التعليق على العقيدة الطحاوية 106

الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 106، ألقاها

الرد على ادعاء الأشاعرة والماتريدية وتوضيح منهج العقيدة الطحاوية

العقيدة الطحاوية تتبع منهج أهل السنة والجماعة في إثبات الصفات الإلهية، وتنفي التأويلات الباطلة التي تقترحها فرق أخرى. تُثبت العقيدة الطحاوية الصفات الفعلية الاختيارية لله عز وجل.

تفسير صفة الغضب لله عز وجل وفق منهج أهل السنة

صفة الغضب لله عز وجل تُفسر على أنها صفة تليق بجلال الله وعظمته، وليست كغضب المخلوقين. يُظهر المقطع الفرق بين تفسير أهل السنة وتفسير الجهمية والأشاعرة لهذه الصفة.

انتقاد الجهمية والأشاعرة في التعامل مع الصفات الإلهية

المقطع ينتقد الجهمية والأشاعرة لتعاملهم مع الصفات الإلهية، حيث ينتقد نفيهم للصفات أو تأويلهم لها بعيداً عن الكتاب والسنة. يُشير إلى تأثير الفلسفة اليونانية على منهجهم.

التفريغ النصي الكامل

عقيدة لأهل السنة، وليس للأشاعرة كما يدعي الأشاعرة أن العقيدة الطحاوية على مذهبهم. وهذه العبارة تدل معناها تأكيدًا على أنها ليست على مذهب الأشاعرة؛ لأن إثبات الصفات الفعلية الاختيارية لا يثبتها إلا أهل السنة. الصفات الاختيارية أو الصفات الفعلية لا يثبتها إلا أهل السنة، فالجهمية والمعتزلة والماتريدية والأشاعرة والكلابية كلهم لا يثبتون الصفات الفعلية، كلهم لا يثبتون الصفات الفعلية. بل الكلابية تميز مذهبهم بعدم إثبات الصفات الفعلية لله عز وجل، والأشاعرة لا يثبتون الصفات الذاتية والفعلية إلا سبع صفات فقط، ومثلهم الماتريدية أصحاب أبي منصور الماتريدي. فلهذا يلتبس الأمر على كثير من الماتريدية؛ لأن المؤلف أشعري أو لأن المؤلف حنفي، والماتريدية أحناف، فهم ينسبون هذه العقيدة لهم، يقولون: إن عقيدة الإمام الطحاوي على مذهب الماتريدية؛ لأنه مثلهم حنفي، وهذا غير صحيح. هذه العبارة تدل على أنه ليس على مذهبهم، فقال: «والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى». أنا في إثبات لأسماء الله وصفاته، وكذلك نفي الكيف والرئة والند، وهذا دليلها قوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فهو له الصفات الحسنى سبحانه وتعالى، لكن هذه الصفات ليست كصفات المخلوقين، وهو قوله: «لا كأحد من الورى» أي: من المخلوقين، بل صفات تليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى، لا يماثله شيء، جل وعلا ليس كمثله شيء. ولهذا هذه الصفات تثبت على ما يليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى. ولهذا أخطأ الأشاعرة والجهمية لما مثلوا الله عز وجل بخلقه، قالوا: لو أثبتنا صفة الغضب، فإن صفة الغضب تحتاج إلى حمرار الوجه وانتفاخ الودجين وكذا وكذا، وحمرار العين، من هذه الأشياء التي هي في صفات المخلوقين. فقالوا: لو أثبتنا له الغضب لأثبتنا له أيضًا هذه الصفات، وهي لا تليق بالله. ومن الذي قال لكم أن صفات الله عز وجل كصفات المخلوقين؟! مصيبة هؤلاء أنهم يمثلون الله بخلقه ثم ينفون. أنا أولًا: يمثلون الله عز وجل، يمثلون هذه الصفة بالصفة الجارحة التي في المخلوق، فإذا رأوا -مثلًا- ذكروا هذه الصفات التي يظنون أنها مستحيلة -مثلًا- يقولون: هذا يستحيل أن تكون هذه الصفة لله، مثل ما قالوا في صفة الكلام، قالوا: صفة الكلام تحتاج إلى لسان، تحتاج إلى أحبال صوتية، تحتاج إلى كذا، وهذا شناعة. وأيضًا قلة فهم لله عز وجل، ينطق الجماد، فهل الجماد له لسان؟ هل له أحبال صوتية كما يقولون؟ هل له كذا وكذا؟! ولهذا الله عز وجل يقول: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾، فحتى الجدار يسبح، لكن ليس له لسان. فلهذا تشبيههم الله عز وجل بخلقه باطل. فقالوا: إذا أثبتنا صفة الغضب -أنا أولًا نقول: إن الله عز وجل- معناه ينتقم، وصفة الغضب تحتاج إلى احمرار الوجه وانتفاخ الودجين وغيرها من هذه الأشياء التي يذكرونها، وهذا كما هو معلوم في الإنسان. أما الله عز وجل: ينجزه سبحانه وتعالى عما لم يثبته سبحانه جل وعلا إليه. نحن نقول: يغضب، لكن غضب يليق بجلاله وعظمته. وقد جاءت صفة الغضب في الكتاب والسنة، جاءت صفة الغضب في الكتاب والسنة، وغضب الله عليه ولعنه، فأثبت الله عز وجل له صفة الغضب. وفسرها الجهمية، قالوا: الغضب هو الانتقام. أن غضب الله عز وجل عليهم قالوا: انتقم. وشاعر يقولون: إرادة الانتقام. وهذا أيضًا باطل، ليس الغضب في لغة العرب الانتقام أبدًا، الانتقام إنما هو أثر من آثار الغضب، ليس هو معناه. حتى لأن أكثر هؤلاء -معنا- لا يعرفون اللغة، وأكثر هؤلاء الذين هم الجهمية ما كانوا يعرفون لغة العرب، وأكثرهم حديث عهد بإسلام كالجهم بن صفوان وبشر المريسي وغيرهم، فهؤلاء ما كانوا يعرفون لغة العرب، ففسروا الغضب بالانتقام. لكن العجيب أن الأشاعرة اتبعوهم في ذلك، وهؤلاء الأشاعرة معناهم أهل اللغة، ويدعون أنهم أئمة اللغة. وإن كان أئمة اللغة أكثرهم من أهل السنة، كالخليل بن أحمد، والفراهيدي، وكسيبويه، وأيضًا غيرهم من هؤلاء الأئمة، هم كانوا على السنة. أما المتأخرون من أهل اللغة: أكثرهم على مذهب الأشاعرة. لا، الأصمعي كذلك هو من أهل السنة، وأبو سعيد السيرافي، وغيرهم من أئمة السنة الذين هم أئمة اللغة كانوا على السنة. لكن هؤلاء اتبعوا الجهمية، فقالوا: إرادة الانتقام؛ لأن الأشاعرة يثبتون لله عز وجل إرادة، فلهذا ما يثبتون الصفة إلا يأتوا بمعنى معها الإرادة: إرادة الانتقام، إرادة الثواب. أن يقولون: الرضا هو إرادة الثواب. وهذا أيضًا ليس المعنى الصحيح للرضا ولا للغضب؛ لأن هذه إنما هي آثار من آثار الغضب: الانتقام والثواب هو أثر من آثار الرضا، ليس هو الرضا بذاته. فلهذا أهل السنة فسروا الغضب بالصفة التي تليق بجلال الله وعظمته سبحانه وتعالى. معنى هذا: الغضب له كيفية، لكن لا نعلم كيفيته؛ لأن الله عز وجل لم يخبرنا بذلك. ولهذا كان السلف يقولون: كان السلف يقولون: إن الكلام في الصفات كالكلام في الذات، يحذو حذوه. صفوا لنا ذاته حتى نصف لكم صفاته، كما قال بعض العلماء: صفوا لنا ذات الله إذا وصفتم ذات الله نصف لكم صفاته. فنعلم أن هناك كيفية لصفات الله، لكن لم يخبرنا الله عز وجل عنها. فلهذا نثبت الصفات كما تليق بجلال الله وعظمته، فنقول: غضب. إذا قال: غضب الله عليهم، نقول: غضب. رضي الله عنهم، نقول: رضي. فربنا جل وعلا يغضب ويرضى «لا كأحد من الورى»، ليس كمثله شيء. فلهذا يقال لهؤلاء الذين نفوا الصفات -الجهمية-: أنتم الآن نفيتم الصفات كلها، فهل تقرون أن الله عز وجل له صفة الوجود، أنه موجود؟ قالوا: نعم. قالوا: كيف؟ قال لهم بعضهم: لسنا سائلين كيف تثبتون صفة لله وأنتم تقولون: الصفات تستلزم منها التشبيه؟ فكيف تثبتون صفة صفة الوجود لله؟ فالعبد أيضًا موجود، الإنسان أيضًا موجود، وأنتم تقولون: إن الصفات التي في الإنسان ينزه الله عز وجل عنها. فقال بعضهم -وهم الفلاسفة من الجهمية-: لا موجود ولا معدوم، لا موجود ولا معدوم. وهذا جمع بين النقيضين، هذا لا يوجد في الواقع، ممكن أن يوجد في الأذهان في العقول، فكر أن شيء هناك يقال: إنه لا يوجد وليس بمعدوم، هذا شيء في الأذهان. أما في الواقع: ما في شيء، ما في شيء اسمه: غير موجود وغير معدوم، أو لا يوجد وليس هو بمعدوم، أو يوجد أو لا يوجد ولا يعدم، هذا شيء متناقض، ليس موجودًا في الواقع. فلهذا قالوا: هذا تناقض. وأما الجهمية الذين هم أثبتوا ذلك -صفة الوجود- وأثبتوا أيضًا بعض الصفات، قالوا: أثبتناها بالعقل -مثل الأشاعرة- قالوا: أثبتنا الصفات هذه بالعقل. طيب العقل هذا: عقلكم الذي أثبت به السبع الصفات، لماذا لا يثبت بقية الأوصاف؟ فهي مثلها. فالقول في الصفات كله سواء، كالقول في الصفة، القول في الأخرى. مثل ما أثبتتم تلك الصفة، لابد عليكم أن تثبتوا أيضًا هذه الصفة. لماذا أثبتتم صفة الكلام أو صفة الحياة، صفة العلم؟ قالوا: لأن هذا العقل يثبتها. طيب: عقولكم أثبتت هذه السبع الصفات، وهناك عقول أخرى أثبتت أيضًا بقية الصفات، لماذا لم تأخذوا بهذه العقول أيضًا؟! وهذا كله هراء وكلام فارغ؛ لأنهم ضربوا الكتاب والسنة وراء ظهورهم، جعلوه وراء ظهورهم، وأخذوا منطق اليونان -كما يقولون-: منطق الحكمة، وليس بحكمة، بل أكثرهم ملاحدة. أكثر أصحاب اليونان هم ملاحدة، ما في إلا الذي يثبت التوحيد من المشهورين: أرسطو أو سقراط. أما أرسطو طاليس الذي هو يقولون: إمام الحكمة وكذا، هذا ملحد، لا يثبت حتى وجود الله. فيأخذون من هؤلاء الملحدين -كما يظنون- أنها الحكمة، ويطبقونها في دين الله جل وعلا. فهذا الذي أوردهم هذه الموارد، هذا الذي أوردهم. وإلا ما كان يعرف مثل هذه الأشياء في القرون المفضلة، وإنما عرفت هذه المذاهب بعد أن تُرجمت كتب اليونان في عهد عبد الملك بن مروان، وإلى عهد المأمون، في عهد المأمون الذي فتح مثل هذه الأشياء، وانتشر علم الكلام بعد ذلك. وإلا ما كان الناس يعرفون هذه الأشياء في زمن الصحابة والتابعين وغيرهم، فالكل هم يثبتون ما أثبت القرآن، يثبتون ما أثبت القرآن. فلم يأت أن أحدًا من الصحابة أنه قال: الغضب ليس الغضب الذي تذهبون إليه، أو ليس هو الغضب الذي يعرف عند الناس، أو من هذه العبارات. ليس هناك من يقول مثل هذا أبدًا في الصحابة ولا في التابعين. فلهذا فمذهبهم باطل. وأيضًا يدل -كما قلنا- على أن مذهب المؤلف وهو الإمام الطحاوي هو مذهب أهل السنة، بإثبات الصفات الفعلية، فقال: «والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى». والله تعالى أعلم.

شاركنا على