شرح مختصر سيرة الرسول  33

شرح مختصر سيرة الرسول 33

الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 33، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

سؤال النجاشي لجعفر عن دعوة النبي وتلخيص الرسالة

استدعى النجاشي جعفر بن أبي طالب ليسأله عن رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فتلخص له دعوة التوحيد والأمر بمكارم الأخلاق. طلب النجاشي سماع القرآن فقرأ جعفر سورتي العنكبوت والروم، فبكى النجاشي تأثراً واتعاظاً.

إسلام النجاشي وصلاة النبي عليه صلاة الغائب

أقر النجاشي بصحة ما جاء به عيسى عليه السلام عند سماع سورة مريم، ونزلت آيات في حقه وأصحابه. توفي النجاشي فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الغائب، ونزلت آية في أهل الكتاب المؤمنين مستدلاً بها على جواز صلاة الغائب.

حكم صلاة الغائب وتقييدها بمن لم يُصلَّ عليه حاضرا

تبين أن صلاة الغائب لا تشرع إلا لمن لم يُصلَّ عليه صلاة الحاضر، مستدلاً بترك الصحابة صلاة الغائب على النبي والخلفاء الراشدين. رد القول بجوازها للعلماء والملوك لعدم الدليل، وناقش توقيت وفد قريش إلى النجاشي مرجحاً كونه بعد الهجرة.

مصير الصحابة بعد الهجرة إلى خيبر وختام المجلس

بعض الصحابة بقوا في مكانهم بينما توجه آخرون إلى خيبر بعد الهجرة إلى المدينة كما ذُكر سابقاً. أنهى المتحدث الجلسة مكتفياً بما ذُكر في هذا السياق.

التفريغ النصي الكامل

بذل الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، طيب. وقفنا عند قوله: ثم أمر بضرب الناقوس، وكان هذا من عادة النصارى؛ إذا أرادوا أن يجتمعوا على شيء ضربوا بالناقوس. والناقوس هو جرس، مثل الجرس، إذا ضرب عرف الناس أن المراد الاجتماع. قال: فاجتمع إليه كل قسيس وراهب، يعني كل عالم عابد. فقال لهم: أنشدكم الله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، هل تجدون بين عيسى وبين يوم القيامة نبيا؟ قالوا: اللهم نعم، قد بشرنا به عيسى، وقال: من آمن به فقد آمن به، ومن كفر به فقد كفر به. وهذا الحديث حديث بعثت قريش عمر بن العاص، عمر بن الوليد. وهذه التفاصيل وردت في حديث عبد الله بن مسعود عند الإمام أحمد، وردها العلامة الألباني في صحيح السيرة، وذكر طرقا كثيرة لهذا الحديث. وهذا يدل في قول: هل تجدون بين عيسى وبين يوم القيامة نبيا؟ يدل على أنه ليس بين عيسى وبين نبينا عليه الصلاة والسلام نبي أو رسول، فكان آخر أنبياء بني إسرائيل عيسى عليه السلام، ثم بعث بعده نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكما تقدم أن هذه البشارة قد وردت في القرآن في سورة الصف: ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدَ ﴾، يعني نبينا محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: فقال النجاشي لجعفر رضي الله عنه، وهو متكلم الصحابة: ماذا يقول لكم هذا الرجل؟ يعني النبي، وما يأمركم به، وما ينهاكم عنه؟ قال العلماء: وهذا من فطنة وذكاء وعدل النجاشي، كان رجلا ذكيا وحليما وعاقلا وفطنا، ولذلك وفقه الله على الصحيح للإسلام، ولذلك صلى عليه النبي عليه الصلاة والسلام. فسألهم هذه الأسئلة: ماذا يقول لكم هذا الرجل، وما يأمركم به، وما ينهاكم عنه؟ فقال أي جعفر: يقرأ علينا كتاب الله، ويأمرنا بالمعروف، وينهانا عن المنكر، ويأمرنا بحسن الجوار، وصلة الأرحام، وبر اليتيم. انظر هذه الأخلاق كانت في أول مبعث النبي عليه الصلاة والسلام، كان يأمر بها ويحث عليها، ويدعو إليها، حسن الجوار، وصلة الأرحام، وبر اليتيم، يعني كفالته والعناية به. قال: ويأمرنا بأن نعبد الله وحده، وحده لا شريك له، يعني يأمرنا بالتوحيد، وينهانا عن الشرك. فقال أي النجاشي: اقرأ مما يقرأ عليكم. فقرأ سورتين: عنكبوت والروم. ففاضت عيناء النجاشي من الدمع، أي تأثرا واتعاظا بالقرآن. وقال: وقال: زدنا من هذا الحديث الطيب. فقرأ عليهم سورة الكهف. فأراد عمر بن الخطاب، عمرو بن العاص، قبل إسلامه، فأراد عمر أن يغضب النجاشي، فقال: إنهم يشتمون عيسى وأمه، يعني يسبونهما، وعيسى هو نبيكم. فأراد أن يستفز النجاشي. فقال أي النجاشي: ما تقولون في عيسى وأمه؟ وهذا كما ذكرنا من حكمته وفطنته وعدله وذكائه، رحمه الله. فقرأ عليهم سورة مريم، فلما أتى على ذكر عيسى وأمه، رفع النجاشي بقشة من سواكه، قدر ما يقذي العين. قشة، يعني مثل ما تقول خوصة، أو جزء من هذا السواك، من هذا السواك قدر ما يقذي العين، يعني ما يدخل ويؤذي العين، يعني شيء يسير، قطعة يسيرة من هذا السواك. فقال: والله ما زاد المسيح على ما تقولون نقيرا، يعني شيء يسيرا. كلامكم موافق لما جاء به عيسى عليه السلام. قال: وفيه نزل قول الله تعالى: ﴿ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ ﴾. وهذه الآية صح فيها سبب النزول من حديث ابن الزبير، وذكره شيخنا الوادعي في الصحيح المسند من أسباب النزول. أي أن هذه الآية نزلت في النجاشي وأصحابه. قال: فأقبل النجاشي على جعفر، ثم قال: اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي. والسيوم: الآمنون. يعني أنتم في أمان. من سبكم غرم، يعني عاقبناه. فلا هوادة اليوم على حزب إبراهيم. هذه اللفظة ما ثبتت الأخيرة، فلا هوادة اليوم على حزب إبراهيم. ولكن ما قبله صحيح في قوله: اذهبوا فأنتم سيوم الأرض، يعني أمنهم، هذه صحت. أما الأخيرة هذه جاءت لكن ما يوجد ما يعضدها وما يقويها، فهي زيادة ضعيفة. موت النجاشي: ولما مات النجاشي، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى عليه كما يصلي على الجنائز، وحديثه في الصحيحين. قال: إنه رجل صالح قد مات بأرض الحبشة، فصلى عليه عليه الصلاة والسلام، وصلى أصحابه معه، وصلى أصحابه معه. فقال المنافقون: يصلي على علج مات بأرض الحبشة. العلج هو من كان من غير العرب من الأعاجم. فأنزل الله تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ ﴾. وهذه الآية أيضا صحت سبب نزولها، ذكره شيخنا في الصحيح المسند من أسباب النزول، رواه البزار وغيره. واستدل العلماء بهذا الحديث على جواز صلاة الغائب، لكن بشرط: لمن كان مسلما ومات بمكان أو بأرض، ولم يصل عليه أحد من المسلمين، كحال النجاشي؛ لأنه مات بأرض النصارى ودفن، ولم يصل عليه أحد. وما الذي دفع العلماء إلى هذا القيد، ولم يجعل صلاة الغائب مطلقة؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام مات في المدينة، ولم يصل عليه عامة الصحابة، وإنما صلى عليه من كان حاضرا في المدينة. فهل ثبت أن أهل مكة صلوا صلاة الغائب، وأن أهل اليمن أو أهل العراق أو غيرها من القرى أو المناطق المجاورة صلت عليه عليه الصلاة والسلام صلاة الغائب؟ ما ثبت هذا. هذا يدل على أن المسلم إذا صلى عليه المسلمون صلاة الحاضر، فلا يجوز أن يصلى عليه صلاة الغائب. وهكذا الخلفاء الراشدون لما ماتوا، ما شهد جنازتهم والصلاة عليهم كل المسلمين، وإنما من كان في المدينة. فلم يثبت أن أهل مكة صلوا على الصديق رضي الله عنه، أو صلوا على الفاروق، أو صلوا على عثمان، أو على علي رضي الله عن الصحابة أجمعين. فدل ذلك على أن صلاة الغائب لا تشرع إلا لمن لم يصل عليه. وهناك اجتهادات للعلماء، لكنها لا يوافقها الدليل، وليست عليها دليل. إنهم من قال: إذا كان هذا الميت ذا شرف، كأن يكون ملكا أو عالما أو نحو ذلك، فلا بأس أن يصلى عليه صلاة الغائب، ويصلى عليه. هذا قول عار عن الدليل، ومن قاله قاله باجتهاد قد خالف الصواب. فمن أشرف؟ أليس الرسول أشرف من أي أحد؟ وكذلك الخلفاء الراشدون. فلو كان هذا القول صحيحا، لصلي صلاة الغائب على النبي عليه الصلاة والسلام. فما يفعله بعض الناس لمن مات خارج البلاد، ومعروف ولو كان ذا علم أو ذا شرف، كالصلاة على الزعماء والرؤساء صلاة الغائب، هذا قول ليس عليه دليل، ليس عليه دليل. والمسلم مأمور بالاتباع لا بالابتداء. وقيل: إن إرسال قريش في طلبهم كان قبل الهجرة إلى المدينة، كان قبل الهجرة إلى المدينة. وهذا الحديث ورد أنه بعد الهجرة إلى المدينة. أن في بداية الحديث: ماذا قالت قريش في دار الندوة؟ إن لنا في الذين عند النجاشي ثأرا، يعني بعد بدر، فأجمعوا مالا. فدل ذلك على أن ذهابهم كان بعد الهجرة. وقيل: أنه قبل الهجرة إلى المدينة. وفي سنة خمس من النبوة، استتر رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الأرقم بن أبي الأرقم، يعني لما اشتد الأذى والبلاء بالمؤمنين، كان يجتمع عليه الصلاة والسلام بالصحابة سرا في دار الأرقم بن أبي الأرقم. فالأقرب والله أعلم، كما جاء في الحديث، وهو حديث صحيح، أن ذهابهم كان، أي ذهاب وفد قريش، كان بعد الهجرة، كان بعد الهجرة. لأن الصحابة بقوا في الحبشة إلى بعد الهجرة، إلى بعد الهجرة. فمنهم من بقي، ومنهم من ذهب بعد الهجرة إلى المدينة في خيبر، كما تقدم معنا، كما تقدم معنا ذلك في أول الهجرة، في أول الهجرة. طيب، لعلنا اليوم نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.