التعليق على رسالة ذم قسوة القلب 1

الدرس في التعليق على رسالة ذم قسوة القلب 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مقدمة رسالة ذم قسوة القلب وأهمية صلاح القلب

يستهل المحاضر بشرح رسالة ابن رجب «ذم قسوة القلب» مقسمة إلى ثلاثة أبواب، معرفاً القسوة لغوياً وشرعياً ومؤكداً أهمية صلاح القلب لكونه ملك الجوارح ومحل نظر الله، وأن السير إليه يكون بالقلوب لا بالأقدام.

مقارنة قسوة القلب بالحجارة وأثر الذكر في لينه

يشرح المقطع آيات قرآنية تصف قسوة القلوب بأنها أشد من الحجارة مستشهداً بتفسيري ابن كثير والسعدي، مبيناً أن خشوع القلب وطمأنينته تتحقق بذكر الله وتلاوة القرآن، وأن من علامات الإيمان وجلة القلب ودمع العين.

ذم قسوة القلب في الكتاب والسنة وأقوال السلف

يستعرض المقطع أدلة ذم قسوة القلب من القرآن الكريم وآثار السلف، مبيناً أنها سبب للهلاك والبعد عن الله، وينقل أقوالاً للسلف في أن قسوة القلب أعظم العقوبات مع التنبيه إلى ضعف بعض الأحاديث.

خاتمة الدرس والانتقال للدرس القادم

يختتم الشيخ الدرس الحالي مؤجلاً تكملة الموضوع إلى الدرس القادم، مكتفياً بما تم طرحه ومفوضاً العلم لله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فبين يدي رسالةٌ من المناسب جدًا أن نتدارسها في هذا الشهر المبارك لحاجتنا إلى ما ذُكر فيها. هذه الرسالة هي للحافظ بن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى، الإمام العلامة الحافظ زين الدين ابن الشيخ أبو العباس أحمد بن رجب رحمه الله تعالى، التي سماها «ذم قسوة القلب». ذم قسوة القلب. وهذه الرسالة يمكن أن نقسم أبوابها إلى ثلاثة أبواب: الباب الأول في ذم قسوة القلب، والباب الثاني في ذكر أسبابها، والباب الثالث فيما تزول به تلكم القسوة. فقال رحمه الله تعالى: «الحمد لله، رسالة في ذم قسوة القلب وذكر أسبابها وما تزول به». فقوله: «رسالة في ذم قسوة القلب»، الذم هو التقبيح والعيب، هو التقبيح والعيب. وأما القسوة فأصلها في اللغة الصلابة واليبس، الصلابة واليبس. وأما فيما يتعلق بمعناها الشرعي الاصطلاحي المتعلق بالقلب، فقد قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: القسوة الصلابة واليبس، وهي عبارة عن خلوها من الإنابة والإذعان لآيات الله مع وجود ما يقتضي خلاف هذه القسوة، يعني مع ما يقتضي خلاف هذه القسوة أي من وجود الأسباب التي تلين القلب والتي تجعله منقادًا، وكذلك مذعنًا لآيات الله عز وجل. فمع وجود هذه الأسباب إلا أن هذا القلب لا يرعوي، وهذا القلب لا يستجيب، وهذا القلب لا يلين ولا يخشع ولا يخضع لآيات الله سبحانه وتعالى، فلا تجد فيه رحمة، ولا تجد فيه لينًا، ولا تجد فيه رقة، ولا تجد فيه خشوعًا وطمأنينة. فكل هذه المعاني تدخل في معنى القسوة والصلابة، وكذلك القسوة. وأما القلب، فإن أهل العلم اهتموا بأمر صلاح القلب لأن بصلاحه صلاح الجوارح كلها، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث النعمان بن بشير: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب، ألا وهي القلب». فانظروا إلى هذا الإمام الحافظ الذي يعد من علماء الحديث وله التصانيف المشهورة في علم الحديث وفي العلوم الشرعية، إلا أنه رحمه الله تعالى يؤلف في هذا الباب العظيم، باب قسوة القلب، ليدل كذلك أخي المسلم على أهمية هذا الباب، وأن العبد لا يغفل عن صلاح قلبه، ولا كذلك يبتعد عن الأسباب التي تلين قلبه وترققه، وكذلك تجعله منقادًا وخاضعًا لأمر الله سبحانه وتعالى. فلا شك أن العلماء إذ يهتمون بصلاح القلب، لأن في صلاح القلب صلاح هذا الإنسان، صلاح هذا الإنسان. فالقلب كالملك الذي يعطي أوامره إلى الجنود، فجنود القلب الجوارح الأخرى من العينين، من الأذنين، من اليدين، من الرجلين. فإذا صلح القلب لا ينظر العبد إلا إلى ما يحب الله، ولا يستمع العبد إلا إلى ما يحب الله، ولا يأخذ ويعطي إلا إلى ما يحب الله، ولا يخطو إلا إلى ما يحب الله، وهكذا غيرها من الجوارح. ثم إن القلب كذلك هو نظر الرب سبحانه وتعالى، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»، ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم. فكما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: السير إلى الله يكون بالقلوب لا بالأقدام. أنت في هذه الدنيا إذا أردت أن تبلغ أو أن تصل إلى مكان ما فإنك تسير إلى هذا المكان بقدميك، ولكن السير إلى الله سبحانه وتعالى، إلى رحمة الله، إلى مغفرة الله، إلى جنة الله، إنما يكون بالقلوب، إنما يكون بالقلوب. فحري على المسلم أن يهتم بأمر صلاح قلبه، وأن يأخذ الأسباب التي تزول بها قسوة القلب وفساد القلب. وهكذا مما يدلك على أهمية صلاح القلب أن القلب هو معيار التفاوت بين الخلق من حيث القرب أو البعد من الله سبحانه وتعالى. فرب رجلين يقفان في صف واحد في الصلاة، وبين صلاتهما كما بين السماء والأرض، لتفاوت ما في قلوبهما، لتفاوت ما في قلوبهما. وكذلك الصيام، رب شخصين قد امتنعا عن الأكل والشرب، وبين صيامهما كما بين السماء والأرض، لتفاوت ما في قلوبهما من النية الحسنة، ومن الإخلاص، ومن صفاء القلوب، وإلى غير ذلك. فكل هذا يدلنا على عظيم أهمية الاعتناء بأمر رقة القلب وخشوع القلب وصلاح القلب، وكذلك علاج القلب من جميع الأدواء والأمراض التي تفتك به. ومن أعظم تلك الأمراض، كما ستسمع من الأدلة الشرعية، قسوة القلب، قسوة القلب التي تحول بين العبد وبين وصول الخير إلى قلبه، وبين كذلك الإذعان والخضوع لآيات الله سبحانه وتعالى. ولذلك اعتنى العلماء بالكلام على قسوة القلب، وعلى ذكر أسبابها وما تزول به. ومن أولئك، كما سمعتم، الحافظ ابن رجب الحنبلي عليه رحمة الله. ثم قال رحمه الله تعالى مبتدئًا بأول باب من أبواب هذه الرسالة، وهو في ذم قسوة القلب، أي في الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة التي حذرت وهكذا ذمت قسوة القلب. قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾. ثم بيّن وجه كونها أشد قسوة بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾. قال: نعم، هذه الآية يقول الحافظ ابن كثير عليه رحمة الله في ابتداء تفسيره لهذه الآية: «ثم قست قلوبكم من بعد ذلك»، أي قست هذه القلوب فصارت مثل الحجارة في الصلابة؛ لأنه تقدم معنى أن معنى القسوة هي الصلابة واليبس، الصلابة واليبس. فهذه الخاصية إنما هي في الأحجار، فهي الموصوفة بالصلابة واليبس، فهي الموصوفة بالصلابة واليبس. ومع هذا فإن قلوب أولئك أشد قسوة من الحجارة، فهي لا تلين ولا تخضع ولا تخشع لآيات الله، أما الحجارة فمنها ما يتفجر منه الأنهار، فتجد الماء ربما يجري من أثناء تلك الحجار الصلبة، أثناء تلك الحجار الصلبة. وهكذا تجد من الحجار ما يتشقق فيخرج منه الماء، وتجد منها كذلك ما يهبط، يعني يسقط من خشية الله، فهي تتأثر. أما بعض القلوب فلقساوتها ولتلكم موتها لا تتأثر ولا أدنى تأثرًا، ولا أدنى تأثرًا، فهي أشد قسوة والعياذ بالله من الحجارة، من الحجارة. ولذلك يقول الإمام السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره: «أي اشتدت وغلظت فلم تؤثر فيها الموعظة من بعد ذلك، فلم تؤثر فيها الموعظة من بعد ذلك». وهذا هو من أعظم عقوبات قسوة القلب، من أعظم عقوبات قسوة القلب أن قاسي القلب لا يتأثر بالموعظة، ولا بالقرآن، ولا بالذكرى، ولا بكذلك آيات الله، ولا بشيء مما هو سبب لرقة القلب وخشوعه وطمأنينته، فلا يتأثر بذلك. فهذه أعظم عقوبة. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾. فوصف أهل الكتاب بالقسوة، ونهانا عن التشبه بهم، ونهانا عن التشبه بهم. ذكر كذلك هذه الآية: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾. قال الحافظ بن كثير عند تفسيره لهذه الآية: قال: «أما آن للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله»، أي تلين عند الذكر والموعظة وسماع القرآن، فتفهمه وتنقاد له وتسمع له وتطيعه. فهذا معنى قوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾. فهو خطاب للمؤمنين. ولذلك جاء في صحيح مسلم عن ابن عباس، رضي عن ابن مسعود، جاء في صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: «ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله عز وجل بهذه الآية إلا أربع سنين، إلا أربع سنين». فهذا عتاب من الله عز وجل للصحابة رضي الله تعالى عنهم، فغيرهم ومن بعدهم من باب أولى أن يعاتب بمثل هذه الآية. فيتفقد المسلم قلبه، هل يتأثر بآيات الله؟ فإن خشوع القلب وطمأنينته إنما تكون بسماع الذكر، كما قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. وكما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. وبين ربنا عز وجل في كتابه الكريم أن من صفات أهل الإيمان، من صفات من صفت قلوبهم وطهرت وزكت، من صفاتهم أنهم إذا سمعوا آيات الله توجلت قلوبهم، وتدمعت عيونهم، وتقشعرت جلودهم، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. وكما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾. وكما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾، إلى ذكر الله. فهذه أوصاف عظيمة أيها المؤمنون، ليسأل كل واحد مننا وليفتش عن قلبه، هل يجد مثل هذه الصفات عند قراءته للقرآن، وعند سماعه للذكر والموعظة، وعند كذلك سماعه لآيات الله سبحانه وتعالى؟ فربنا سبحانه وتعالى يخاطب المؤمنين بقوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ﴾. فإن أهل الكتاب أنزلت إليهم الكتب، ومع هذا لم تخشع قلوبهم ولم يعملوا بما فيها من العلم والهدى، فطال عليهم الأمد، أي بعد عليهم الزمن، فقست قلوبهم. فحالهم كما وصفهم الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾. كأنهم حمر على ظهورهم الكتب، فأن لتلك الحمر أن تستفيد وأن تعي وأن تفقه وأن تفهم ما في هذه الكتب. فهكذا طال عليهم الأمد فقست قلوبهم، فحذرنا ربنا سبحانه وتعالى من أن نتشبه بهم، ونهانا عن ذلك، كما قال المؤلف: فوصف أهل الكتاب بالقسوة، ونهانا عن التشبه بهم. ثم قال ابن رجب: وفي الآية الأخرى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾. هذه الآية الثالثة التي ذكرها المؤلف من الآيات التي فيها ذم القسوة، ذم قسوة القلب. فقال سبحانه وتعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾. والويل هو الهلاك، وهو الثبور، والعياذ بالله. فهذا أمر خطير جدًا أن يوصف قاسي القلب بالهلاك. كيف لا يوصف بذلك وهو بعيد عن التأثر بآيات الله، وعن كذلك الإذعان لآيات الله والاستسلام لشرع الله، بعيد عن الرحمة، وعن الشفقة بإخوانه المؤمنين، وبكذلك أهله وأرحامه وأقاربه، لأنه قد نزع الرحمة وعندما قسى قلبه، والعياذ بالله. قال المؤلف رحمه الله: قال بعض السلف: «لا يكون أشد قسوة من صاحب الكتاب إذا قسى»، يعني ممن أنزل إليه الكتاب فقرأه وعلمه، ثم بعد ذلك نساه وتركه، ولم يعني يقرأه، ولم يفهمه، ولم كذلك يعمل به. فلا يكون أشد قسوة من صاحب الكتاب إذا قسى، لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. قال: وفي الترمذي من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تكثر الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي». هذا الحديث لا يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام بهذا اللفظ، فقد ضعفه العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة، المجلد الثاني، صفحة إحدى وعشرين وثلاثمائة، فهو حديث ضعيف. ولكن بعض ألفاظه قد دلت عليه الآيات المتقدمة، وكذلك بعض الآيات الأخرى التي جاءت في كتاب الله سبحانه وتعالى. فقوله: «لا تكثر الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب»، يستدل على ذلك بقول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. فإن الإنسان إذا أكثر الكلام بغير ذكر الله، مفهوم مخالف لهذه الآية، أن هذا الكلام سبب لقسوة القلب، لعدم طمأنينته، لعدم رقته. ولذلك سمعت في الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾، فإنما اطمئنان القلب تكون بذكر الله سبحانه وتعالى، بسماع القرآن، بسماع المواعظ والذكرى، بسماع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: وفي مسند البزار عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أربعة من الشقاء: جمود العين، وقساوة القلب، وطول الأمل، والحرص على الدنيا». قال: وذكره ابن الجوزي في الموضوعات، إذن الحديث موضوع وغير صحيح. قال: وذكره ابن الجوزي في الموضوعات من طريق أبي داود النخعي الكذاب، ولذلك جعل هذا الحديث موضوعًا من أجل هذا الكذاب، وإنما يذكره أهل العلم لأنهم قد أحالوا، ومن أحال فقد برئت ذمته. قال: عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس. نعم، فهذا الحديث لا يثبت كما تقدم، بل هو موضوع. قال: وقال مالك بن دينار: «ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب». ذكره عبد الله بن أحمد في الزهد، وصدق رحمه الله تعالى. كيف لا تكون أعظم عقوبة، ويحال بين العبد وبين الانتفاع بآيات الله، وبين الانتفاع بالعلم النافع والهدى الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ فصدق رحمه الله تعالى: «ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب». لا تظني عبد الله أن العقوبة إنما هي بأخذ مال، أو بحرق بيت، أو بمرض، أو إلى غير ذلك، وإنما أعظم عقوبة يوم أن يقسو قلب العبد، يوم أن يقسو قلب العبد، فلا ينتفع بالخير الذي جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولذلك فسر قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾، فسر قول الله عز وجل: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، فسرت الفتنة بالكفر أو الشرك أو البدع، والعياذ بالله. وكل هذه عقوبات قلبية، محلها القلب، محلها القلب، فهي أعظم عقوبة يعاقب بها المرء عندما يقسو قلبه، فيتجه إلى الباطل، إلى المعاصي، إلى البدع، إلى الخرافات، إلى غير ذلك من الأمور التي تهلكه. وقال حذيفة المرعشي: «ما أصيب أحد بمصيبة أعظم من قساوة قلبه». رواه أبو نعيم. وهؤلاء السلف إنما يقولون مثل هذه الآثار لعلمهم بخطورة قسوة القلب، بخطورة قسوة القلب. فانظروا أمر هذه عقوبته، وهذه خطورته، فلا يليق بمسلم أن يهمل قلبه، وأن كذلك يبتعد عن الأسباب التي تلين قلبه، والتي كذلك تعالج قلبه. فهذا هو الفصل الأول، أو الباب الأول، الذي ذكره المؤلف في أدلة ذم قسوة القلب من كتاب الله، ومن سنة رسول الله، وإن كان من الأحاديث لم يثبت منها شيء مما ذكره، وكذلك جاء من آثار السلف الصالح. ثم الباب الثاني فيما ذكره في أسباب القسوة، وذكر أنها كثيرة، وعدد كثيرًا من هذه الأسباب. فنترك ذلك إن شاء الله إلى الدرس القادم. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.