الدرس في آداب الضيافة 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول آداب صاحب الدار في إكرام الضيف وتوديعه، وآداب الضيف في التعامل مع صاحب الدار. يشمل ذلك الجلوس حيث يُجلسه المضيف والرضا بما يُقدم له.
يتناول آداب الضيف عند زيارة الناس، مثل الرضا بما يقدم له، وغض البصر، وعدم إحراج صاحب البيت، والدعاء لھم، وعدم الإطالة في المكث، وتجنب كثرة الطلبات.
يتحدث عن أهمية عدم إحراج صاحب الدار بزيادة عدد الضيوف، وضرورة إخبار صاحب الدار في حالة وجود ضيف إضافي، ويحذر من إتلاف أو تكسير الأشياء في بيت المضيف.
يتضمن الدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويُظهر الرغبة في نيل رضا الله تعالى.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في آداب الضيافة، ولازلنا في هذا الباب، توقفنا عند ذكر أهم آداب الضيافة العامة، ومن ذلكم أن صاحب الدار يؤثر الضيف بما عنده، وأنه بالمقابل نهي عن التكلف، وكذلك أن صاحب البيت وصاحب الضيافة لا يدخل في المنكرات من باب الإكرام للضيف، فإن هذا لا يحبه الله ولا يرضاه. وقد مثلنا بعدة أمثلة في هذا الباب، وذكرنا كذلك من الآداب العامة أنه يشاطر الضيف في الحديث، فلا يلتزم الصمت والسكوت، وهكذا أن يقدم له أطيب ما يجد، والإكرام كذلك بالترحاب وباللسان. ومما يذكره العلماء أيضا من آداب صاحب الضيافة وصاحب الدار للضيف أن يقوم معه عند المغادرة ويوصله إلى باب وعتبة البيت. ذكر العلماء أن هذا من الإكرام أن تقوم يا عبد الله مع ضيفك إذا أراد السفر وأراد الرجوع وأراد الانصراف أن تقوم معه إلى أين؟ حتى توصله إلى باب بيتك فتودعه من هناك. وقد جاءت في ذلك آثار عن سلفنا الصالح، فمما ثبت عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه قال: من السنة إذا دعوت أحدا إلى منزلك أن تخرج حتى يخرج، أن تخرج معه حتى يخرج. فتخرج معه إلى أن توصله إلى البيت حتى ينصرف. وجاء كذلك عن الشعبي رحمه الله تعالى أنه قال: من تمام زيارة الزائر أن تمشي معه إلى باب الدار. وذكرت قصة عن سلفنا الصالح عندما زار أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى أحمد بن حنبل إلى بيته، قال أبو عبيد: فلما أردت القيام قام معي، قلت له: لا تفعل يا أبا عبد الله، ما في داعي، كما أحيط لا في داعي تقوم معي أنصرف. فقال له الإمام أحمد: لا تفعل يا أبا عبيد، فذكر أثر الشعبي، قال الشعبي: من تمام زيارة الزائر أن تمشي معه إلى باب الدار. فهذه مما أثر عن سلفنا الصالح، وهي دلالة على إكرام الضيف أن توجعه حتى توصله إلى عتبة الباب. وأختم هذا المقام إخواني في الله، ونختم مبحث الضيافة بهذا المبحث المهم، ألا وهو ما مر معنا، وهو بذكر الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها صاحب الضيافة، صاحب البيت مع الضيف. لكن بالمقابل هناك آداب ينبغي للضيف أن يلتزم بها، فالآداب مشتركة بين المضيف صاحب الضيافة أو بين الضيفة وهو الزائر. فذكر العلماء رحمهم الله تعالى عدة آداب ينبغي أن يراعيها كل ضيف، بل وما هو أعم من ذلك كل زائر، كل زائر من زار أخاه من جماعته، من قرابته، من أرحامه، من جيرانه، أنه يقوم بهذه الآداب. منها كما قال العلماء: أن يجلس حيث يجلسه المضيف، أن تجلس حيث يجلسك صاحب الضيافة، الصاحب الدار. أدخلك إلى مجلس أو الديوان أو الديوانية مثلا، كما يذكر عن بعض المناطق بهذه التسميات، لكنه اختار لك محلا معينا، إذن ما عليك أن تقول: لا أنا أبغي هذا المكان، لا. هذا ليس لك تدخل، لأنه ربما أعد هذا المكان لضيف آخر، هناك عدة ضيوف، وصاحب الدار يريد أن يكرم كل منهم بمجلس خاص. فقد ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم كما جاء من حديث أبي مسعود الأنصاري قال: قال عليه الصلاة والسلام: «لا يأمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه». فقوله عليه الصلاة والسلام: «ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه»، فإن أعطاك الإذن العام فاجلس حيث تجلس، اجلس ما شئت. وإما إن جل شخص وحدد لك محلا فاجلس حيث أمرك بالجلوس، ولا تقعد على تكرمته إلا بإذنه. وأيضا لا يجوز للضيف أن يأم الصلاة في البيت إلا بعد أن يأذن صاحب البيت، إن أذنك أن تتقدم تقدم، إلا أن الأصل أن صاحب البيت هو الذي يصلي بالناس جماعة، إن كان هناك عذر فصلوا جماعة في البيت، فصاحب البيت هو أولى لأن البيت سلطانه، هو يتقدم إلا إذا أذن لك أيها الضيف أن تتقدم، حينها تقدم بعد إذنه. وأيضا من آداب الضيف إخواني في الله أنه يرضى بما يقدم له، يرضى. تأتي ضيفا تحل ضيفا عند قوم، فربما هؤلاء الضيوف هؤلاء أصحاب الضيافة ما عندهم من اليسر الذي أنت تظن، شحة الإمكانيات، قلة اليد، ضعف المادة والمال، فأعطوك القليل، إرضى إرضى بهذا الذي قد قدم لك، ولا تظهر السخط والتذمر. وقد مر معنا أن من سلفنا الصالح من ربما يقدم للضيف الخل لأنه ما عنده إلا هو، ما عنده إلا هو. والأصل أن صاحب الضيافة يقدم الأغلى والأنفس والأطيب، لكن ربما هذا صاحب الضيافة ما عندهم من اليسر إلا هذا الذي يقدر عليه، فرضى يا ضيف بما يقدم لك ولو قلة. وأيضا من آداب الضيف إخواني في الله: حفظ الصوت، وغض البصر، حاول أنك لا تنظر يمينا ولا يسارا، تتكشف أحوال الناس. ومن ذلك إذا جلست في مكان مثلا جلست في مكان في غرفة الاستقبال ورأيت أنها تكشف تكشف داخل الدار، حاول أن تقوم واجلس في مكان آخر، فإن هذا أغض للبصر. أحيانا تجلس أنت في مكان، فإذا في هذا المحل تراقب من في الداخل، الداخل والخارج، هذا تكشف لأحوال الناس، تكشف للعورات، ربما أهل البيت مروا في هذا المكان، فإذا شعرت أن هذا المكان غير مناسب قم وغير إلى جهة أخرى، فهذا من الآداب التي يتحلى بها الضيف. وهكذا من الآداب: الدعاء، أن الضيف وهكذا الزائر يدعو لمن استقبله ولمن استضافه ولمن قدم له أي شيء، يقول كما ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول لمن ضيفه ولمن استقبله: «اللهم بارك لهم فيما رزقتهم واغفر لهم وارحمهم». والحديث رواه مسلم، وقس على هذه الأدعية. جزاكم الله خيرا، أحسن الله إليكم، بارك الله فيك وفي مالك وفي أهلك، ونحو ذلك من العبارات التي تدل على أنهم قد أصدروا إليك معروفا، وهذا أقل ما تكافئهم به أنك تجعل لهم بدعوات صالحات قبل انصرافك. وهكذا أيضا من آداب الضيف أنك لا تخرج صاحب الضيافة، لا تخرج صاحب البيت، لا توقعه في الحرج. وهذه يدخل تحتها عدة صور، من ذلك من الإحراج إخواني في الله: أنك تكدر عليه، أنك تكسر من طول المكث، تكسر عنده الجلوس، يعني تجلس الفترة الطويلة، ربما الرجل عنده من الأشغال، من الأعمال، من المواعيد، من الارتباطات في عمله، في مهنته، مع أهله هنا وهنا. وأنت ما صدقت أنك تجلس في هذا البيت ثم ربطت فيه، لا تخرج. الناس جئت لحاجة يا عبد الله، نهي حاجتك ثم انصرف راشدا، إلا إذا أن رأيت أن صاحب البيت هو الذي يحتم عليك الجلوس، حين يجلس تطيبا لخاطره، تطيبا لخاطره. وإلا الأصل أن الإنسان ينصرف متى انتهى من حاجته. جئت زيارة لكي تزوره في الله، يكفيك عدة ساعات، ساعة فيك بالزيارة، أنك تظهر وتبرز مدى حبك لهذا الرجل، فجلست عنده، أو كنت جئت لوليمة تناولت الوليمة، ما بقي شيء بعد الوليمة تنصرف، أو جئت لطرق موضوع، اطرق الموضوع، بعد هذا الموضوع ما لك أي حاجة، فتأتي على الأمر فلا تكثر من طول المكث، فإن هذا فيه إحراج على صاحب البيت. ومن هذه الإحراجات إخواني في الله: ما يكون من كثرة الطلبات، من كثرة الطلبات. يخاطب صاحب البيت: لو سمحت أريد كذا، فيأتي لو سمحت في الحاجة الفلانية، الله يبارك. ولو لو على ماذا لو؟ لو أنت في بيتك يا عبد الله، أنت ضيف وصاحب الضيف لن يجد ما يجده في بيته الذي في بيتك. ومن كان في بيتك الأمير يأمر أولاده وأهله: ايتوني بكذا، بكذا. أنت في بيتك أمير، لكن أنت في بيت الناس لست أمير على أحد، وإنما تكون لين، ترضى بما يوجد، إلا من لابد من حاجة ضرورية، فلا بأس أنك تطلبها بأدب: لو سمحت يا صاحب الدار، أطلق حاجة الفلانية، أحتاجها، أتيك بها. أما أنك تكثر الطلب فهذا من الإحراجات على صاحب الضيافة. وأيضا كذلك أن تأتيه في أوقات غير مناسبة، هذا من الإحراج. تأتي في وقت غير مناسب، مثال الآن في مثل هذه الأزمان، يأتي واحد من بعد الظهر، يأتي بعد الظهر ثم يرمي نفسه فوق أناس، كيف سيفعلون معك الآن في هذا الوقت؟ في الساعة الواحدة أو الثانية، وما هناك موعد سابق، لو هناك ميعاد سابق لأعد لك العدة في استقبالك. لكن في مثل هذه الأوقات ماذا سيفعلون معك؟ ولله الحمد. لهذا يقول العلماء: أن موضوع الضيافة كان بالزمن الأول من الأمور العظيمة، لعدم وجود المطاعم ولا المقاهي الذي كان فيها لحاجة المحتاج والقاطع الطريق. أما الآن والله الحمد قد وجدت، ولهذا لا أحد يحرج أحد في مثل هذه المسألة. أنك تأتي في أوقات غير مناسبة، كأن تأتي إلى منتصف الليل. عندك فنادق يا عبد الله، في الصباح تأتي، إلا إذا كان هناك موعد قد أخبرت صاحب الدار أنك ستأتي في الموعد الفلاني، وقد أعد لك العدة، فلا بأس. أما أنك تحرجه بأن تأتي في وقت لا يلائمه أحد، فهذا ليس من آداب زيارة الضيف إلى من يزور. وكذلك من الإحراجات في هذا الباب: أنك تأتي بمن ليس هو مدعو أصلا، تأتي بمن ليس هو مدعو أصلا. أنت دعيت مع جماعة من أصحابك، كم منكم؟ منا أربعة، منا خمسة، منا ستة. أعد رجل عدة لهذه الضيافة لهذا العدد، فإذا بك يا صاحب الضيف تأتي بمجموعة أخرى لم تعد لهم العدة في العدد. أقول: صاحب الضيف تعالوا، هذا يكفي، فيه بركة. ليس هذا ما يصح، هذا أنك تحرج صاحب الدار والضيافة بعدد زائد ما كان متوقع منك. وانظر لهذا الحديث والذي كان من حديث رجل اسمه أبو شعيب من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام. أبو شعيب أعد طعاما لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه جماعة، أعد طعاما معد لرسول الله مع جماعة من أصحابه، فما الذي صار؟ لما كان نبينا يمشي، إذ برجل تبعهم، رجل تبعهم، ما كان محسوب من ضمن الضيافة، دخل مشى معهم، وما استطاع النبي أن يردهم حتى وصلوا إلى منزل أبي شعيب هذا الذي دعاهم للوليمة. فماذا قال نبينا صلى الله عليه وسلم؟ قال: «إن هذا قد تبعنا، فإن شئت أن تأذن له وإن شئت رجع». الأمر صراحة ليس فيه إحراج، وهذا أمر إخواني في الله ينبغي أن تتسع له الصدور، تتسع له الصدور. أحيانا أنت يا عبد الله قد أعددت عشاء أو غداء أو وجبة لضيوف سيأتونك، سيأتيك فلان وفلان، سبعة، ثمانية، وأعددت العدة لهم. ثم إذ بأناس يحبون أن يحضروا فيزاحمونك، فأنت ستحرج، كيف سيفعل؟ أنا هذا الطعام قد أعددته لهؤلاء الست، السبع، وإذا الوفد الذي جاء مع الضيف أضعاف مضاعفة، هذا إحراج، هذا إحراج. ولهذا صرح نبينا لهذا الذي دعاهم، قال: «إن هذا قد تبعنا، هذا غير محسوب، إن شئت وإن شئت رجع». فقال: بل آذن له يا رسول الله، فأذن له فدخل. ودل على أن من الأمور التي ينبغي أن يتحلى بها الضيف أنه لا يأتي بأحد من بعد أنت أعددت العدة وأخبرت صاحب الضيافة بعدد، فالتزم بهذا العدد. فإن طرأ طارئ حاول أنك تشعر صاحب الضيافة حتى يستعد بذلك. كذلك من الأمور التي وننتهي به نختم هذا المقام، وهي من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها الضيف: أن لا يتلف وأن لا يفسد ما يكون في بيت صاحب الضيافة، إياك والإفساد، إياك والتلف، وإياك والعبث، لا تعبث، لا تتلف، سواء بك أو بمن تأتي بهم من أبنائك وعيالك. وهذه مشاكل دائما تقع في مجتمعاتنا هنا، تجد الرجل يأتي مع أهله ومع أولاده، فإذا بالأولاد أصلحهم الله يخرب هذا ويكسر هذا ويفسد هذا، لا يحاول أن يكف أذى أبناءه عن أذية صاحب البيت. اسكتوا، اجلسوا، لا أن يتركهم. وبعض الناس يفرقون في هذا الباب، أذكر بعض الناس إذا جاء في محل يترك أبنائه كالغنم السائبة، يصعد هنا ويصعد هنا، وصاحب البيت هو الذي يتحسر. أولاد وأبوهم ما يحرك ساكنا، يقول: أطفال، أطفال، كيف أطفال يكسرون ويخربون ويمزقون ويتلفون في الجدران وفي الأواني وفي الآنية، هذا ما يجوز، هذا لا يجوز. ومما يذكر في هذا الباب: ما رواه الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في سننه، وابن ماجه: أن عائشة رضي الله تعالى عنها نزل عندها ضيف من قرابتها، فأعطته عائشة رضي الله تعالى عنها منحفة صفراء، حتى يلتحف بها يتغطى بها في نومه. لكن هذا الرجل ما الذي صار له؟ احتلم في هذه الليلة، احتلم. وكأن هذا الغطاء وقع فيه أثر، فاستحيى الرجل أن يسلم الملحفة وفيها هذا الأثر، استحيى، فماذا فعل؟ فغمسه في الماء حتى يبعد الأثر، فطرحه في الماء ثم أرسله. فلما وصل اللحاف إلى عائشة رضي الله تعالى عنها، ورأت ما فيه من البلل، قالت رضي الله تعالى عنها: لما أفسد علينا ثوبنا؟ لما أفسد علينا ثوبنا؟ ما كان ينبغي، ما كان ينبغي. فالرجل يتخلص بما لا يكون فيه تلوث ولا فيه إفساد، لا فيه تلوث ولا فيه إفساد. وبهذا إخواني في الله استفاد العلماء على أن من الآداب: أن من دخل بيتا سواء كان ضيفا أو زائرا أن لا يتلف قدر الإمكان، وإن وقع منه إتلاف فليخبر صاحب البيت: صار كذا وكذا، وأنا آسف، وأنا مستعد أو عوضك، ونحو ذلك. ولكن لا يفسد. فهذا إخواني في الله أهم ما يذكر من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها الضيف، وهكذا الزائر لمن زار قومه. وبهذا المقال انتهينا إخواني في الله من آداب الضيافة. وإن شاء الله في يوم غد ندخل بأدب آخر من الآداب الشرعية. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.