الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 26، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح الحديث النبوي تعريف الإسلام والإيمان وعلاقتهما، حيث الإسلام يتعلق بالتسليم الظاهر والإيمان يتعلق بالإيمان بالغيب. الإسلام قد يطلق على الدين كله وقد يفرق بينهما.
يفسر المقطع العلاقة بين الإسلام والإيمان، حيث يفترقان في المعنى إذا اجتمعا ويكون للإسلام ظاهر والإيمان باطن، مستدلاً بالأدلة الشرعية من القرآن والسنة.
يُوضح أن الإيمان أفضل من الإسلام لأنه عمل باطني يصدر من القلب، بينما الإسلام عمل ظاهر، مشيرًا إلى أن كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمن.
يتضمن الدعاء بأن ينفع الله بما قيل والصلاة على النبي وآله وصحبه، ويظهر تواضع المتحدث واعترافه بعلم الله تعالى.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال إمام مجدد محمد عبد الوهاب رحمه الله تعالى في رسالته "فضل الإسلام": قال وعن أبي قلابة عن رجل من أهل الشام عن أبيه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما الإسلام؟" قال "أن تسلم قلبك لله، ويسلم المسلمون من لسانك ويدك". قال "أي الإسلام أفضل؟" قال "الإيمان". قال "وما الإيمان؟" قال "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت". أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث في بيان ما فيه من التفسير والتوضيح والشرح لكلمة الإسلام ولمعاني دين الإسلام. وهذا الحديث أولاً، قال عنه الهيثمي رحمه الله تعالى بعدما أورده في "المجمع": قال "رواه أحمد والطبراني ورجاله رجال الصحيح". هكذا قال، لكن كما هو الظاهر في الإسناد: عن أبي قلابة عن رجل، فعندي إبهام هنا. ولهذا شيخ الألباني رحمه الله تعالى صحح هذا الحديث بشواهده، وهو صحيح بشواهده. هذا الحديث، إخواني في الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل "ما الإسلام؟" وهذا المراد من ذكر هذه الأحاديث في هذا الباب في معرفة معاني الإسلام. فقال عليه الصلاة والسلام "أن تسلم قلبك لله". وهذه الجملة وهذه الفقرة قد مرت معنا قريباً، وذكرنا ما يتعلق بها من مسائل ومباحث. ثم قال "ويسلم المسلمون من لسانك ويدك". وهذه الفقرة أيضاً قد مرت معنا أنها من معاني الإسلام، وأن تكون سلماً لإخوانك، فلا تؤذهم بيدك ولا بلسانك. وقد مر هذا معنا. ثم قال عليه الصلاة والسلام، قال الرجل "أي الإسلام أفضل؟" وهذا فيه إشارة، إخواني في الله، إلى أن الإسلام يتفاضل. فالإسلام ليس على درجة واحدة، بل إنه يحتوي على أعمال وأقوال وأفعال وأحوال، منها المرتقى العالي الرفيع في دين الله جل وعلا، وهناك ما هو أقل، وكله خير وكله دين، وكل يقرب إلى الله سبحانه وتعالى. لكن في هذا الحديث "أي الإسلام أفضل؟" دل على أن الإسلام يتفاضل، فالمسلم يبحث عن الأكمل والأتم حتى يتحصل عليه. فقال عليه الصلاة والسلام "الإيمان". فأفضل الإسلام الإيمان. وهنا مسألة ينبغي أن تذكر وتوضع في هذا المقام: الإسلام، إخواني في الله، أحياناً يطلق بعدة اعتبارات. أحياناً يطلق ويراد به هذا الدين كله، هذا الدين ودين الإسلام ودين الإسلام يحتوي على مقامات عظيمة، وإن الإيمان من مقامات الإسلام، الإيمان من مقامات الإسلام، إذ أن الإسلام حوى على الإيمان وعلى كل شيء، فما هناك شيء يخرج عن دين الإسلام والإيمان منه. ويدل على هذا المعنى ما جاء في حديث جبريل عندما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، عن الإيمان، عن الإحسان، ثم انصرف جبريل، قال عليه الصلاة والسلام "هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم"، أي دين دين الإسلام. فجبريل عليه السلام من طرحه لهذه الأسئلة الثلاث سأل عن الإسلام والإيمان والإحسان، إذ أن هذه هي الركائز التي يقوم عليها الإسلام، هي معالم الدين. فالشاهد من هذا أن من معاني ومن معالم دين الإسلام الإيمان، فهذا من إطلاقات الإسلام أن يطلق على الدين كله. ومن هذا الاعتبار يكون الإيمان جزء من الإسلام. وهناك إطلاق آخر وهو أن يُذكر الإسلام وهو يُقابل الإيمان، فعند إسلام في جهة وعند إيمان في الجهة المقابلة، في الجهة التي تُقابله. وهنا تظهر لنا عدة معان، فما معنى الإسلام حينها؟ وما معنى الإيمان؟ هل هما شيء واحد أم أنهما يفترقان؟ فمن أهل العلم من ذهب إلى أن الإسلام هو الإيمان والإيمان هو الإسلام، فهم مترادفان. ومن قائل لا، أن الإسلام شيء والإيمان شيء آخر لا يجتمعا. ومن قائل، وهو قول جماعة من المحققين من العلماء، أن الإسلام والإيمان بينهما ارتباط وثيق، بينهما ارتباط وثيق، فهما كلمتان إن اجتمعتا تفرقتا وإن تفرقتا اجتمعتا. هذا ينبغي أن يفهم، وهذا أسلوب من أساليب اللغة، على أن من بعض الأسماء يكون بينهما ارتباطات، إذا اجتمع تفرق وإذا افترق اجتمع. فالأصل، إخواني في الله، الأصل في الإسلام والإيمان من أعظم ما يفرق بينهما أن الإسلام يتعلق بالأشياء الظاهرة، والإيمان يتعلق بالأمور الباطنة. فالإسلام له الظاهر والإيمان له الباطن. لكن هذه الأسماء إن تفرقتا، بمعنى إن وجدت نص من النصوص الشرعية فيه ذكر الإسلام وحده، فحينها الإسلام يشمل الكل، يشمل الإسلام والإيمان. وهذا كقوله تعالى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، فيدخل في ذلك أهل الإيمان، فالإسلام هنا عام شمل كل شيء، ويدخل فيه الإيمان والأعمال الباطنة. وقد مر معنا أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما سئل "ما الإسلام؟" قال "أن تسلم قلبك لله"، وأن توجه وجهك إلى الله، فجعل الإسلام يتعلق بالباطن، وجعل الإسلام يتعلق بالظاهر. فالإيمان هنا دخل في مسمى الإسلام، الإيمان دخل في مسمى الإسلام، لماذا؟ لأن الإسلام ذكر وحده. فإذا ذكر الإسلام وحده يدخل فيه الإيمان، وهكذا العكس، وإذا ذكر الإيمان وحده فإن الإسلام يدخل في الإيمان، كقوله سبحانه وتعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، هذا خطاب لمن؟ هذا خطاب لجميع الأمة، لجميع أهل الملة، فيدخل في هذا الخطاب أهل من كان مسلماً ومن كان مؤمناً، لأن الإيمان هنا انفرد وذكر لوحده. وهكذا كذلك قوله عليه الصلاة والسلام "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إيماطة الأذى، والحياء شعبة من الإيمان". هنا ذكر الإيمان وجعل من خصال الإيمان خصال الإسلام، لأن الإيمان ذكر وحده. ويؤيد هذا المعنى ويوطد بجلاء ما جاء في حديث وفد عبد قيس، عندما سألهم وقال لهم نبينا عليه الصلاة والسلام "آمركم بالإيمان بالله وحده". قال "أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟" قال "الله ورسوله أعلم". قال "الإيمان بالله أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتعطي الخمس من المغنم". ففسر شهادة الإسلام بماذا؟ وهي سماها إيماناً، فدل ذلك إخواني في الله على هذه القاعدة العظيمة، على أن الإسلام إن ذكر لوحده فإن أهل الإيمان يدخلون في الخطاب، وأن الإيمان إذا ذكر لوحده فإن الإسلام يدخلون في الخطاب. هذا معنى إذا افترقا اجتمعا. لكن إذا اجتمعا، أي بمعنى إذا اجتمعت كلمة الإسلام وكلمة الإيمان في نص من النصوص الشرعية في الكتاب والسنة، فحينها الإسلام له معنى والإيمان له معنى، فيفترقان. فالإسلام يكون له الظاهر والإيمان له الباطن، كقوله سبحانه وتعالى ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، جاء عندي الإيمان وجاء عندي الإسلام، فتم الجمع بينهم في نص واحد، فافترق في المعنى. هؤلاء الأعراب ادعوا أنهم من أهل الإيمان، قالت الأعراب آمنا، فرد ربنا عليهم بقوله ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، أي أنكم لم تأتوا بحقيقة الإيمان، وإنما جئتم بظاهر الإسلام. ويؤيد هذا المعنى أيضاً في قوله عليه الصلاة والسلام "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان إلى قلبه". ففرق نبينا بين الإسلام والإيمان، فالإسلام له حكم الظاهر "يا من آمن بلسانه أظهر الإسلام بلسانه ولم يدخل الإيمان إلى قلبه". فدل على أن الإيمان يكون في القلب، وأن الإسلام يكون في الظاهر. قال "لا تغتاب المسلمين ولا تتتبع عوراتهم". فبهذا، يا إخواني في الله، نفهم كيفية الجمع بين الإسلام والإيمان، وأن النصوص تؤيد هذا المعنى الذي سبق. إن جاء ذكر الإسلام لوحده فهو يشمل أهل الملة كلهم، وإذا ذكر الإيمان وحده فهو يشمل أيضاً أهل الملة كلهم. وأما إذا اجتمع في نص واحد فيفرق بينهما بأن الإسلام له الظاهر والإيمان له الباطن. وهنا حديث في هذا الصدد رواه الإمام أحمد، لكنه ضعيف معل، والذي فيه أن الرسول قال "الإيمان في القلب والإسلام علانية". لكن لا يصح، لكن المعنى يؤيد هذا الحديث. ثم قال عليه الصلاة والسلام مبيناً "ما هو الإيمان؟" قال "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت". نأتي إلى فوائد هذا الحديث، من أولى فوائد هذا الحديث، إخواني في الله، وما قد ذكر وقرر في دروس خلت، على أن الإسلام يقوم على أمرين اثنين، يقوم على أداء حقوق الله وعلى أداء حقوق العباد. وهذا ظاهر جليء في هذا الحديث، لأن النبي صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن الإسلام، قال "أن تسلم قلبك لله"، وهذا أداء لحق الله، قال "وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك"، وهذا أداء لحقوق العباد. وأيضاً من فوائد هذا الحديث أن نعلم أن الإسلام يتفاضل، كما مر ذلك معنا في قول السائل عندما سأل الرسول "أي الإسلام أفضل؟" فدل على أن الإسلام يتفاضل. وهذا يجرنا إلى مسألة قد سبقت، وهي هل الإسلام يزيد وينقص؟ الجواب نعم، وهذا مذهب أكثر العلماء على أن الإسلام يزيد وينقص، يزيد بزيادة خصاله وركائزه، وينقص بنقصان صفاته وخصاله. والفائدة الثالثة أيضاً أن نعلم أن الإيمان بالله جل وعلا يقوم على أركان، الإيمان يقوم على أركان، وأركانه ستة. لكن يشكل علينا أن في هذا الحديث الذي بين يدي ذكر نبينا صلى الله عليه وسلم أن أركان الإيمان خمسة، حيث قال عليه الصلاة والسلام "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت"، ذكر نبينا خمساً. وأن نقرر من أصول اعتقاد أهل السنة خاصة، ومن أصول اعتقاد أهل الإسلام عامة، إلى أن أركان الإيمان ستة، فأين مكمن الركن السادس؟ قال علماء الحديث: لم يذكر في هذا الحديث الإيمان بالقضاء والقدر. قال علماء الحديث: لم يذكر هنا لأن النبي في هذا الحديث إنما اكتفى بما جاء ذكره في القرآن "آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله"، ثم جاءت الأحاديث في آية أخرى "وباليوم الآخر". قالوا: أما الإيمان بالقضاء والقدر قد جاء مفرقاً في آيات أخر، وجاء به مصرحاً في حديث جبريل، عندما سأل جبريل نبينا صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، قال "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره". فأضم نبينا وضمنا من أركان الإيمان الستة الإيمان بالقضاء والقدر، فهي ستة أركان. وأيضاً مما يستفاد من هذا الحديث التفريق بين الإسلام والإيمان على ما قد تم ذكره. لكن تأتي مسألة وهي أعظم، وأيهما أعظم وأيهما أفضل، الإسلام أم الإيمان؟ الجواب: الإيمان أفضل من الإسلام. والدليل هذا الحديث الذي بين أيدينا، فالرجل سأل قال "يا رسول الله ما الإسلام أفضل؟" قال "الإيمان". فالإيمان أفضل من الإسلام. وقعت العلماء في هذا الباب، قالوا: أن كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمن. الذي يأتي بدرجة الإيمان وهي الأعلى والأتم والأكمل، من أتى بدرجة الإيمان فهو من باب أولى قد حقق الإسلام، فكل مؤمن مسلم ولابد، لكن ليس كل مسلم مؤمن. الإنسان قد يأتي بالإسلام لكن لن يستطيع ولا يستطيع أن يحقق مراتب الإيمان فينقص. فعندي من أهل الإسلام كثر، لكن عند المؤمنين قلة. ولهذا الأعراب عندما قالوا "آمنا" ادعوا لأنفسهم مرتبة التمام والكمال، قالوا "آمنا"، فرد ربنا عليهم "قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا"، أسلمنا، فالإسلام معكم. لماذا؟ إخواني في الله، لأن الإسلام هو عمل ظاهر، عمل ظاهر. وأما الإيمان فهو عمل باطني. وقد مر معنا في درس أمس لو تذكرون أن أصول الدين تعود إلى ما في القلوب، فهو الأصل وهو المنبع. وأن العبد إخواني في الله إذا إن صلح قلبه وصلح باطنه فإنه من باب أولى سيؤثر على الظاهر. وقد مر معنا في قوله عليه الصلاة والسلام "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر جسده". فمنطلق تدين العبد إخواني في الله إنما ينطلق من إيمان قلبه. فإن كان في الإيمان الضعيف، فإن هذا سيجعل من إسلامه الضعف بمكان. وبهذا نعلم إخواني في الله أن العبد يحرص على إيمان قلبه وعلى أن يشغل قلبه بالطاعات والعبادات، ويعمرها بما يستطيع، لأنها المحرك لإسلامه. فإن وجد الإيمان القوي سيظهر إسلامه يظهر إسلامه. وكلما كان العبد متصفاً بهذه الصفة كان أرفع درجة عند ربه، لأن الإيمان وهو الذي يكون في القلوب إنما هو يدور على مسائل الغيب، على مسائل الغيب. ومن أعظم صفات المؤمنين الإيمان بالغيب. ولهذا ذكر ربنا جل وعلا من أعظم صفات المتقين "الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ". أعظم صفة، أعظم صفة للمؤمن للتقي أن يكون مؤمناً بالغيب. أنت تؤمن بالملائكة، من هم؟ رأيتهم؟ هل لك معهم نظرة؟ هل لها ترى آثار موجودة ملموسة؟ ما رأيت الملائكة؟ لكنك مذعن مؤمن مقر بوجودها. وهكذا قس على ذلك بما أمرك الله أن تؤمن به. ولهذا إخواني في الله كان من أعظم الأجور التي أعدها الله لعباده هي الأعمال التي فيها ما يكون في النفوس من عظيم التصديق، من عظيم التصديق مع ما تؤديه من عمل ظاهر. مثاله حلقات الذكر وحلقات العلم، جاء في الحديث وأصله في مسلم: عندما تأتي الكوكبة السيارة من ملائكة الرحمن يطوفون يبحثون عن حلق العلم وعن حلق الذكر. فإذا وجدوا حلقة تنادوا فيما بينهم واجتمعوا على حضور هذه الحلقة، ثم يصعدون إلى الله جل وعلا فيسألهم ربنا "من أين جئتم؟" وهو أعلم سبحانه وتعالى "من أين جاءوا؟" فيقول "يا رب جئنا من عبادك يذكرونك ويمجدونك". فيقول الله "هل رأوني؟" فيقول "لا يا رب ما رأوك". في الرواية "خالد" صحيح "فكيف لو رأوني؟" ثم يقول الله "وماذا يسألونني؟" أي هؤلاء الذين اجتمعوا في هذه الحلقة ماذا طلبوا؟ سواء بلسان الحال أو بلسان مقال، ما الذي أرادوا بجلوسهم؟ قالوا "يريدون الجنة". يقول الله جل وعلا "وهل رأوا الجنة؟" فيقول "لا يا رب ما رأوها". فيقول الله "وكيف إذا رأوها؟" في الرواية "لكانوا أشد لها طلباً ومغنماً". ثم يسألهم ربنا جل وعلا "ماذا يستعيذون مني؟" أي من الذي أرادوا بهذا الجلوس وبهذا المكث في حلقات العلم، ماذا يطلبون واستعاذة مني؟ قال "يستعيذون بك من النار". فيقول الله جل وعلا "وهل رأوا النار؟" فيقول "لا يا رب ما قد رأوها". فيقول الله "وكيف إذا رأوها؟" ثم يقول الله جل وعلا في ختام هذا الحديث القدسي "أشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت لهم". في مجلس واحد تتحصل يا عبد الله على مغفرة الذنوب. لماذا؟ لأن هذا العمل وإن كان في الظاهر، لكن في حقيقة إيمان جازم وعقيدة راسخة، وهما في القلب، أنك تعتقد بها بالإيمان بالله والإيمان بالجنة والإيمان بملائكته، وكل ذلك ما يصل إليها إلا العبد الموقن، وهو صفات المتقين "الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ". وبهذا نعلم إخواني في الله أن أعظم درجات الدين الإيمان، فهو أفضل من الإسلام، وأفضل من الإيمان والإسلام هي مرتبة الإحسان، كما جاء ذلك في حديث جبريل. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.