التعليق على أصول في التفسير 17

الدرس في التعليق على أصول في التفسير 17، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أنواع القرآن باعتبار الإحكام والتشابه

يناقش أنواع القرآن الكريم باعتبار الإحكام والتشابه، حيث يصنف إلى نوعين رئيسيين: الإحكام العام والتشابه العام. الإحكام العام يعني الإتقان والجودة في ألفاظه ومعانيه، بينما التشابه العام يشير إلى تشابه القرآن كله في الكمال والجودة والغايات الحميدة.

تعريف المحكم والمتشابه في القرآن الكريم

يتناول شرح معنى المحكم والمتشابه في القرآن، حيث يشير إلى أن المحكم واضح الدلالة ولا لبس فيه، بينما المتشابه يحتمل أكثر من معنى وقد يلتبس على غير العلماء. يُوضح أن آيات الصفات والأسماء ليست من المتشابه الذي يسبب اللبس.

توضيح معنى المتشابه وشبهات حول القرآن والسنة

يشرح المتشابه في القرآن والسنة، ويشمل أمورا لا يعلمها إلا الله، مثل آيات الصفات وصفات الجنة والنار، وقد يتوهم البعض تناقضا في القرآن بسبب عدم فهمهم لهذه الأمور. كما يوضح أن ظاهر بعض النصوص قد يوحي بالشك في نزول الوحي على النبي، لكن هذا ليس المراد.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، صلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. ومن بعده، قال المؤلف رحمه الله تعالى: القرآن محكم ومتشابه. قال: يتنوع القرآن الكريم، باعتبار الإحكام والتشابه، إلى ثلاثة أنواع، أو قل إلى أربعة. النوع الثالث شكله. النوع الأول: الإحكام العام الذي وصف به القرآن كله، مثل قوله جل وعلا: ﴿كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير﴾، وقوله: ﴿ألف لامرأ تلك آيات الكتاب الحكيم﴾، وقوله: ﴿وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم﴾. ومعنى هذا الإحكام: الإتقان والجودة في ألفاظه ومعانيه، وهو في غاية الفصاحة والبلاغة. أخباره كلها صدق نافع، ليس فيها كذب ولا تناقض ولا لغو، لا خير فيه. وأحكامه كلها عدل وحكمة، ليس فيها جور ولا تعارض ولا حكم سفيه. هذا المراد بالإحكام العام، أنه الإتقان، إتقانه من كل الوجوه، من ألفاظه ومن معانيه، وكذلك من بلاغته وفصاحته، وكذلك أيضا من أقواله وأخباره. فأقواله كلها صدق، وأخباره كلها صدق، وأحكامه كلها عدل، فلا نقص فيه بوجه من الوجوه. لا يدخله النقص، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أي: ليس فيه نقص من أي جهة كان، بل هو مكمل من جميع الجهات التي يكون فيها الكمال. قال: النوع الثاني: التشابه العام الذي وصف به القرآن كله، مثل قوله تعالى: ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله﴾. ومعنى هذا التشابه: أن القرآن كله يشبه بعضه بعضا في الكمال والجودة والغايات الحميدة. ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. فهذا التشابه العام، أي: أنه يشبه بعضه بعضا في الإتقان، لا يقل بعضه عن بعض في مسألة إتقانه وجودته، بل كله إتقان وجودة متشابه في ذلك. وقيل: إن المراد أن أخباره تتشابه، لأنها ليس فيها تناقض، متشابهة، أنها أيضا كذلك، ليس فيها ما يكون فيه نقص. وأيضا يشبه بعضها بعضا في الأخبار وغيرها، لا يكذب بعضها بعضا، كما ذكر ذلك الإمام ابن العز وغيره. على أن التشابه المراد به الجودة والإتقان، أو التشابه في الجودة والإتقان، وكذلك التشابه في الأخبار والأقوال، بأنه لا يكذب بعضه بعضا، بل يصدق بعضه بعضا. قالوا: معنى هذا التشابه أن القرآن كله يشبه بعضه بعضا في الكمال والجودة والغايات الحميدة، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. والنوع الثالث: الإحكام الخاص ببعضه، والتشابه الخاص ببعضه، مثل قوله جل وعلا: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب﴾. ومعنى هذا الإحكام: أن يكون معنى الآية واضحا جليا، لا خفاء فيه، مثل قولي تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائلا لتعارفوا﴾، وقولي: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾، وقولي: ﴿وأحل الله البيع﴾، وقولي: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به﴾. فهذه كلها آيات واضحة الدلالة، ليس فيها لبس ولا خفاء. فهذا الإحكام الخاص: أن معنى هذه الآيات لا لبس فيه. ومعنى هذا التشابه، أي: التشابه الخاص: أن يكون معنى الآية مشتبها خفيا، بحيث يتوهم منه الواهم ما لا يليق بالله تعالى أو كتابه أو رسوله، ويفهم منه العالم والراسخ في العلم خلاف ذلك. معنى الأشياء الملتبسة التي يكون فيها شيء من التشابه والالتباس، فهذا التشابه الخاص. وهذا سيأتي إن شاء الله تعالى في الدرس الذي بعده، يبين الشيخ كيف يتعامل العلماء مع المتشابه. قال: مثاله فيما يتعلق بالله تعالى: أن يتوهم واهم من قوله «بل يداه مبسوطتان» أن الله -الإله- له يدين مماثلتين لأيدي المخلوقين. معنى المتشابه هو الكيفية، وإلا فالصفة ليس فيها تشابه. آيات الصفات وآيات الأسماء ليس فيها شيء مما يشتبه فيه، فهي ليست من الآيات المتشابهة. وإن كان بعض المعاصرين أو بعض المتأخرين يقولون أنها من الآيات المتشابهة. بعضهم تجد أنه أقرب لأهل السنة، لكن دخلت عليه بعض الشبه من الأشاعرة وغيرهم، فتجدونه يقول: إن آيات الصفات متشابهة، وهذا خطأ. آيات الصفات ليست متشابهة، بل هي محكمة. فلو كانت آيات الصفات متشابهة لكان القرآن أكثره متشابه، وهذا غير صحيح. لكن آيات الصفات محكمة، وإنما التشابه فيها في الكيفية، لأننا لا نعلم الكيفية، كيفية هذه الصفة، فهي مما طواه الله عز وجل عنا، فهي تعتبر من المتشابه مما يرد علمه إلى الله. لأن المتشابه كما سيأتي: على نوعين، منه ما يرد إلى المحكم فيعرف معناه، ومنه ما لا يعرف معناه فيرد إلى الرب سبحانه وتعالى. كذلك أيضا حقائق الجنة والنار، حقائق الجنة والنار أيضا فيها من هذا الباب، أننا لا نعلمها، مما نؤمن به، مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وإن فيها بقها كقلال هجر، نبقها الدوم معنا مثل قلال هجر». وأيضا غيرها من هذه الأشياء التي ذكرت. وإلا الأصل أننا لا نعلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في حديث أبي هريرة: «فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر». فالأصل أن نعيم الجنة، وكذلك أيضا عذاب النار، من الأشياء المتشابهة التي لا يعلمها إلا الله. قال: ومثاله فيما يتعلق بكتاب الله: أن يتوهم واهم تناقض القرآن وتكذيب بعضه بعضا، حين يقول: ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾، ويقول في موضع آخر: ﴿إن تصبهم حسنة يقولون هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولون هذه من عندك﴾. الكل من عند الله، فهذا معنى التوهم في هذه الآيات، أو التوهم التناقض، وليس كذلك، لأن الأصل كله من عند الله جل وعلا، لكن قد يكون إصابة الشر بسبب العبد، هو الذي يتسبب في ذلك. ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾. قالوا: مثاله فيما يتعلق برسول الله: أن يتوهم واهم من قوله: ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين﴾. يعني ظاهره أن النبي صلى الله عليه وسلم كان شاكا فيما أنزل إليه، لكن ليس هذا المراد، والله أعلم. سيأتي المؤلف بالرد على هذه الأمور. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.