الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  256

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 256

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 256، ألقاها

جارية بن قدامة وروايته عن النبي

جارية بن قدامة صحابي جليل له مواقف مع علي بن أبي طالب، وروى حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم يسأله فيه عن قول ينفعه. روايته تشمل حديث 'لا تغضب'.

تحليل سند حديث 'لا تغضب'

يُناقش سند الحديث ويرجح أن جارية بن قدامة هو الصحابي الذي رواه، وأن الروايات الأخرى التي تذكر 'عن عم له' خاطئة. هذا يبين أهمية التحقق من سند الأحاديث.

الغضب وتأثيره وعلاج النبي له

الحديث 'لا تغضب' يعني التحكم بالنفس عند الغضب، وليس منع الغضب كليًا. النبي نهى عن الغضب وأمر بإبعاد النفس عن آثاره، وكرر هذه الوصية في أحاديث مختلفة.

  • 25 جمادى الآخرة 1441هـ - 19/02/2020مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال شيخنا - مغلوبًا على أمره - رحمه الله: مسند جارية بن قدامة رضي الله عنه. وجارية بن قدامة التميمي السعدي، وصحيح أنه من الصحابة، ومن قال إنه من التابعين فقد أخطأ، بل هو من الصحابة، وكان من رجال علي رضي الله عنه، أي من كان مع علي في صفين وفي غيرها، وكان يلقب بالمحرق؛ لأنه حرق ابن الحضرمي. وقد التجأ ابن الحضرمي إلى بيته، فحرقهم، فسمي المحرق، وهو صحابي جليل، كان شجاعًا، كان من أشجع الناس، رحمه الله، رضي الله عنه. ومسألة تحريقه لابن الحضرمي قد أخرجها البخاري في حديث، هذه قصة صحيحة، لكن اختلفوا في السبب الذي حرقه لأجله. قد ذكر الإمام الطبري بأسانيد صحيحة أنه لأجل الفتنة التي حصلت بعد قتل عثمان رضي الله عنه، فأرسل معاوية ابن الحضرمي لأجل أن يستدعي الناس ويحفزهم على القيام بالمطالبة بدم عثمان رضي الله عنه، فلهذا أرسل إليه جارية بن قدامة، ويسمى أيضًا جويرية، يسمى جارية وجويرية. فأرسل علي رضي الله عنه جارية، فحاول أن يقبض عليه، لكنه لم يستسلم له حتى دخل بيتًا وتوارى فيه، فقام أحرق أطراف البيت، فظهر من أراد أن يهرب، هذا الظن به رضي الله عنه، لكن النار اشتعلت كثيرًا وأحرقت من كان في البيت، وأحرقت من كان في ذلك البيت. قال رحمه الله: قال الشيخ رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا ابن نمير، وهو عبد الله بن محمد بن نمير الكوفي، وهو من حفاظ أهل الكوفة، وابنه محمد يقال إنه أحفظ منه، ومحمد من مشايخ الإمام مسلم بن الحجاج. قال: حدثنا هشام، وهو ابن عروة، شيخ الإسلام وحافظ من حفاظ أهل المدينة، حفظ عن أبيه أشياء كثيرة، وكذلك حفظ عن غيره، وروى عن زوجته فاطمة بنت المنذر؛ لأنها أدركت جدتها، وكانت تروي عن جدتها، وكان هشام يروي عنها عن جدتها أسماء. قال هشام: عن أبيه عروة بن الزبير، وهو الصابر المحتسب رحمه الله، عن الأحنف بن قيس، وهو التميمي، كان من عقلاء الناس وأذكيائهم، وكان أيضًا يقال إنه من أحلم الناس؛ لأنه كان فيه حلم شديد، حتى إنه لما قيل له: إن ابنك قتل ابن أخيه، فقال لهم: فليقتص منه، فصار القصاص، وقتل لأنه تعمد قتله، فقتل ابنه، وهذا يعد من حلمه رحمه الله، وكان يضرب به المثل في الحلم، وهو تميمي من بني تميم، وهو الذي كان يجلس أيضًا في مجالس عمر. كما تقدم معنا في البخاري: أن عيينة بن حصن الفزاري التميمي كان عمًا للأحنف بن قيس، والمراد عم هنا ليس عمًا أحيانًا ما يكون مباشرًا، لكنه من أعمامه، أي من بني عمه، ولهذا هنا سيأتي معنا أن جارية عم له، لكن ليس أنه مباشر، فالأحنف بن قيس أيضًا تميمي سعدي من بني تميم، وكان عمر رضي الله عنه يدخله في مجلسه مع جلساء عمر. وقد أدخل الأقرع بن حابس أو أقصد عيينة بن حصن على عمر رضي الله عنه، ولما قال عيينة: إنك يا عمر لا تحكم بالعدل ولا تأخذ بالجزاء، همّ به عمر، فقال للأحنف بن قيس: يا أمير المؤمنين، الله عز وجل يقول: «خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين»، فوقف عمر، وكان وقافًا عند كتاب الله. قال: عن الأحنف بن قيس، عن عم يقال له جارية بن قدامة السعدي، رضي الله عنه، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، قل لي قولًا ينفعني وأقلل علي لعلي أعيه. وهذا من حرصه رضي الله عنه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قل لي قولًا ينفعني، أي في آخرة، وأقلل علي لعلي أعيه، وفي الدنيا كذلك ينفعه؛ لأجل أن يكون له زاد إلى الآخرة. وقال: وأقلل علي لعلي أعيه، معناه: لا تكثر علي في هذه الأمور، معناه: أطلني شيء أتمسك به، وهذا الشيء ينفعني في الدنيا والآخرة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تغضب». فعاد عليه حتى عاد عليه مرارًا، كل ذلك يقول: «لا تغضب». قال: حدثنا يحيى بن سعيد، معنى الإمام أحمد يقول: حدثنا يحيى بن سعيد، وهو القطان الإمام الجليل أبو سعيد يحيى بن سعيد القطان. قال: أخبرنا هشام، وهو ابن عروة، قال: أخبرني أبي عن الأحنف بن قيس، عن عم له يقال له جارية بن قدامة. معنى الآن اتفق يحيى بن سعيد مع ابن نمير، وقد رواه أيضًا الأكثرون عن هشام بهذا الإسناد: أن الأحنف بن قيس يقول: إن عمًا له. قال: حدثنا يحيى، قال: هشام: قلت يا رسول الله... وهم يقولون: لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم، يعني يحيى بن سعيد يقول: وهم يقولون، يعني يقول الإمام يحيى بن سعيد القطان عن هشام في إسناده، يقول: إن هذا الرجل، وهو جارية، يقول: قلت يا رسول الله. قال: وهم يقولون، أي بعض من أهل الحديث ممن روى عن هشام، كأبي معاوية محمد بن خازم الضرير، يقولون: إن هذا جارية تابعي، وإنما الذي روى الحديث هو عم له، فيقولون: عن جارية عن عم له، أن يقولون: عن الأحنف بن قيس عن جارية عن عم له، وهؤلاء أخطأوا كما بين ذلك أكثر من إمام، وهنا أراد أن يبين الإمام أحمد من كلام يحيى بن سعيد أنهم أخطأوا. قالوا: وهم يقولون: لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم، يعني يحيى بن سعيد يقول: وهم يقولون. قالوا: حدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن الأحنف بن قيس عن جارية بن قدامة، قالوا: حدثني عم لي. الآن جعلوا جارية يقول: حدثني عم لي، ولهذا يقول العجلي في جارية بأنه تابعي وثقة، وهذا ليس صحيحًا، وإنما هو صحابي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، مشهورًا بصحبته. قال: فقال: يا رسول الله، علمني شيئًا ينفعني وأقلل، فذكر الحديث. قال الشيخ: هذا حديث صحيح، وحديث أبي معاوية جعلوه من مسند عمه جارية بن قدامة، والحافظ ابن حجر في الإصابة في ترجمة جارية يرجح أنه من حديث جارية بن قدامة، وكذلك أيضًا الحافظ الإمام الدارقطني رحمه الله. ولعل الشيخ لم يطلع على كلام الدارقطني، وإلا لذكر، وذكر هذا الحديث، وذكر أن يحيى بن سعيد وابن نمير وجماعة يقولون: عن الأحنف عن جارية، وأبو معاوية وجماعة يقولون: عن الأحنف عن جارية عن ابن عم له، وجاء من طريق أيضًا أبي الزناد عن أبيه عن عروة عن الأحنف عن ابن عم له، وهذا كله خطأ، والصحيح أنه عن الأحنف عن عمه جارية. قال: قال الحافظ ابن حجر: بعد ترجيح أنه من حديث جارية، فقد رواه الطبراني من طريق ابن أبي الزناد عن أبيه عن عروة، ومن طريق محمد بن كريب عن أبيه، معنى عن أبيه، ليس عن أبيه محمد بن كريب، وإنما عن أبي الزناد عن عروة عن الأحنف بن قيس، أنه قال: شهدت الأحنف يحدث عن عمه، وعمه جارية بن قدامة. أنا ظهر فيه سقط في الإسناد هنا، قال: من طريق محمد بن كريب عن أبي الزناد أو عن ابن أبي الزناد، سيكون عن أبي الزناد عن عروة عن عروة بن الزبير، قال: شهدت الأحنف يحدث عن عمه، وجاء في رواية: أنه قال: عن ابن عمه، والظاهر أن ابن هنا كلمة زائدة. خلاصة الحديث: أن الحديث صحيح على هذا، وأن جارية بن قدامة صحابي، وهذا الحديث برمته وبنفس لفظه قد جاء في الصحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة، جاء من طريق جماعة عن أبي حصين، وهو عثمان بن عاصم، عن أبي حصين عثمان بن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة. أبي صالح الزيادي، ذكوان السمان، يقال: سمان، ويقال: زياد؛ لأنه كان يبيع الزيت، فعن نبي صالح، نبي هريرة، أن الرجل سأل النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له: يا رسول الله، قال: أوصني وأقلل علي لعلي أعِي، هكذا جاء في نفض البخاري، قال: أوصني وأقلل علي لعلي أعِي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تغضب»، فعاد عليه فردد مرارًا، قال: «لا تغضب». وهذا الحديث من جوامع كلامه عليه الصلاة والسلام، فقد أوتي عليه الصلاة والسلام جوامع الكلم، واختصر له كلامًا اختصارًا، فهذا أيضًا من هذا الباب، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا تغضب». قال أبو حصين: فنظرت في ذلك الأمر، فرأيت أكثر الشق من الغضب، أكثر الشق من الغضب. فلهذا قال هنا: «لا تغضب»، والمراد: لا تجعل الغضب يؤثر عليك، ليس المراد أنه لا تغضب، أي لا يكون فيك غضب، فالغضب لا بد منه، لكن الغضب الذي يكون في الحق، وأيضًا من طبيعة الإنسان أنه يغضب، لكن كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب. فهذا هو الشديد، وهذا الذي عرف نفسه، وأيضًا مسك نفسه وأزمتها إذا غضب، فإنه لا يؤثر عليه الغضب لا في كلامه ولا في أفعاله، فالمحرم هو تأثير الغضب، أما أنه يسب أو أنه يفعل أشياء لا يريد أن يفعلها أو أنها من الحرام، فلهذا الإنسان إذا مسك نفسه عن الغضب وعن تأثيرات الغضب، فإنه لا يضره ذلك الغضب. وقال الإمام الشافعي رحمه الله: من استغضب فلم يغضب فهو حمار، من استغضب فلم يغضب فهو حمار، معنى ليس له طباع البشر، معنى الإنسان يغضب، لكن ليس المراد أنه إذا غضب أثر ذلك على نفسه وعلى كلامه وعلى أفعاله، وإنما إذا غضب أمسك نفسه، إما أن يخرج من ذلك المكان، وإما أن يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في البخاري في حديث سليمان بن صرد، لما اختصم رجلان حتى انتفخ أحدهما وغضب غضبًا شديدًا، فقال عليه الصلاة والسلام: إني لا أعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما هو فيه، فقام الرجل وقال له: قال النبي صلى الله عليه وسلم كذا، فقال: مجنون أنا، قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فقال: مجنون أنا. فهنا كما قلنا: مسألة تأثير الغضب على الإنسان، ولهذا تجد أن الإنسان هذا غضب، ما ينظر إلى من يكلمه، ولو كان هذا الذي يكلمه من الناس الذين يحبهم ويحترمهم، وكذا، لكن إذا غضب تجد أنه يفعل الأفعال ويتكلم بالكلام البذيء، وأيضًا كذلك الكلام الذي قد يكون حرامًا، بل بعضهم يأتي بكلام قد يكون ردة بسبب هذا الغضب. فلهذا الواجب على المسلم أنه يملك نفسه عند الغضب، يملك نفسه عند الغضب، فهذا الشديد الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد الذي يصارع الناس ويصرعهم، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»، كأنه اختبار للإنسان كيف تعرف الإنسان الذي عرف نفسه ووثق بنفسه عند الغضب. عند الغضب تجد إذا غضب إن كان يمسك نفسه فهو شديد وهو ماسك لنفسه، وأما إن أعطى نفسه هواها، تكلم بما لا يليق، وفعل أيضًا ما لا يليق، وتجد في الغضب إذا غضب الإنسان سرعان ما يدخله الانتقام، سرعان ما يدخله الانتقام، فيفعل أفعالًا قد يكون يقتل، قد يكون يفعل من هذه الأفعال الكبيرة بسبب غضبه، يدخل عليه الانتقام وحب الانتقام، وكأنه لا حل غيره، وينسى نفسه، فهذا الذي يؤديه الغضب إلى ذلك. أو يأخذ على أخيه أو يحتد عليه أو كذا، فلهذا المسلم ينبغي عليه أن يبعد نفسه عن آثار الغضب التي يكون فيها غالبًا الإثم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل: «لا تغضب»، فردد عليه مرارًا، قال: «لا تغضب»، هذه الوصية التي أوصاها النبي صلى الله عليه وسلم لجارية بن قدامة. وقد يكون هذا الذي في حديث أبي هريرة هو نفسه جارية، نفس الحديث، لنا الحديث واحد. والله تعالى أعلم.

شاركنا على