الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 6، ألقاها
يبدأ المقطع الأول بشرح حديث نبويا رواه عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب، مشيراً إلى أهمية أبي بن كعب في قراءة القرآن. يُظهر هذا الشرح سلسلة الرواة ويبرز دور أبي بن كعب.
يتطرق المقطع الثاني إلى شرح الآيات القرآنية المنسوخة، مثل آية "إن الدين عند الله الحنيفية المسلمة". يُوضح أن بعض الآيات لم تكتب في المصحف بسبب نسخها، وأن ما أجمع عليه الناس هو المعتمد.
يناقش المقطع الثالث حكم التعامل مع المجوس واختلاف العلماء حول اعتبارهم من أهل الكتاب. كما يتحدث عن طبيعة الإنسان في الحرص على الدنيا والمال، ويُشير إلى أن المال ليس ممدوحاً بذاته.
يختتم المقطع الرابع بالتأكيد على أهمية لزوم كتاب الله وسنة رسوله لتغيير الطبع السيئ. يُظهر أن الالتزام بهذين الأمرين يمكن أن يُحدث تغييراً إيجابياً في الإنسان بإذن الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فإن شاء الله تعالى نقرأ ما كنا نقرأه في كتاب شيخنا أبي عبد الرحمن مقبل بن هاد الوادعي، رحمه الله تعالى. قال شيخنا أبو عبد الرحمن، رحمه الله تعالى: قال الإمام الترمذي، رحمه الله: حدثنا محمود بن غيلان، ومحمود بن غيلان هذا أبو أحمد العدوي المروزي، ومحمود صاحب سنة كما قال إمام أحمد: أعرفه بالحديد، وهو صاحب سنة، وقد امتحنا في القرآن ولم يجب؛ أي في فتنة خلق القرآن. قال: أخبرنا أبو داود، وأبو داود هو سليمان بن داود الطيالسي، أبو داود الطيالسي صاحب المسند، وهو حافظ كبير من حفاظ الحديث. قال: أخبرنا شعبة، وهو ابن حجاج أبو بسطام أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتش بالرجال في البصرة. وأنا اهتم بهذا، وإلا فأول من سئل عن الرجال هو محمد بن سيرين، لكن شعبة اهتم بهذا الباب وفتش في الرجال أكثر. قال شعبة، عن عاصم، وعاصم هو ابن أبي النجود صاحب القراءة، عاصم بهدلة، وعاصم من أهل الكوفة ومن قراء الكوفة، وقراءته اشتهرت كثيرا، وخاصة في زماننا، أن أكثر الناس الآن يقرؤون بقراءته قراءة حفص عن عاصم. حفص بن سليمان الغاضري، عن عاصم ابن بهدلة، عاصم ابن النجود، وعاصم ثقة إلا أنه يهم أحيانا ويضطرب أحيانا، فلهذا قال الإمام الذهبي، رحمه الله: فحديثه ينزل من درجة الصحيح إلى الحسن. ولهذا سيأتي في آخر الحديث يقول الشيخ، رحمه الله: أنه حديث حسن. قال: عن عاصم، قال: سمعت زر بن حبيش، وزر بن حبيش أيضا كوفي وهو من المخضرمين، والمخضرم هو الذي أدرك الجاهلية وأدرك الإسلام. فزر بن حبيش ولد قبل الإسلام أو قبل أن يبعث النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، بعشرين سنة، وهو كبير أدرك الجاهلية، لكنه لم يسلم أو لم ير النبي، صلى الله عليه وسلم، منذ أسلم. قال: سمعت زر بن حبيش يحدث عن أبي بن كعب، وأبي بن كعب سماه عمر بن الخطاب سيد القراء. قال: كان من أكثر الناس قراءة وحفظا لكتاب الله جل وعلا، وكان أيضا مهابا. كان عمر، رضي الله عنه، يهابه، وكان يسميه سيد القراء؛ معنى أنه أفضل الناس في القراءة، والقراءة ترجع إليه. وقد أوصى النبي، صلى الله عليه وسلم، ممن أوصى إليه أن يرجع إليه في كتاب الله، أبي بن كعب، رضي الله عنه. قال: عن أبي بن كعب، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال له: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن». فقال له أبي: «أسم الله بك؟» قال: «نعم». فبكى أبي، رضي الله عنه، أن منزلته عند الله عز وجل هذه المنزلة العظيمة، أنه بهذه المرتبة أن الله عز وجل يأمر نبيه، صلى الله عليه وسلم، أن يقرأ على أبي القرآن. قال: فقرأ عليه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾، وقرأ فيها: ﴿إِنَّ الدِينَ عِنْدَ اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ الْمُسْلِمَةُ﴾، والحنيفية المسلمة لا اليهودية ولا النصرانية ولا المجوسية. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ خَيْرًا فَلَنْ يُكْفُرَهُ﴾، وقرأ عليه: «لو أن لابن آدم واديا من مال لابتغى إليه ثانيا، ولو كان له ثانيا لابتغى إليه ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب». قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وهذا على شرط الترمذي، والظاهر أراد كما قال الحافظ أنه متردد. قال: الحديث متردد بين الحسن والصحة. وقال أبو عبد الرحمن: هو حديث حسن. لماذا حسن؟ لأن عاصما ابن أبي النجود ليس من حديثه من الحديث الصحيح، وإنما يحسن، وهو من الحديث المقبول. قال: هنا في هذا الحديث: وقرأ «إن الدين عند الله الحنيفية المسلمة»، وهذا كان في سورة لم يكن الذين كفروا. وقال أبي، رضي الله عنه: أن لم يكن الذين كفروا كانت سورة كبيرة، وكذلك الأحزاب فيها آيات كانت كثيرة؛ أي في عهد النبي، صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك نسخت منها أشياء. نسخت آيات من سورة لم يكن، وكذلك من سورة الأحزاب، ومن غيرها من السور. لكن بعض الآيات بقيت في قرآن أو في المصحف الذي كان معه، وهو لم يعلم أنها نسخت. أنه كان يقرئها الناس، وهو لا يعلم أنها نسخت. من هذه الآيات التي كانت في سورة البينة، ثم نسخت من المصحف من القرآن؛ أي لم يكتبها النبي، صلى الله عليه وسلم، فيما كتبه في سورة البينة. لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، كان عنده كتاب يكتبون القرآن، فلم يكتب هذه الآيات في سورة البينة، ولا أيضا هذه الآية الأخرى: «لو أن لابن آدم واديا من مال لابتغى إليه ثانيا». فهذه أيضا لم يكتبها النبي، صلى الله عليه وسلم، فدل على أنها نسخت، وهي عند عامة الصحابة أنها منسوخة. حتى لما كتب عثمان المصحف لم يكتبها، وهذا الذي عليه عامة الصحابة هو الصحيح. وأما وجودها في مصحف أبي فهو لا يدل على أنها لا زالت تقرأ، وإنما يقال: أن أبي لم يأته نسخها؛ يعني لم يعلم بنسخها، فلهذا كانت لا زالت مكتوبة. ورآها بعض التابعين، رأى بعض التابعين هذه الآيات موجودة في مصحف أبي. لكن المعتمد ما كتبه عثمان، وأجمع الناس عليه. وكذلك قبل ذلك ما كتبه زيد بن ثابت لما جعل يكتب القرآن، فاعتمد الصحابة، رضي الله عنهم، ما كتبه زيد بن ثابت، لأنه جمع القرآن من كل مكان. والآيات المنسوخة التي نسخت، والتي لم يكتبها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لم يكتبها زيد بن ثابت، رضي الله عنه. قال: «إن الدين عند الله الحنيفية المسلمة»، الحنيفية أي المستقيمة التي ليس فيها ميلان، بل هي مستقيمة وصراط واحد مستقيم، ليس فيها تخرج وتفريج وسبل، بل هي صراط واحد. وأراد أيضا: المسلمة لا اليهودية ولا النصرانية ولا المجوسية. وهؤلاء أهل كتب إلا المجوس، يقال: أن كتابهم الزبور، ويقال: أنهم ليسوا كذلك، لأن المجوسية هي عبدة أوثان، عبدة النار، وهم ليسوا من أهل الكتب، لأنه ليس هناك من الكتب مما فيه عبادة غير الله جل وعلا. لكن يقال: أن بعض العلماء يقول: أن المجوسية لم تكن قبل تعبدون النار، وإنما كانوا يعبدون الله عز وجل، حتى زينت لهم هذه العبادة، فعبدت النار في دينهم. مثل اليهودية لم يكن هناك عندهم أن عزير ابن الله، كذلك النصارى ما كانوا يعتقدون أن عيسى ابن الله، حتى أحدث ذلك فيهم وانتشر هذا المذهب فيهم، حتى صار مذهبا لهم، أو صارت النصرانية هي التثليث، وهذا باطل. فلهذا النبي، صلى الله عليه وسلم، أخذ الجزية من مجوس هجر، أن عاملهم معاملة أهل الكتاب. ولهذا تجد أهل العلم دائما يختلفون في بعض الأشياء التي أجاز الله عز وجل فيها شيئا من معاملة أهل الكتاب. مثلا: الزواج من الكتابية من اليهودية والنصرانية، هل يجوز أن يتزوج الإنسان من المجوسية؟ كذلك أيضا: ذبائح المجوس، أجاز الله عز وجل لنا طعام الذين أوتوا الكتاب، ولم يجعل لنا طعام المشركين. فاختلف العلماء: هل يجوز أن يؤكل من ذبائح المجوس؟ فهذه مسائل اختلفوا فيها بسبب هل المجوس هم من أهل الكتاب أو ليسوا من أهل الكتاب؟ فمن أهل العلم من عاملهم كمعاملة أهل الكتاب، لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، أخذ الجزية منهم. والنبي، صلى الله عليه وسلم، ما يأخذ الجزية إلا من أهل الكتاب، وأما المشركون فلا يأخذ منهم جزية، وإنما يرغبهم على الإسلام، إلا من عاهد فأخذ العهد والصلح منه. قال: «ومن يعمل خيرا فلن يكفره». وهذه الآية مثل قول الله عز وجل: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾، فهذه الآية جامعة، وهي كما قال النبي، صلى الله عليه وسلم: «الآية المانعة الفائدة». ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره. وهذه الآية مثلها. قال: وقرأ عليه: «لو أن لابن آدم واديا من مال لابتغى إليه ثانيا». وهذا قد جاء عن النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، عن ابن عباس وعن غيره في الصحيحين. وفيه: أن الإنسان طبع على الحرص على الدنيا، والحرص على الجاه، والحرص على المال، طبع بذلك. ثم أن الناس يختلفون في هذا، فمنهم من يرجع إلى الله ويتوب، ويجعل همه هم الآخرة، ويتصر في هذا المال الذي آتاه الله عز وجل بالحكمة وبما أراده الله سبحانه وتعالى، وما حله له. وكذلك أيضا يسلك الطرق الشرعية الصحيحة في جمع المال، يسلك الطرق الصحيحة التي أباحها الله عز وجل، ولا يقدم هذا المال على العبادة. فالدنيا ليست أو هذا المال ليس هو أصلا ممدوحا بذاته، المال ليس ممدوحا بذاته، وإنما المال ممدوح إذا ألهى عن الواجب وعن طاعة الله جل وعلا. فلهذا فطبع الإنسان على الطمع وعلى الحرص على المال. قال النبي، صلى الله عليه وسلم: «ما ذئبان جائعان بأفسد لحضيرة من حرص المرء على الشرف والمال». فهو يحرص على هذه الأمور إلا من وفقه الله عز وجل، فإنه يغير طبعه، بلزوم كتاب الله وسنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم. فهذا ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.