آداب الضيافة 3

آداب الضيافة 3

الدرس في آداب الضيافة 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أحاديث نبوية في فضل إكرام الضيف

يذكر الخطيب أحاديث نبوية تشجع على إكرام الضيف مثل حديث "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه". يُوضح ذلك من خلال قصة الأنصاري الذي ضيف رجلاً مع قلة الطعام لديه. يُظهر ذلك أهمية الضيافة في الإسلام.

أهمية إكرام الضيف وحقه في الإسلام

يُظهر الإسلام أهمية إكرام الضيف حتى لو كان على حساب صيام التطوع، ويُشير إلى أن للضيف حقًا في أموال الوقف. يُؤكد ذلك من خلال أحاديث نبوية وتفاسير علمية تُبيّن واجب إكرام الضيف وتقديم له ما يحتاج.

ضابط الضيف وحكم الضيافة

يحدد المقطع ضابط الضيف بأنه المسافر الذي ينزل بالشخص ويطلب الإضافة والإكرام. يُلخص مسائل آداب وفضائل إكرام الضيف ويشير إلى أن حكم الضيافة سيتم تفصيله في درس لاحق.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وأما بعد، في الدرس السابق، إخواني في الله، كان حديثنا عن آداب الضيافة، ثم كان المرور إلى ما ذكره ربنا جل وعلا في استضافة إبراهيم عليه السلام لملائكة الرحمن، وكيف أن العلماء استفادوا من هذه الآية ﴿فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون﴾، كيف أن العلماء استفادوا أكثر من عشرة آداب كما صرح بذلك العلماء، وهي تعتبر من أصول الضيافة. وكذلك مما يلحق بهذا الباب، إخواني في الله، ونحن قد تكلمنا حول فضيلة الضيافة بشكل عام، نذكر ما جاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذكر فضيلة الضيافة، وكيف أن إكرام الضيف من الأمور المستحبة، بل يقول إمام النووي رحمه الله تعالى: «قال وأجمع المسلمون على الضيافة وأنها من متأكدات الإسلام»، أجمع المسلمون على الضيافة وأنها من متأكدات الإسلام، أي أن الإسلام أكد هذا الباب أيما تأكيد. ومما يدل على فضلها ما جاء في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه»، فجعل نبينا صلى الله عليه وسلم من خلال وصفات وخصال أهل الإيمان إكرام الضيف. ومما يدل أيضًا على فضيلة الضيافة ما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني مجهود، فأرسل إلى بعض نسائه»، أي سأل أهله هل عندكم ما نضيف به هذا الضيف المجهود، أي الذي بلغ من الجهد ومن الجهد مبلغًا عظيمًا، «فأرسل إلى بعض نسائه فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا الماء، ثم أرسل إلى الأخريات»، أي من أزواجه كلهن مثل ذلك. سبحان الله، تخيل يا عبد الله، إلى أكرم الخلق عليه الصلاة والسلام، في جميع بيوت أزواجه ما عندهم إلا الماء، وذلك إشارة إلى الفاقة التي أبتلي بها نبينا صلى الله عليه وسلم ومن كان في الزمن الأول من صحبه الكرام. فقال عليه الصلاة والسلام: «من يضيف هذا الليل رحمه الله»، وفيه كذلك دلالة على أنك أحيانًا يا عبد الله لربما في وقت حرج، في وقت حرج يأتيك ضيفًا وأنت لست مستعدًا له، لربما لشغل أو أنك على موعد أو لمرض أهلك أو عندك ليس عندك الذي تأتي به، فهنا لا بأس أن تستعين بغيرك، بإخوانك، بجيرانك ممن تعرف أنه عندهم القدرة على استضافة الضيف، فما في ذلك شيء. لهذا قال عليه الصلاة والسلام: «من يضيف هذا الليل رحمه الله»، فقال رجل من الأنصار: «أنا يا رسول الله»، فانطلق به، أي بالضيف، «فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا إلا قوت صبياني»، فقال: «علليهم بشيء، فإذا أرادوا العشاء فنوميهم»، فانطلق، ما عندها إلا عشاء الصبية، فقال: «هذا هو هذا الذي نريده»، فعلليهم وشغليهم بأي شيء إلى أن يأتي وقت النوم ينام من غير عشاء. قال: «فإذا دخل ضيفنا فأطفئ السراج وأريه أننا نأكل»، وفي رواية: «فإذا أهوى ليأكل فقوم إلى السراج حتى تطفئيه»، يعني ما هذا الفعل؟ أن طعام قليل وطعام الصبيان ويريدون أن يكرموا الضيف، وهذا الطعام القليل كيف سيفعلون؟ فقال هذا الرجل الصحابي الجليل الأنصاري: «إذا قدم الطعام للضيف أطفئ السراج»، ماذا سيكون؟ ستحل الظلمة، طيب الرجل الضيف ما سيرى إلا الخيال، فهم ماذا سيفعلون؟ الأنصار سيدعون أنه يأكل، يعني يمد يده ولا يأكل شيء هكذا فعل، يؤنس الضيف، ولهذا تعمد إطفاء السراج حتى لا يظهر هذا الأمر، لأنه إذا أكلوا معه ضاع الأكل، أكل الصبية، فالصبية ناموا من غير عشاء، فما بقي إلا الضيف. قال: «إذن لابد أن نفعل هذا، فأطفئ السراج حتى نوهمه أنا لنأكل»، أنا لنأكل شيئًا، وإنما طعام كله للضيف، أنظر إلى هذه الفعلة العظيمة الدالة على سلامة الصدر، وإلى حب الإكرام. قال: «فقعدوا وأكل الطعام وبات طاويين»، حتى الزوج والزوجة ما أكلوا شيء، أي مثل الصبية، فقعدوا، أجعل الطعام كله يأكله الضيف ويظن أن الجميع يأكلون معه، وما أكلوا شيئًا، وإنما أصبحوا جائعين طاويين من غير أكل. فلما أصبح غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: «قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما»، أي هذا محل كان محل عظم لكم ورفعة، أنكم فعلتم ذلك، وكل ذلك في سبيل إكرام الضيف الذي نزل بهم، والحديث في صحيح مسلم. وأيضًا، إخواني، فلا مما يدل على فضيلة إكرام الضيف أن إكرام الضيف لربما كان حتى على حساب صومك، ويدل على ذلك ما جاء من حديث أبي أمامة قال: «قلت يا رسول الله مرني بعمل أدخل به الجنة»، فقال عليه الصلاة والسلام: «عليك بالصوم فإنه لا مثل له»، أفضل أعمال، إن استطعت أن تحوزها حاول أنك تكثر من الصوم فإنه لا مثل له، في رواية: «لا عدل له»، فقال الراوي: «فكان أبو أمامة لا يرى في بيته نار إلا إذا نزل به ضيف»، هذا الشاهد، لا يرى ما كان يطبخ في داره لكثرة صومه، لكن إذا رأينا الراوي يقول: «إذا رأينا نارًا في بيت أبي أمامة علمنا أن هناك ضيف»، فدل ذلك على ماذا؟ على أن أبا أمامة رضي الله تعالى عنه كان يترك الصوم بحجة وبعذر نزول الضيف. وهذه مسألة، إخواني، فإنه نعم قد يحتاجها الإنسان، مثلًا أنت تصوم كصومك للإثنين والخميس، ففي هذا اليوم أنت صائم، نزل عليك ضيف، فما هو العمل؟ قال العلماء: من حيث الوجوب لا وجوب، لا نستطيع أن نقول واجب عليك أن تفطر حتى تكرم الضيف، الوجوب لا يصل لحد الوجوب، فتصل إلى أنك تؤثم المضيف، لا لا يصل لإثم، وإنما العلماء اختلفوا في قضية الاستحباب، هل الاستحباب أنك تفطر أو لا تفطر معه؟ على خلاف من أهل العلم، من يرى ذلك ومنهم من لا يرى ذلك. والصحيح التفصيل، ألا وهو أن صاحب الدار ينظر إلى نفسية الضيف، إلى حالته، فإن رأى أن الضيف سيشق عليه أنك صائم، يقول: «أنت صائم»، لا، الله المستعان، يستثقل هذا ويستعظم ذلك ويرى أنه فعل أمر عظيم وأنه قد أحرجك، فإذا كان هذا سيشق على الضيف صومك، فلا تصل، افطر حتى تكرمه بالأكل وتكرم كذلك بالمعاملة. وإن كنت تعلم أن الضيف لا يشق ذلك عليك، بل يعرف ذلك، مثل رجل نزل عليك طالب علم، أو رجل من الدعاة، ونزل عليك في يوم الاثنين أو الخميس، ويعلم أنك تصوم، فإذا قررت له الضيافة يقول: «يا أخي تفضل»، يقول: «أنا صائم»، يقول: «ما شاء الله صائم»، عنده عادي، لا نعرف أن هذا مما جاء، وهذا من فعل الأخيار أنهم يكثرون من الصوم. فإذا كنت تعلم أن هذا الضيف سيعذرك ولن يشق ذلك عليك، فلا بأس أنك تتم صومك، فأشاهد من ذلك على أنه أحيانًا تفطر يا عبد الله من أجل إكرام الضيف، دلالة على عظم منزلة الضيافة. بل كذلك، إخواني في الله، مما يدل على فضيلة الإكرام، إكرام الضيوف، أن الشرع جعل له حقًا في باب الوقف، في أموال الوقف، أموال الوقف هي الموقوفة، وهو أنك توقف شيئًا، ثم المنافع تعطى للمحتاجين من أصناف المحتاجين، الذي يعطى لهم من مال الوقف الضيوف، وصح ذلك من حديث عمر، كما جاء في الصحيحين أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أصاب أرضًا بخيبر، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، أي ما الذي أفعل في هذه الأرض؟ فأراد أن ينتفع منها بأجر، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها»، وهذا هو الوقف، أنك توقف شيء ثابت، والمنافع تكون في أبواب الخير، فالوقف هو حبس الأصل وتسبيل المنفعة. قال: «إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها»، فكان عمر بن الخطاب يتصدق في الفقراء وفي القربة وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، وهذا شاهدنا على أنه كان حق ماذا؟ في المال الوقفي. كذلك يا عبد الله، ما هو أعظم من ذلك؟ ليس الضيف له حق في مال الوقف، بل كذلك حق الضيف له حق على كل مسلم، على كل مسلم عليه أن ينتدب لإعطاء الضيف حقه، ويدل على ذلك ما جاء في الصحيح من حديث ابن عمر قال: قال عليه الصلاة والسلام: «فإن لجسدك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا، وإن لزورك عليك حقًا»، الزور والضيف، الضيف الذي يأتيك هذا كذلك عليه حق. فإذا نزل ضيف وجب على الناس أن يقوم بضيافته وإكرامه، وأيضًا مما يدل كذلك على حق الضيف ما جاء عند أبي داود من حديث جابر بن عبد الله قال: قال عليه الصلاة والسلام، وقد سئل عن الفراش: «فراش للرجل وفراش لامرأته وفراش للضيف والرابع للشيطان»، وهذا الحديث كما قلنا رواه أبو داود، ويحسنه شيخ الألباني رحمه الله تعالى. فسئل نبينا عن الفراش، أي من الذي أعده من الفراش؟ قال نبينا: «فراش للرجل وفراش لامرأته»، أي فراش لك وفراش للزوجة، هل معنى هذا أنه لابد لكل واحد فراش؟ الجواب: لا، وإنما كان هكذا عندهم أن الفرش تنسج للأفراد، ما هناك فراش جماعي، ما كانوا يعرفون بالفراش جماعي. أولًا لضيق البيوت، البيوت ضيقة جدًا، يعني الفراش جماعي لربما تنسج به غرفة كاملة، وما كان هناك حاجة لهذا، وكانت الأوقات تلكم الأوقات يحتاجون إلى شيء خفيف، فراش يلف مباشرة، ليس ضخم، أين يضعونه لقلة أماكن والمستودعات؟ فكانت الأصل تنسج الفرش للأفراد. فقال عليه الصلاة والسلام: «فراش للرجل وفراش لامرأته»، وقال علماء: وهذا كذلك يحمل على ماذا؟ يحمل أن أحيانًا أحد الأزواج يحتاج إلى فراش مستقل، مثاله الفراش الواحد يكفي أن يجمع الأزواج، لكن أحيانًا قد يصاب الرجل بمرض كما ذكر ذلك العلماء، أو كالنووي رحمه الله تعالى قال: «يصاب الرجل أو أحد الأزواج بمرض»، فما العمل؟ هل يبقون وإياهم الزوجان يبقيان في فراش واحد مع وجود المرض؟ ما ينفع. ولهذا الفراش الثاني يكون للشخص الثاني، فإن كان الزوج ينفصل بفراشه وإن كان المرأة تنفصل بفراشها حتى تستقل، تستقل بعلاجها، وربما كان هذا المرض معدي، أو أن المرأة تحتاج إلى فراش لوحدها بحيث تأخذ راحتها، فعلى هذا مخرج. أما إذا أحب الزوجان أن ينام على فراش واحد، بل ثبت ذلك عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن ما لها إلا فراش واحد كانت مع رسول الله ينامان فيه، لكن حمل العلماء على هذا، قال: «فراش للرجل وفراش لمرأته وفراش للضيف»، وهذا على ماذا يدل؟ يدل على عظم حق الضيف، على أنك تحسب له حساب. وقد مر ذلك معنا في تفسير الآية السابقة: ﴿فراغ إلى أهله﴾، استفاد العلماء كيف أن إبراهيم عليه السلام كان قد أعد العدة في استقبال الضيوف، ومنه استفاد العلماء على أن الذي يعتاد على أن الضيوف ينزلون عندهم أن يكون قد أعد العدة حتى لا يأتي وقت يتفاجأ وليس عنده القدر على أن يضيفهم. فإذا اعتدت على ذلك فلا بأس أنك تجعل فراش خاص، وهذا الذي معمول عند كثير من الناس أن يعدون فرشًا خاصة إذا نزل عليهم الضيوف أو نزل عليهم الزوار. ثم قال نبينا: «والرابع للشيطان»، أكثر العلماء قالوا: المسألة ليست بالعدد، ليس يقول واحد ثلاثة والرابع شيطاني، لا ليس هذا، وإنما قالوا: هذا إشارة إلى أن هذا الفراش الزائد هذا ليس له داعي، هذا ليس له داعي، لأن ما الفائدة من ذلك؟ أنت لك فراشك والمرأة لها فراش وأولادك لهم فرش، كل له فراشه، إذا هذا الذي مضروب ما الفائدة منه؟ إذا لم يكن قد أعد للضيوف. قال علماء: ولهذا أكثر العلماء حملوا هذا الحديث على هذا، أن الزائد إنما أعد للفخر والخيلاء والمباهاة، كما يقول: «انظر، فراشي هذا عم بهذا»، زائد، ما تفعل بالزائد؟ هذا يعطى لأهل المستحقين، بل أنك تجعل مفاخرة وتفتخر به، لا تجعل هذا. ولهذا يقول علماء: أن هذا الحديث يحمل على الذي يزيد في الفرش للفخر والخيلاء والتباهي بها، وأن الأمر كما قال إمام القرطبي: لا يصل للتحريم، أن هذا زائد للتحريم، لكنه أنه خلاف الأخلاق النبيلة. فهذا، إخواني في الله، ما يتعلق بهذا الباب من مسائل، ما يتعلق بآداب وفضائل إكرام الضيف، والضيف، إخواني في الله، ينبغي أن نعلم أن ما مر من مسائل وما سيأتي من مسائل متعلقة بالضيف، ضابط الضيف هو المسافر إذا نزل بك المسافر، إذا نزل بك وطلب منك أن تضيفه وأن تقريه، هذه هي مسائل، وهذا حكمه. وسيأتي معنا ما يتعلق بحكم الضيافة في درس غد بإذن الله، أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.