أخلاق المسلم في الشدائد 6

أخلاق المسلم في الشدائد 6

التحذير من نقل الشائعات.

مقدمة: خطر الشائعات في ضوء القرآن

يتناول المحور ظاهرة الشائعات كسلاح مدمر للمجتمعات، موضحاً أسباب ترويجها وتعريفها بأنها أخبار تنتشر دون ثبوت، ومحذراً من خطورتها سواء كانت صادقة أو كاذبة. يستدل بالآية الكريمة التي تأمر بالتثبت قبل نشر الأخبار، وبتفسير ابن كثير الذي ينكر على من يبادر بنقل الأمور قبل التحقق منها.

أحاديث النبوية في التحذير من الشائعات ووجوب التثبت

تستعرض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية خطورة نقل الأخبار دون تثبت، وتوضح أن الكذب يؤدي إلى العذاب في القبر ويورث الفجور والنار، بينما الصدق يهدي إلى البر والجنة. كما تحذر من الكلام بلا تبين ومن نقل كل ما يُسمع، مبينة أن نشر الشائعات يثير الخوف والهلع ويعد إثماً عظيماً.

خاتمة: أخلاق المسلم في الشدائد والدعاء

يختتم الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصنيع درسه بدعاء يصلح أحوال المسلمين ويرزقهم الصدق في القول والعمل، مستشهداً بآية تؤكد أن المصائب بإذن الله وأن الإيمان يهدّي القلوب. يشير إلى أن المحور كان عن أخلاق المسلم عند الشدائد.

التفريغ النصي الكامل

ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم من أخلاق المسلم في الشدائد الشيخ الفاضل أبي معاذ أبو بكر باصنيع المدرس بدار الحديث بالشحر الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مزيدا إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المستمعون الأعزاء، فإن الشائعات ظاهرة من الظواهر الخطيرة التي تظهر في المجتمعات، لا سيما وقت الحروب والخوف والأمراض ونحو ذلك، فإنه في هذا الزمان لا يكاد يمر يوم جديد إلا ونسمع بإشاعة في مكان ما، ونحن في هذا الزمان التي انتشرت فيه هذه الأجهزة الذكية التي جعلت العالم كقرية واحدة، فالخبر الذي يكون في أقصى البلاد ينتقل إلى أدنى البلاد بضغطة زر، وبكذلك قناة أو نحو ذلك. أيها المستمعون الكرام، إن الشائعات تعد من أخطر الأسلحة المدمرة للمجتمعات والأشخاص، فهي سبب للخوف وللفساد ولسوء الظن ولغيرها من المقاصد التي تكون من خلال الإشاعات. فأسباب ترويج الشائعات إما تحقيق منفعة للمشاع عنه، أو الكراهية والانتقام من المشاع عنه، أو قضاء الأوقات بذكر الشائعات، أو نحو ذلك من الأغراض السيئة. أيها المستمعون الأعزاء، معنى الشائعات: الشائعة الخبر ينتشر ولا تثبت فيه، كما ذكر ذلك صاحب المعجم الوسيط. من السهل أن تنطلق الشائعات وليس من السهل أن تتوقف، فالإشاعة تسير بسرعة انتشار النار في الهشيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم. قد تكون الإشاعة صادقة، أي تحتوي المعلومات الواردة في الإشاعة على وجه الحقيقة، وقد تكون الإشاعة كاذبة، أو قد ترتكز على معلومات غير مؤكدة أو عارية من الصحة، وهنا تأتي الخطورة. أيها المستمعون الكرام، التحذير من الشائعات وصية رب العالمين، فقد حذرنا الله تعالى في كتابه العزيز من نقل الشائعات قبل التثبت من صدقها ومصدرها. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾. قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره في قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ﴾: «إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها فيخبر بها ويفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها صحة». انتهى كلامه رحمه الله. وقال تعالى في التحذير من الشائعات وعدم التثبت في الأخبار: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾. قال الإمام ابن كثير رحمه الله عند تفسيره لهذه الآية: «يأمر تعالى بالتثبت في خبر الفاسق، يحتاط له لألا يحكم بقوله فيكون في نفس الأمر كاذبا أو مخطئا، فيكون الحاكم بقوله قد اقتفى وراءه، وقد نهى الله عن اتباع سبيل المفسدين». انتهى كلامه رحمه الله. فأين نحن يا عباد الله من التثبت في الأخبار؟ كم نسمع من أخبار تبث في الإذاعات أو تنشر في وسائل التواصل الاجتماعي دون زمام ولا خطام، فينقلها كثير من أصحاب المجموعات عن طريق اللصق والنسخ دون تثبت ودون تريث، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ونبينا عليه الصلاة والسلام قد حذر أمته من نقل الشائعات وعدم التثبت فيها، وكذلك فإن من ينقل الشائعات دون تثبت سيقع في الكذب لا محالة. فقد روى البخاري في صحيحه عن سمرة بن جندب رضي الله عنه في ذلكم الحديث الطويل، والذي رأى فيه النبي صلى الله عليه وسلم أحوال بعض العصاة، فقال عليه الصلاة والسلام: «رأيت الليلة رجلين أتيان، قالا: الذي رأيته يشق شدقه، يشق شدقه أي جانب فمه، فكذاب يكذب بالكذبة تحمل عنه حتى تبلغ الآفاق، فيصنع به إلى يوم القيامة». انظروا يا عباد الله إلى هذا الرجل، لما كذب فإنه يعذب في قبره وفي حياته البرزخية بأن يشق شدقه أي جانب فمه، والعياذ بالله، ويفعل به ذلك إلى يوم القيامة. وقال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا». والحديث رواه مسلم أيضا. وكذلك روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها، ما يتبين فيها أي ما يتثبت فيها ولا يتفكر ويتدبر فيها، أهي صدق أم كذب، أهي خير أم شر، ما يتبين فيها يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب». قال الإمام النووي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يهوي بها في النار»، معناه: لا يتدبرها ولا يفكر في قبحها، ولا يخاف ما يترتب عليها. أيها المستمعون الكرام، نبينا عليه الصلاة والسلام يقول كما في حديث أبي مسعود: «بئس مطية الرجل زعم». رواه أبو داود وصححه العلامة الألباني عليه رحمة الله. في هذا الحديث ذم نبينا صلى الله عليه وسلم من لم يتثبت في نقل الأخبار. قال الإمام ابن حجر العسقلاني رحمه الله: «الأصل في زعم أنها تقال في الأمر الذي لا يوقف على حقيقته». ذكر ذلك في فتح الباري رحمه الله. وقال العلامة الألباني عند شرحه لهذا الحديث: «قال في هذا الحديث ذم استعمال هذه الكلمة "زعم"، وإن كانت في اللغة قد تأتي بمعنى "قال" كما هو معلوم، ولذلك لم تأت في القرآن إلا في الإخبار عن المذمومين بأشياء مذمومة كانت منهم، مثل قوله تعالى: ﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا ﴾، ثم أتبع ذلك بقوله: ﴿ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ﴾». ذكر ذلك في سلسلة الأحاديث الصحيحة. ويا من ينشر كل خبر في الواتساب أو في غيرها من وسائل التواصل، اسمع إلى نبيك عليه الصلاة والسلام ماذا يقول لك: ما في حديث أبي هريرة: «كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع». رواه مسلم. في هذا الحديث نهى نبينا عليه الصلاة والسلام أن نتحدث بكل ما نسمع حتى لا نكون سببا في الشائعات ونشرها. فيا أيها المستمعون الكرام، اتقوا الله عز وجل واحذروا من نشر الخوف والهلع في أوساط المسلمين بنقل تلك الشائعات الكاذبة. فكم سمعنا في هذا المرض الذي ابتليت به كثير من البلاد، كم نسمع عن يمننا الحبيب أنها ظهرت حالة في بلد كذا وحالة في بلد كذا، وهذه الشائعات لا شك أنها تولد الخوف والفزع عند كثير من المسلمين، ثم بعد ذلك يكون هذا الخبر شائعة كاذبة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فانشروا الطمأنينة في المجتمع، وانشروا الهدوء والسكينة، وإياكم ونشر الشائعات، فإنها إثم عظيم وذنب كبير حذرنا ربنا سبحانه وتعالى منه. نسأل الله بمنه وكرمه أن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، وأن يرزقنا وإياكم الصدق في الأقوال والأعمال، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين. ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم من أخلاق المسلم في الشدائد الشيخ الفاضل أبي معاذ أبو بكر باصنيع المدرس بدار الحديث بالشحر