الدرس في التعليق على الجواب الكافي 51، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الذنوب والمعاصي تسبب لعنة الله ورسوله، وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم فاعلي بعض المعاصي. هذه الأفعال تعتبر من الكبائر وتجلب الطرد من رحمة الله.
المقطع يعدد أفعالًا مذمومة في الإسلام ويستشهد بالأحاديث النبوية التي تذكر اللعنات على مرتكبيها، مثل التحليل والسرقة وشرب الخمر وتغيير حدود الأرض. يُبين المقطع صحة أو ضعف الأحاديث المذكورة.
المقطع يعدد أفعالا مختلفة توجب اللعنة، مثل إفساد امرأة على زوجها وإتيان المرأة في دبرها وسب الصحابة. هذه الأفعال مذمومة شرعا وتوجب اللعنة كما ورد في الأحاديث النبوية والقرآن الكريم.
النهي عن فعل ما يوجب لعن الله ورسوله وملائكته، ووجود الإيمان والخوف من عذاب الله يدعو إلى ترك ما يغضبه تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. قال الإمام الخير رحمه الله تعالى: فصل، ومنها أن الذنوب تدخل العبد تحت لعنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإنه لعن على معاصي، والتي غيرها أكبر منها فهي أولى بدخول فائدها تحت اللعنة. وهذه اللعنة هي طرد من رحمة الله وعدم البركة في الشخص الملعون، معنى تمحق البركة منه، فمعنى ذلك أنه قليل أو قد لا يرى الخير، أو قد يكون الشر هو المساند له، ويكون الشيطان معشعش عليه. فلهذا فالمعاصي تجر إلى لعنة الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلعن النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال المؤلف، فلعن الواشمة والمستوشمة، والواصلة والموصولة، والنامصة والمتنمصة، والواشرة والمستوشرة. فالواشمة هي التي تفعل الوشم، والمستوشمة هي التي تطلب منها الواشمة، والوشم هو هذا الذي يغرز بالإبر فيظهر لونا في الجسم أخضرا. وكذا فهذا لعن النبي صلى الله عليه وسلم فاعله، كما جاء في الصحيحين في حديث عبد الله بن مسعود، وجاء الجماعة أيضا من الصحابة. والواصلة التي تصل شعرها بشعر غير حتى يظهر للناس أن شعرها أكبر، وقد جاء في حديث جابر في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لها أن يوصل الشعر بشيء. لهذا ذهب جماعة أن النهي ليس خاصا بالشعر فقط، حتى ولو بشيء يظهر أن الشعر كثيف فيعتبر من الوصل. قالوا: النامصة نامصة التي تنتف حواجبها أو تحلقها على قول أكثر العلماء، وجاءت رواية عن أحمد أنه أجاز ذلك، لكن أكثر العلماء يقولون أن الرواية المشهورة عنه أنه لا يجيز ذلك، سواء كان حلقا أو نتفا، فكله يعتبر من النمص. والواشرة والمستوشرة جاء في بعض الروايات أن الوشر هو وشر الأسنان، وشر الأسنان حتى تكون بينهما فرقا، فهذا من تغيير خلق الله، المغيرات لخلق الله. قال: ﴿وَلَعْنَ آكِلُ الرِّبَا وَمُؤْكِلُهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ﴾، هذا أيضا في حديث عبد الله بن مسعود في صحيح مسلم: لعن الله وآكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه. قال عبد الله بن مسعود: ما نقول إلا ما سمعنا. ولكن جاء في حديث جابر أيضا أخرجه الإمام مسلم بطريقة أخرى عن أبي الزبير عن جابر، فقال: لعن الله وآكله وكاتبه وكاتبه وشاهديه. ﴿وَلَعْنَ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ﴾، أيضا هذا جاء عن عدة من الصحابة، إنه بن سعود، ابن عمر، وجابر، نبي هريرة، كله في السنن وهو صحيح. لعن الله المحلل والمحلل له، والمحلل هو الذي يتزوج المرأة ليحلها لزوجها الأول. قال: ﴿وَلَعْنَ السَّارِقَ﴾، في الصحيحين في حديث عائشة: لعن الله السارق، يسرق البيضة فتقطع يده. وقصد حديث أبي هريرة، وجاء أيضا من حديث عائشة: ولعن الله السارق، يسرق البيضة فتقطع يده. قال: ﴿وَلَعْنَ شَارِبَ الْخَمْرِ وَسَاقِيهَا وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَبَائِعَهَا وَمُشْتَرِيهَا وَآكِلَ ثَمَنِهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةِ إِلَيْهِ﴾، وهذا بحديث عبد الله بن عمر في السنن: لعن الله في الخمر عشرة، وذكر هؤلاء. قال: ﴿وَلَعْنَ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ﴾، وهي أعلامها وحدودها. ﴿وَلَعْنَ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ﴾، ﴿وَلَعْنَ مَنْ اتَّخَذَ شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا﴾، يرميه بسهم. وهذا يثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر. ولعن المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء، في الصحيحين عن ابن عباس، وكذلك جاء جماعة من الصحابة. قال: ﴿وَلَعْنَ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾، أيضا في حديث علي. ﴿وَلَعْنَ مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا﴾، أيضا في حديث علي الذي تقدم في صحيح مسلم. ﴿وَلَعْنَ الْمُصَوِّرِينَ﴾، أيضا حديث ابن عباس في صحيح البخاري. ﴿وَلَعْنَ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ﴾، هذا في السنن، لكنه من طريق سماك عن عكرمة، وجاء أيضا من طريق داود بن حسين عن عكرمة، فيه أيضا اضطراب، لكن كثير من العلماء يصححونه بطرقه. قال: ﴿وَلَعْنَ مَنْ سَبَّ أَبَاهُ وَأُمَّهُ﴾، أيضا هذا لعن الله من لعن والديه، جاء في حديث علي أيضا. قال: ﴿وَلَعْنَ مَنْ كَمَهَ أَعْمَى﴾، أي أضله على الطريق، أو ما أراه الطريق الصحيح، وهذا الحديث فيه اختلاف. ﴿وَلَعْنَ مَنْ أَتَى بَهِيمَةً﴾، أيضا هذا مضطرب. ﴿وَلَعْنَ مَنْ وَسَمَ دَابَّةً فِي وَجْهِهَا﴾، فهذا في صحيح مسلم. ﴿وَلَعْنَ مَنْ ضَارَّ مُسْلِمًا أَوْ مَكَرَ بِهِ﴾، وجاء في السنن: من ضار ضار الله به، ومن شق شق الله عليه، وهو حسن بطرقه، وهذا أيضا من ألفاظه. ﴿وَلَعْنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرَجَ﴾، ولعن زوارات القبور، هذا حديث حسان بن ثابت، جاء من طريق عبد الرحمن بن حسان بن ثابت في السنن عن أبيه، وهو حسن. لكن قوله: والمتخذين عليها المساجد والسُّرَج، هذا في حديث ابن عباس من طريق ابن صالح، وهو ضعيف. قال: ﴿وَلَعْنَ مَنْ أَفْسَدَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا أَوْ مَمْلُوكًا عَلَى سَيِّدِهِ﴾، وهذا أيضا جاء في حديث أبي هريرة في السنن، معنى أفسد امرأة على زوجها، خبب أيضا معنى أفسد، أفسد امرأة على زوجها. قال: ﴿وَلَعْنَ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا﴾، وهذا في السنن، نبي داود، من حديث أبي هريرة، لكنه فيه اضطراب. قال: وأخبر أن من باتت مهاجرة لفراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح، هذا في صحيح مسلم. ﴿وَلَعْنَ مَنْ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ﴾، هذا في الصحيحين. وأخبر أن من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه، وأيضا هذا في صحيح مسلم. ﴿وَلَعْنَ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ﴾، وأما لعن من سب الصحابة، فهو ضعيف، جاء في حديث، لكنه لا يصح. لكن قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا أصحابي. قالوا: قد لعن الله في كتابه من أفسد في الأرض، وقطع رحمه، وآذى رسوله صلى الله عليه وسلم. أراد قول الله عز وجل: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾. وأما لعن من يؤذي الله ورسوله، إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة. قال: ﴿وَلَعْنَ مَنْ كَتَمَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾. ولعن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات بالفاحشة، كما في سورة النور. ولعن من جعل سبيل الكافرين أهدى من سبيل المؤمنين، كما في سورة النساء: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾. ولعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل، هذا في حديث عبد الله بن عباس في الصحيحين. قال: ﴿وَلَعْنَ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ وَالرَّائِشَ﴾، جاء من حديث عبد الله بن عمر، وجاء أيضا من حديث ابن عباس، وفي هريرة، لكن لفظة الرائش شاذة، والصحيح: لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم. قال: ولعن على أشياء أخرى غير هذه، نحن لدي الأشياء كثيرة، لعن النبي صلى الله عليه وسلم صاحبها فاعلها. وهذا يدل على أن المعاصي توجب اللعنة وتمحق البركة. قال: فلو لم يكن في فعل ذلك إلا رضا فاعله بأن يكون ممن يلعنه الله ورسوله وملائكته، لكان في ذلك ما يدعو إلى تركه، أنه كان عنده إيمان وعنده خوف من عذاب الله عز وجل.