الدرس في التعليق على نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر 20، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يُعرّف الحديث المسلسل بتتابع الرواة على صيغة موحدة قولية أو فعلية، مع مثال المسلسل بالأولية المنتهي بسفيان بن عيينة. تُرتب صيغ الأداء الثماني من حيث القوة، وتتصدر "سمعت" و"حدثني" لصراحتهما وامتناع الواسطة فيهما.
يُرجح جواز التحمل بالقراءة على الشيخ ويشترط في عنعنة المعاصر ثبوت اللقي مرة واحدة كما ذهب البخاري. تُعد المناولة المقرونة بالإذن بالرواية أرفع أنواع الإجازة، ويشترط تمكين الطالب من الكتاب تمليكاً أو عارية.
يشترط الجمهور الإذن الصريح في الرواية بالمكاتبة والمناولة والوجادة والوصية والإعلام، بينما يجيز بعض الأئمة بمجرد القرائن. تُرد الإجازات المجهولة والمعدومة والعامة والمعلقة بمشيئة الغير، وتوصف بالتوسع غير المرضي ودون السماع اتفاقاً.
أعلن المتحدث انتهاء الكلام في أقسام صيغ الأداء بعد تجاوز الوقت المحدد بنصف ساعة. اختتم الجلسة بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتابه نزهة النظر في شرح نخبة الفكر: قال: "وإن اتفق الرواة في إسناد من الأسانيد في صيغ الأداء كسمعت فلانا قال سمعت فلانا، أو حدثنا فلان قال حدثنا فلان، وغير ذلك من الصيغ، أو غيرها من الحالات القولية كسمعت فلانا يقول: أشهد أشهد الله لقد حدثني فلان إلى آخره، فيكرر هذه الصيغة: أشهد الله لقد حدثني فلان، أو الفعلية كقوله: دخلنا على فلان فأطعمنا تمرا، ثم يقول الآخر: فدخلنا على فلان فأطعمنا تمرا إلى آخر السند، أو القولية والفعلية معا كقولي: حدثني فلان وهو آخذ بلحيته قال: آمنت بالقدر إلى آخره". قال: "فهو المسلسل، وهو من صفات الإسناد". يعني هذا يسمى الحديث المسلسل إذا تتابع الرواة على وصف من الأوصاف أو قول من الأقوال أو فعل من الأفعال، يسمى بالحديث المسلسل. قال: "وقد يقع التسلسل في معظم الإسناد كحديث المسلسل بالأولية". المسلسل بالأولية يعني كل راوٍ يقول: أول حديث سمعته من شيخي الحديث الفلاني، وهذا الآخر يقول: أول حديث سمعته حديث كذا، فيكون مسلسلاً بالأولية. وهو حديث: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». هذا الحديث اشتهر بالحديث المسلسل بالأولية. قال: "فإن سلسلة تنتهي فيه إلى سفيان بن عيينة فقط، ومن رواه مسلسلا إلى منتهى فقد وهم". يعني سلسلة فيه إلى سفيان بن عيينة، وما بعد سفيان تنتهي التسلسل بالأولية، فبعضهم رواه إلى منتهى يعني جعلهم مسلسلا بالأولية إلى ما بعد سفيان بن عيينة، وهذا وهم. ومن هؤلاء أبو المظفر محمد بن علي الطبري، وأيضا محمد بن طاهر، ممن جعلوه مسلسلا إلى آخره. قال: "وصيغ الأداء المشار إليها على ثمان مراتب: الأولى: سمعت وحدثني. ثم أخبرني وقرأت عليه وهي المرتبة الثانية. ثم قرأ عليه وأنا أسمع وهي الثالثة. ثم أنبأني وهي الرابعة. ثم ناولني وهي الخامسة. ثم شافهني أي بالإجازة وهي السادسة. ثم كتب إلي أي بالإجازة وهي السابعة. ثم عن ونحوها من الصيغ المحتملة للسماع والإجازة ولعدم السماع أيضا". هذا مثل: قال وذكر وروى. طيب. إذا أعلى المراتب سمعت وحدثني، أن يقول الراوي: سمعت، أو يقول: حدثني. وهذا إذا سمع من الشيخ إذا ألقى الشيخ أحاديثه وسمعها، فيروي عنه بالسماع والتحديث. وإذا قرأ على الشيخ يقول: أخبرني وقرأت عليه، إذا كان هذا بالعرض يقرأ التلميذ أحاديث الشيخ فيقول: قرأت عليه أو أخبرني. وهكذا إذا قرأ على الشيخ وهو يسمع فيقول: قرأ عليه وأنا أسمع، يعني يأتي شخص آخر يقرأ على الشيخ أحاديث وهو يستمع فيقول: قرأ عليه وأنا أسمع. هذه مرتبة ثالثة أدنى من قوله: أخبرني أو قرأت عليه. ثم أنبأني بعد قرأ عليه وأنا أسمع. ثم ناولني المناولة، يعني ناوله كتابا أو جزءا أو بعض الأحاديث. ثم شافهني أي بالإجازة، فيقول: أجزت لك أن تروي عني الكتاب الفلاني أو تروي عني مروياتي أو كتبي. ثم كتب إلي أي بالإجازة تكون مكتوبة. طيب. ثم عن ونحوها من الصيغ: عن فلان قال فلان، ذكر فلان، روى فلان. قال: "فاللفظان الأولان يعني سمعت وحدثني من صيغ الأداء، وهما سمعت وحدثني، صالحان لمن سمع وحده من لفظ الشيخ إذا حدثوه لوحده فيقول: سمعت وحدثني". وتخصيص التحديث بما سمع من لفظ الشيخ هو الشائع بين أهل الحديث اصطلاحا. تخصيص التحديث بما سمع من لفظ الشيخ يعني أن يكون الشيخ هو الذي حدثه بنفسه فيقول: حدثني. هذا هو الشائع المشهور عند أهل الحديث اصطلاحا. ولا فرق بين التحديث والإخبار من حيث اللغة، وفي الدعاء الفرق بينهما تكلف شديد. يعني بعضهم فرق من حيث اللغة بين الإخبار وبين التحديث، ويقول: إن في اللغة لا فرق بين التحديث والإخبار، لكن من حيث اصطلاح أهل الحديث فرقوا بين التحديث والإخبار بأن التحديث أن يسمع من الشيخ، والإخبار أن يقرأ على الشيخ. قال: "لكن لما تقرر الاصطلاح صار ذلك حقيقة عرفية فتقدم على الحقيقة اللغوية". يعني الحقيقة اللغوية أنه لا فرق بين الإخبار والتحديث، لكن في العرف عرف أهل الحديث فرقوا في الاستعمال بين التحديث وبين الإخبار، فإذن تقدم الحقيقة العرفية على الحقيقة اللغوية. قالوا: "مع أن هذا الاصطلاح إنما شاع عند المشارقة ومن تبعهم، وأما غالب المغاربة فلم يستعملوا هذا الاصطلاح، بل الإخبار والتحديث عندهم بمعنى واحد". يعني هذا التفريق عند أهل المشرق أكثر من أهل المغرب. والمراد بالمشارقة الجمهور منهم الإمام مسلم، الجمهور منهم الإمام مسلم، والمغاربة منهم البخاري. قال: "فإن جمع الراوي أي أتى بصيغة الجمع في الصيغة الأولى كأن يقول: حدثنا فلان أو سمعنا فلانا، فهو دليل على أنه سمع منه". يعني جمع بين التحديث والسمع. قال: "فهو دليل على أنه سمع منه مع غيره". يعني هناك غيره ممن سمع أيضا. "وقد تكون النون للعظمة لكن بقلة". يعني قد يقول فلان: سمعنا أو حدثنا أو قلنا وهو يقصد نفسه من باب التعظيم، هذا مستعمل في اللغة لكن يقول: هذا قليل أن يراد بالإتيان بالنون نون العظمة، والغالب أن يراد به أنه سمعه وغيره من الشيخ. قال: "وأولها أي صيغ المراتب أصرحها، أي أصرح صيغ الأداء في سماع قائلها لأنها لا تحتمل الواسطة". يعني سمعت هذه أصرح من حدثني. قال: "ولأن حدثني قد يطلق في الإجازة تدريسا". يعني إذا أجاز الشيخ التلميذ فيقول: حدثني، من باب التدليس، وهو إنما يريد أنه أجازه أن يروي عنه مروياته، بخلاف سمعت ما تستعمل في التدليس في الإجازة، فهذا تكون سمعت أصرح وأقوى. قال: "وأرفعها مقدارا ما يقع في الإملاء لما فيه من التثبت والتحفظ". يعني إذا أملأ الشيخ على التلميذ أحاديثه يقول: هذا أرفع مقدارا لأنه يكون فيه شيء من التثبت والتحفظ في رواية الحديث. قال: "والثالث وهو أخبرني، والرابع وهو قرأت لمن قرأ بنفسه على الشيخ، والخامس وهو قرأ عليه وأنا أسمع". إذا قال: أخبرنا أو قرأنا عليه فهو كالخامس وهو قرأ عليه وأنا أسمع. إذا قال: أخبرنا أو قرأنا عليه، طبعا أخبرنا متى يقولها إذا عرض على الشيخ أحاديثه، ومثله قرأنا عليه هو نفس أخبرنا هو عرض. فإذا قرأ على الشيخ هم يسمعون كانوا جماعة، طبعا يقرأ واحد والبقية يستمعون. يقول: فإذا قال: قرأ عليه وأنا أسمع، إذن هو كأخبرنا وقرأنا عليه، تكون هذه المرتبة كالخامسة. قال: "وعرف من هذا أن التعبير بقرأته لمن قرأ خير من التعبير بالإخبار لأنه أفصح بصورة الحال". لأن أخبرنا قد يحتمل أنه يعني قرأ على الشيخ غيره، قرأ غيره، لكن لما يقول: قرأته، يعرف أنه هو الذي قرأ بنفسه، هو الذي قرأ أحاديث الشيخ بنفسه وعرضها عليه. قال: "تنبيه: القراءة على الشيخ أحد وجوه التحمل عند الجمهور وتسمى بالعرض". قال: "وأبعد وأبعد من أبى ذلك من أهل العراق". يعني جعل التحمل بالقراءة لا تجوز، وهم شرذمة قليلة من أهل العراق. قال: "وقد اشتد إنكار الإمام مالك وغيره من المدنيين عليهم في ذلك حتى بالغ بعضهم فرجحها على السماع من لفظ الشيخ". وهذا مذهب أبي حنيفة ذكره العراق. يعني جعل الإخبار أقوى من السماع، وهذا خلاف الصواب. الصواب أن السماع أقوى، لكن من باب مبالغة في الإنكار على هؤلاء الذين أنكروا الإخبار والقراءة على الشيخ. قال: "وذهب جمع جمّ منهم البخاري وحكاه في أوائل صحيحه عن جمعيه عن جماعة من الأئمة إلى أن السماع من لفظ الشيخ والقراءة عليه يعني في الصحة والقوة سواء". والله أعلم. يقول البخاري: «وجمع عن لوينهما إلا أن السماع من لفظ الشيخ والقراءة عليه يعني في الصحة والقوة سواء». السماع جعلوا العرض عليه والسماع منه سواء، وكان الجمهور على التفريق أن السماع أقوى ثم العرض. قال: "والإنباء من حيث اللغة واصطلاح المتقدمين بمعنى الإخبار، إلا في عرف المتأخرين فهو للإجازة كعن". لأن في عرف المتأخرين للإجازة، يعني جعلوا الإنباء مختصا بالإجازة، يقول: أنبأني إذا أجازه، وكالرواية عنه. لخلاف الإخبار يكون بالعرض بعرض الأحاديث على الشيخ أو القراءة عليه. لكن من حيث اللغة هي بمعنى الإخبار، مثل ما ذكرنا في سمعت في حدثنا وأخبرنا من حيث اللغة بمعنى واحد، لكن من حيث الاستعمال فرقوا بينهما. كذلك الإنباء والإخبار من حيث اللغة بمعنى واحد، أخبرني وأنبأني بمعنى واحد لغة، لكن من حيث الاستعمال فرقوا بينهما. فالإنباء في عرف المتأخرين هو للإجازة، والإخبار للعرض على الشيخ. قال: "وعنعنة المعاصر والمعاصر محمولة على السماع، بخلاف غير المعاصر فإنها تكون مرسلة أو منقطعة: مرسلة إن كان تابعيا، ومنقطعة إن كان دون التابعي". فشرط حملها على السماع ثبوت المعاصرة، إلا من مدلس فإنها ليست محمولة على السماع. يعني إذا قال الراوي: عن فلان، فينظر إذا عاصره كان هو إياه في عصر واحد، فهنا تحمل على السماع، تقبل إذا لم يكن الراوي مدلسا. وأما إن كان مدلسا فهنا يتوقف فيها، الاحتمال أن يكون دلس، هو لم يروي عنه هذا الحديث، فروى عنه بصيغة محتملة، حينئذ نتوقف حتى نتأكد ونثبت أنه سمع منه فيصرح بذلك. وقيل: "يشترط في حمل عنعنة المعاصر على السماع ثبوت لقائهما أي الشيخ والراوي عنه ولو مرة واحدة، ليحصل الأمن في باقي العنعنة عن كونه من المرسل الخفي". قال: "وهو المختار تبعا لعلي بن المديني والبخاري وغيرهما من النقاد". فهذا شرط البخاري، البخاري ما يكتفي بمجرد المعاصرة، يقول: لا بد من ثبوت اللقي ولو مرة، يثبت لقاء هذا الراوي عن شيخه لشيخه، في حينئذ نقبل ما رواه عنه ولو بالعنعنة. وعلى هذا جرى في كتابه الصحيح. بخلاف الإمام مسلم اكتفى بمجرد المعاصرة، إذا عاصر هذا الراوي هذا الشيخ مع إمكان اللقي وإن لم يثبت اللقي فإنه يقبل حديثه وروايته عنه. وهنا الحافظ كأنه يرجح قول الإمام البخاري رحمه الله من ثبوت اللقي. طبعا هذا القول قول البخاري هو قول جمهور المحدثين، هو قول جمهور المحدثين. يعني يشترط في حمل عنعنة المعاصر على السماع أن يثبت لقاءه لشيخه ولو مرة واحدة حتى نأمن من الانقطاع، فلا يكون من المرسل الخفي. فالمرسل الخفي هو رواية الراوي عن من عاصره ولم يلقاه بصيغة محتملة كعن. قال: "وقال: أطلق المشافهة في الإجازة المتلفظ بها تجوزا". أطلقوا يعني المحدثون، أطلق المشافهة في الإجازة المتلفظ بها تجوزا، يعني يقول: شافهني بإجازة، يعني أطلق لفظ المشافهة في باب الإجازة من باب التوسع. قال: "وكذا المكاتبة في الإجازة المكتوب بها وهو موجود في عبارة كثير من المتأخرين". يعني المكاتبة. قال: "بخلاف المتقدمين فإنهم إنما يطلقونها فيما كتب به الشيخ من الحديث إلى الطالب سواء أذن له في روايته أم لا، لا فيما إذا كتب إليه بالإجازة فقط". يعني المتأخرون يتوسعون يجعلون المكاتبة سواء من جهة التلميذ إلى الشيخ أن يكاتب التلميذ شيخه أو يكاتب الشيخ التلميذ، لكن عند المتقدمين يجعلون المكاتبة خاصة بكتابة الشيخ للتلميذ سواء أذن له بالرواية أم لا. قال: "واشترطوا في صحة الرواية بالمناولة اقترانها بالإذن بالرواية". قال: "وهي إذا حصل هذا الشرط أرفع أنواع الإجازة". يعني يناوله كتابة ويقول: أجزت لك أن تروي عني هذا الكتاب، يناوله الكتاب مع الإذن، مع الإذن بالإجازة، هذه أرفع أنواع الإجازة، ما فيها من التعيين والتشخيص. قال: "وصورتها أن يدفع الشيخ أصله أو ما قام مقامه للطالب". يعني كتاب منقول من أصل كتاب الشيخ وحقق وقوبل بكتاب الشيخ، هذا ما يقابله، أو يحضر الطالب الأصل للشيخ، يحضر الطالب الأصل للشيخ ويقول له في الصورتين: هذا روايتي عن فلان فاروه عني. وحينئذ تكون إجازة مقرونة بالإجازة، سواء دفع الشيخ الكتاب للتلميذ أو أتى التلميذ بكتابه إلى الشيخ أو بما يقابله مما عرض على كتاب الشيخ وصححه، أو الأصل أصل كتابه، فيقول: هذا روايتي عن فلان فاروه عني. هذه صورة المناولة المقرونة بالإذن بالرواية. قال: "وشرطه أن يمكنه منه إما بالتمليك يعني يملكه الكتاب وهذا أعلى، وإما بالعارية لينقل منه ويقابل عليه". يعطي إياه استعارة وينقل الأحاديث التي فيه ويقابلها على كتاب الشيخ. قال: "وإلا إن أعطاه واسترد في الحال فلا تتبين أرفعيته". يعني وإلا المقصود أنه إليه لم يمكنه منه أحدهما، لم يناوله الكتاب يملكه إياه ولم يعيره إياه. قال: "وإلا إن أعطاه واسترد في الحال يعني أعطاه إياه ورده إليه في الحال، قال: فلا تتبين أرفعيته". لكن لها زيادة مزية على الإجازة المعينة وهي أن يجيزه الشيخ برواية كتاب معين ويعين له كيفية روايته له. يعني إذا قال له: ارو عني الكتاب الفلاني أو أجيزت لك أن تروي عني الكتاب الفلاني، هنا عين له الكتاب. يقول: كونه ناوله الكتاب ورده إليه في الحال هذا أرفع من قوله: ارو عني الكتاب الفلاني من غير أن يناوله إياه. هذا مقصوده. قال: "وإذا خلت الرواية المناولة، وإذا خلت المناولة عن الإذن لم يعتبر بها عند الجمهور". ناوله الكتاب ولم يأذن له بالرواية، هنا ما يروي عنه، مجرد المناولة لا تكفي في الإذن بالرواية لأنه ما أعطاه إياه من أجل يحفظه عنده ولم يأذن له بأن يروي عنه، فالجمهور هنا يقولون: لا يعتبر بها، مجرد المناولة من غير إذن بالرواية هذه لا يعتبر بها. قال: "وجنح من اعتبرها إلى أن مناولته إياه تقوم مقام إرساله إليه بالكتاب من بلد إلى بلد". يعني من قال: إذا ناوله إياه إذن كأنه يأذن له، لماذا أعطاه إياه وناوله الكتاب إلا من أجل أن يروي عنه، كمن يرسل كتابه إلى التلميذ بلد آخر حتى يصل إليه الكتاب، وهذا مثله. لكن هذا قول البعض، لكن الجمهور كما سمعتم لم يعتبروا هذا إلا بالإذن. قال: "وقد ذهب إلى صحة الرواية بالمكاتبة المجردة جماعة من الأئمة". يعني من الفقهاء والأصوليين. قال: "ولو لم يقترن ذلك بالإذن بالرواية كأنهم اكتفوا في ذلك بالقرينة". يعني ما الفائدة من إرسال الكتاب له أو مناولته الكتاب إياه إلا من أجل أن يروي عنه، فيقوم قرينة الحال هنا تدل على جواز الرواية أن يروي عنه، ويكون هذا إذنا له بالرواية. وذهب إلى هذا من إما أبو أيوب السختياني والليث بن سعد. قال: "ولم يظهر لي فرق قوي بين مناولة الشيخ الكتاب من يده للطالب وبين إرساله إليه بالكتاب من موضع إلى آخر إذا خلى كل منهما عن الإذن الصريح". يقول: الذي يظهر لي أنه لا فرق بين إرسال الكتاب إلى التلميذ في بلد آخر وبين مناولة الشيخ الكتاب من يده للطالب، كلاهما سواء أنه مجرد مناولة ليس فيها إذن بالرواية. قال: "وكذا اشترطوا الإذن في الوجادة وهي أن يجد بخط يعرف كاتبه فيقول: وجدت بخط فلان، ولا يسوغ فيه إطلاق أخبرني بمجرد ذلك إلا إن كان له منه إذن بالرواية". عن الوجادة أن يجد التلميذ كتاب الشيخ لكن بخط يعرفه، يعرف أن هذا خط فلان المكتوب، يعني منسوب إليه الكتاب، فحينئذ يحدث بالوجادة فيقول: أخبرني وجادة أو وجدت بخط فلان. قال: "هنا ولا ولا يسوغ فيه إطلاق أخبرني بمجرد ذلك إلا إن كان له منه إذن بالرواية عن". إذا عنده إذن سابق ثم وجد هذا الكتاب فيروي عنه يقول: أخبرني ويروي عنه بذلك، أما إذا ما عنده إذن فلا، وإنما يقول: وجدت بخط فلان ويذكر الحديث. قال: "وأطلق قوم ذلك فغلطوا". يعني أنه يقول: أخبرني ولو بمجرد الوجادة من غير إذن بالرواية. وبعضهم يعني جازف حتى قال: يقول: حدثنا وأخبرنا، كما قال ابن الصلاح، وأنكر ذلك على فعله. قال: "وكذا الوصية بالكتاب وهي أن يوصي عند موته أو سفره لشخص معين بأصله أو بأصوله، فقد قال قوم من الأئمة المتقدمين يجوز له أن يروي تلك الأصول عنه بمجرد الوصية، وأبى ذلك الجمهور إلا إن كان له منه إجازة". يعني الجمهور شددوا وما يكفي مجرد أن يوصي بكتبه أو مروياته إليه، ما يجوز له بهذا أن يروي عنه إلا إذا أجازه، يكتب مثلا: إجازة لفلان يروي عني جميع مروياتي، فلا بأس، أما مجرد وصية من غير إجازة فالجمهور على أنه لا يجوز له أن يروي عنه بهذا. قال: "وكذا شرطوا الإذن بالرواية في الإعلام وهو أن يعلم الشيخ أحد الطلبة بأنني أروي الكتاب الفلاني عن فلان، فإن كان له منه إجازة اعتبر وإلا فلا عبرة بذلك". كالإجازة العامة في المجاز له لا في المجاز به، كان يقول: أجزت لجميع المسلمين، هذه إجازة عامة، أو لمن أدرك حياتي كذلك، أو لأهل الإقليم الفلاني أو لأهل البلد الفلانية كأهل بخارى مثلا أو أهل سمرقند أو نحو ذلك، هذه الآن إجازة عامة. قال: "وهو أقرب إلى الصحة لقرب الانحصار". يعني كون الإجازة مقيدة ببلد معين وإقليم معين، طبعا هذا من التوسع في باب الإجازة أن يجيز جميع المسلمين، ولا شك أن من المسلمين من هو صالح، من هو طالح، من هو مطيع، من هو فاسق، فكون يجيز لأمثال هؤلاء أن يرووا الأحاديث هم فسقة، هذا من إهانة العلم، فلهذا الرواية هذه الإجازة العامة فيها يعني كلام عند أهل العلم. نعم، وأقواها ما كانت من معين لمعين، هذا أقوى أنواع الإجازة. قال: "وكذلك الإجازة للمجهول كأن يكون مبهما أو مهملا". مبهم مثل: رجل أجزت لرجل، والمهمل: لمحمد من محمد، الله أعلم عندنا ألف واحد اسمه محمد، فهو أهمله ما ذكر، يعني نسبته وما يميز عن غيره. قال: "وكذلك الإجازة للمعدوم، كان يقول: أجزت لمن سيولد لفلان، هو عاد في العدم". وقد قيل: إن عطفه على موجود إن عطفه على موجود صح، كأن يقول: أجزت لك ولمن سيولد لك، والأقرب عدم الصحة أيضا. يعني هذه أنواع من الإجازة غير معتبر بها عند الجمهور، كالإجازة العامة والإجازة للمجهول والإجازة للمعدوم، هذا كله من التوسع في باب الإجازة. قال: "وكذلك الإجازة لموجود أو معدوم علقت بشرط مشيئة الغير، كأن يقول: أجزت لك إن شاء فلان، أو أجزت لمن شاء فلان، لا أن يقول: أجزت لك إن شئت". يعني إذا قال: أجزت لك إن شئت، هنا صحيحة لأن علقت بمن شئت المجاز له معينا فانتفت الجهالة، لكن إن شاء فلان وهو مجهول، هنا علقت الإجازة بشيء مجهول فلا تصح. قال: "وهذا على الأصح في جميع ذلك". يعني الأصح أن هذه الإجازات لا تصح: الوصية، المناولة من غير إذن بالإجازة، الإجازة العامة، المجهول، المعدوم، بقول الجمهور أنها لا تصح، وإن كان بعض العلماء قد يصحح بعضها. قال: "وقد جوز الرواية بجميع ذلك سوى المجهول ما لم يتبين المراد منه، الخطيب، وحكاه عن جماعة من مشايخه". له رسالة، له رسالة الإمام الخطيب البغدادي رحمه الله جزء بعنوان الإجازة للمعدوم والمجهول. قال: "واستعمل الإجازة للمعدوم من القدماء أبو بكر بن أبي داود أو أبو عبد الله بن مندة، وأيضا حكاه القاضي عياض عن معظم الشيوخ المتأخرين". قال: "واستعمل المعلقة منهم أيضا أبو بكر بن أبي خيثمة". يعني الإجازة المعلقة بالأشياء استعملها أبو بكر بن أبي خيثمة. قال: "وروى بالإجازة العامة جمع كثير، جمعهم بعض الحفاظ في كتاب ورتبهم على حروف المعجم لكثرتهم، والمراد به أبو جعفر محمد بن الحسين من أبي البدر الكاتب البغدادي كما في كتاب التقييد والإيضاح للحافظ العراقي". قال: "وكل ذلك كما قال ابن الصلاح توسع غير مرضي". يعني ما ذكر من أنواع الإجازات القول بجوازها توسع. قال ابن الصلاح: "توسع غير مرضي". قال: "لأن الإجازة الخاصة المعينة مختلف في صحتها اختلافا قويا عند القدماء، وإن كان العمل استقر على اعتبارها عند المتأخرين، فهي دون السماع بالاتفاق". يعني إجازة المعينة من الشيخ للتلميذ المعين: أجيزت لك أن تروي كتابي الفلاني أو مروياتي أو أحاديثي، هذه فيها خلاف، وهي من معين لمعين، فكيف بالإجازة العامة أو المجهول أو المعدوم، من باب أولى أنها ما تقبل. قال: "فهي دون السماع بالاتفاق". يعني وإن أجازها المتأخرون فهي أقل من مرتبة السماع. قال: "فكيف إذا حصل فيها الاسترسال المذكور يعني التوسع المذكور: العامة والمجهول والمعدوم إلى آخره، قال: فإن تزداد ضعفا، لكن في الجملة خير من إفراد الحديث معضلا والله أعلم". قال: "وإلى هنا انتهى الكلام في أقسام صيغ الأداء". طيب. طيب، كما في الدرس أخذنا نصف ساعة أكثر، إذا نقف هنا إن شاء الله. إلى هنا، صلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.