقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته». هذا الحديث في صحيح مسلم، وهو حديث عظيم يبين لنا مسائل مهمة تتعلق بسورة الفاتحة وبخواتيم سورة البقرة. فهذا الملك نزل من السماء ولأول مرة مبشرًا لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام بفضل سورة الفاتحة والخواتيم من سورة البقرة. فالملك نزل مبشرًا، ولم ينزل بهاتين السورتين ابتداءً؛ فإنها قد نزلت من قبل، وقد اتفق العلماء بأن الفاتحة مكية اتفاقًا، والبقرة مدنية اتفاقًا. فنزول الملك ليس بنزول سورة الفاتحة والخواتيم من سورة البقرة، وإنما نزل بالبشارة. ولذلك قال المؤلف في أصل رسالته: قال العلماء: هذا تنبيه من الله تعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام على فضل الفاتحة وخواتيم البقرة، أكرم الله هذا الملك أن يبشر نبيه بهما، أكرم الله هذا الملك أن يبشر نبيه بهما بعد أن نزل بهما جبريل، فنزول الملك كان بعد نزول سورة الفاتحة وخواتيم البقرة، فإنما نزل بالبشارة، ولم ينزل ابتداءً بهاتين أو بسورة الفاتحة والخواتيم من سورة البقرة. هذا المعنى، قال: أكرم الله هذا الملك أن يبشر نبيه بهما بعد أن نزل بهما جبريل عليه السلام في أوقاتهما، قال: فإن الفاتحة مكية اتفاقًا، والبقرة مدنية اتفاقًا، وتوهم بعض العلماء أن الفاتحة نزلت مرتين، وهذا وهم؛ لأنهم قالوا: الملك نزل، إذا نزل بهذه السورة فهي نزلت مرتين، والصواب أن الملك لم ينزل بالسورة، فقد نزلت من قبل، وإنما نزل بالبشارة والفضل. وأما قوله في هذا الحديث: «لم يؤتهما نبي قبلك»؛ هذا هو موطن الشاهد من هذا الحديث، أن القرآن اشتمل على ما لم تشتمل عليه الكتب السالفة. وأما قوله: «لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته»؛ المراد: ما تقرأ بهذا، بسورة الفاتحة والخواتيم من سورة البقرة، إلا استجيب لك، إلا أعطيته، أي: إلا استجيب لك. نعم، جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في الصحيحين: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين»، ففي هذا الحديث قال: «فإذا قال العبد: إياك نعبد وإياك نستعين، قال الله عز وجل: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، ولعبدي ما سأل». فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخر السورة، قال الله عز وجل: «هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل». أي أنني استجبت لعبدي، ولعبدي ما سأل. وهذا فضل من الله عز وجل، وكما جاء في هذا الحديث: «لن تقرأ بحرف منهما إلا عطيته». وهكذا الخواتيم من آخر سورة البقرة، فقد سمعت في حديث ابن عباس في صحيح مسلم أن الله عز وجل إذا قال القارئ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، قال الله عز وجل: «فعلت، فعلت»، أي بمعنى: استجبت، بمعنى: استجبت. فيدل هذا على فضل هذه السور والآيتين من آخر سورة البقرة، فعل المسلم أن يحرص على الإكثار من قراءتها. وقد ذكر ابن القيم شيئًا عجيبًا في انتفاعه بسورة الفاتحة، وأنه لم ينزل به ألم أو مرض إلا ويقرأ سبع مرات هذه السورة، فيرى الأثر واضحًا بينًا، أي أنه يشفى بإذن الله عز وجل مما يجد من ألم أو من مرض أو نحو ذلك. فالحمد لله الذي أكرمنا بهذا القرآن العظيم، والذي فضله على غيره من الكتب التي أنزلها، فهذا يوجب علينا شدة التمسك به، والاعتناء به، والاستغناء به عن غيره. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر