الدرس في شرح تطهير الإعتقاد 26، ألقاها
يناقش مفهوم الاستغاثة بغير الله ويفرق بين الاستغاثة الجائزة والاستغاثة الشركية، موضحًا أن الاستغاثة بالمخلوقين فيما يقدرون عليه جائزة بينما الاستغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله فهي ممنوعة وتعتبر شركًا.
يناقش استغاثة القبوريين وغيرهم بأوليائهم وطلب أمور لا يقدر عليها إلا الله، ويعتبر ذلك شركًا بالله، ويُوضح أن المشركين المتأخرين يعتقدون في الأولياء أنهم ينفعون ويضرون بذواتهم دون الحاجة إلى الله.
يشرح جواز طلب الدعاء من الأحياء، ويبين أن الصحابة كانوا يطلبون الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم وهو حي، ويشدد على أهمية النية الصادقة وراء هذا الطلب.
ينتقد دعاء غير الله تعالى، ويشير إلى أن بعض المدعوين قد يكونون فاسقين أو منافقين أو زنادقة، ويبين أن بعض هؤلاء قد يعتقدون بأن الشرائع لا تطبق عليهم.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام الصنعاني رحمه الله: فإن قلت: الاستغاثة قد ثبتت في الأحاديث. فإنه قد صح أن العباد يوم القيامة يستغيثون بآدم أبي البشر، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، وينتهون إلى محمد صلى الله عليه وسلم بعد اعتذار كل واحد من الأنبياء، فهذا دليل على أن الاستغاثة بغير الله ليست بمنكر. قال قلت: هذا تلبيس، فإن الاستغاثة بالمخلوقين الأحياء فيما يقدرون عليه لا ينكرها أحد، وقد قال الله تعالى في قصة موسى مع الإسرائيليين والقبط: ﴿فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه﴾. وإنما الكلام في استغاثة القبوريين وغيرهم بأوليائهم، وطلب أمور لا يقدر عليها إلا الله تعالى، من عافية المرضى وغيرها. وهذا تقدم معنا في درسنا الماضي، وإنما قرأناه لأجل أن نربط الدرس بالدرس، وأن ذكر هذه الشبهة من القبورية على جواز الاستغاثة بغير الله جل وعلا هذا من التلبيس، وهذا من الباطل الذي يتكلم به أهل الأهواء والبدع، يتكلمون بما يتكلمون من الباطل، ويلبسون عليه ثوبًا من الحق ليروج، وكما قيل: كلمة حق أريد بها باطل. الاستغاثة المذكورة بالأنبياء يوم القيامة هذا حق، دلت عليها الأدلة الكثيرة من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والكلام ليس في هذا النوع من استغاثة، ولا أحد ينكرها، وإنما الإنكار في الاستغاثة الشركية في طلب الغوث من الله جل وعلا فيما لا يقدر عليه إلا الله، هذا هو محل النزاع بين الموحدين وبين القبوريين، ليس النزاع في الاستغاثة بمخلوق حي قادر موجود على شيء يستطيعه، هذا جائز، هذا لا ينكر أحد، دلت عليها الأدلة من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. كما ذكر الشيخ في قول الله جل وعلا عن موسى عليه السلام: ﴿فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه﴾، هذه استغاثة فيما يقدر عليه، فيما يقدر عليها المخلوق. والاستغاثة التي تكون يوم القيامة بالأنبياء بطلب الشفاعة من الله، بطلب الشفاعة عند الله جل وعلا بأن يفرج الله عن أهل الموقف، بأن يحكم بينهم، وأن يفصل بينهم، هذه شفاعة في حي قادر موجود، طلب الدعاء، دعاء الله سبحانه وتعالى أن يأذن بفصل قضاء، هذا جائز. ولكن هذا كما سمعتم من أفعال هؤلاء من أفعال أهل أهواء، أنهم دائمًا يلبسون الحق بالباطل. قال: «وإنما الكلام في استغاثة القبوريين وغيرهم بأوليائهم، وطلب أمور لا يقدر عليها إلا الله تعالى، من عافية المرضى وغيرها». هذا هو محل النزاع. لا يوز أن يقول إنسان لإنسان حي كان أو ميت: أغثني، اشف مريضي، أو اسق أرضي، أو فرج كربتي، أو أعد علي غائبي، أو ما شابه ذلك من الأدعية والاستغاثات التي لا يقدر عليها إلا الله، هذا هو المنكر، هذا هو الشرك بالله جل وعلا، إذ أنه استغاثة بغير الله جل وعلا فيما لا يقدر عليه إلا الله، فهو تسوية غير الله جل وعلا بالله في شيء من خصائصه، وهذا هو حقيقة الشرك بالله جل وعلا، حقيقة الشرك بالله جل وعلا تسوية غير الله جل وعلا بالله سبحانه وتعالى فيما هو من خصائص الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: «بل أعجب من هذا أن القبوريين وغيرهم من الأحياء من أتباع من يعتقدون فيه قد يجعلون له حصة من الولد، إنعاشًا، يعني يستغيثون بأوليائهم بأصحاب الأضرحة والقبور، ويجعلون له نذرًا، إن عاش ولدي فلك منه النصف، أو لك منه كذا وكذا». قال رحمه الله: «ويشترون بذلك الحمل في بطن أمه ليعيش، يدفعون لهم النذور أموالًا، يا سيدي فلان، هذا المال مقابل أن يعيش ولدي لأصحاب القبور والأضرحة». قال: «ويأتون بمنكرات ما بلغ إليها المشركون الأول، ما بلغ الشرك بهم كشرك المشركين المتأخرين». لماذا؟ لأن المشركين الأول كان شركهم كما تقدم معنا في العبادة، وإلا فإنهم يعتقدون أن النافع الضار المطلق هو الله رب العالمين جل وعلا، وإنما كانوا يتقربون إلى غير الله جل وعلا بالعبادة لأجل أن تقربهم تلك الوسائط إلى الله. قال الله جل وعلا: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾، إنما يعبدونهم لأنهم يقربون إلى الله. وأما المشركون المتأخرون فإنهم يتقربون إلى ساداتهم وأوليائهم، ويعتقدون فيهم أنهم يجلبون النفع بذواتهم، ويدفعون الضر بذواتهم، فلا يحتاجون إلى الله، إلى الله رب العالمين جل وعلا، تعالى الله وتقدس عن قول هؤلاء الأفاكين علوًا كبيرًا. قال رحمه الله تعالى: «ولقد أخبرني بعض من يتولى قبض ما ينذر القبوريون لبعض أهل القبور أنه جاءه إنسان بدراهم وحلية نسائية، وقال: هذه لسيده فلان -يريد صاحب القبر- نصف مهر ابنتي لأن زوجتها، وكنت نذرت نصف مهرها فلانًا -يريد صاحب القبر- يعني نذر: إن تزوجت ابنتي فنصف مهرها لك يا سيد فلان، ويا ولي فلان، نذر لغير الله جل وعلا زوج ابنتي، ولك مني النصف، ملكته النصف، نعوذ بالله». قال: «وهذا شيء ما بلغ إليه عباد الأصنام الأول أن يفعل هذا الفعل». نعم، استغاثة العباد يوم القيامة، وطلبهم من الأنبياء أن يدعو الله تعالى ليفصل بين العباد بالحساب حتى يريحهم من هول الموقف، وهذا لا شك في جوازه، أعني طلب الدعاء لله تعالى من بعض عباده لبعض، هذا جائز. أن يذهب إنسان إلى إنسان فيدعو، يقول له: أدع الله لي، هذا جائز، هذا من أنواع التوسل المشروع كما مر معنا، التوسل بدعاء الرجل الصالح. قال: «بل قد قال صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه لما خرج معتمرًا: لا تنسانا يا أخي من دعائك». والحديث رواه أبو داود وغيره، والصحيح فيه الضعف. قال: «وأمرنا الله تعالى أن ندعو للمؤمنين ونستغفر لهم: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم﴾». قال: «وقد قالت أم سليم رضي الله عنها: يا رسول الله، خادمك أنس، ادع الله له». وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يطلبون الدعاء منه صلى الله عليه وسلم وهو حي. يعني الشاهد من هذا أن طلب الدعاء من الأحياء أن يدعو لهم الله تبارك وتعالى هذا جائز، مع أن مع التنبيه على ما نبه عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من أن المسلم لا يسأل غيره الدعاء، وإذا أراد من غيره أن يدعو له، فليكن نيته أنه يكون مذكرًا لغيره بأن يدعو له، وأنه إذا دعا له -ولا سيما في ظهر الغيب- فإن ملكًا يقول: ولك مثله، فيكون بهذا الاعتبار نافعًا لنفسه ونافعًا لغيره. أما أن يسأل غيره الدعاء، فقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن هذا يدخل تحت معنى: ﴿ولا تسأل الناس شيئًا﴾، أي تحت المسألة المذمومة. فننتبه لهذا الأمر، فالأمر وسط، لا إفراط ولا تفريط، من حيث الجواز جائز، لكن تكون مع هذه النية يكون مستحبًا، أي بنية أن تذكر غيرك فيدعو لك بظهر الغيب، فيكون مأجورًا، وينال كذلك دعوة الملك بالتأمين: ولك مثله. قال رحمه الله تعالى: «وهذا أمر متفق على جوازه، والكلام في طلب القبوريين من الأموات». قال: «وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يطلبون الدعاء منه صلى الله عليه وسلم وهو حي، وهذا أمر متفق على جوازه، والكلام في طلب القبوريين من الأموات». أي كلامنا ونزاعنا مع القبوريين إنما هو في طلب القبوريين من الأموات، أو من الأحياء الذين لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، أن يشفعوا، أو يشفوا مرضاهم، وينفسوا حبالهم، وأن يسقوا زرعهم، ويدروا ضروعهم، وأن يدروا ضروع مواشيهم، ويحفظوها من العين، ونحو ذلك من المطالب التي لا يقدر عليها أحد إلا الله. فكيف يطلب من الجماد، أو من حي الجماد -خير منه لأنه لا تكليف عليه- لأن كثيرًا من هؤلاء الذين يدعون منهم الفاسق، ومنهم المنافق، ومنهم الزنديق والعياذ بالله، الذي يقول بأن الشرائع قد ارتفعت في حقه، فلا يصلي لله سجدة، ولا يصوم مع الصائمين، ولا يحج مع الحجاج. نكتفي بهذا القدر في هذه الليلة. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.