التعليق على الجواب الكافي 50

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 50، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أثر الذنوب والمعاصي على القلب

تكرار الذنوب والمعاصي يؤدي إلى طبع على القلب وغفلانه، مما يجعل العبد أقرب إلى الكفر ويجعله يتجرأ على المعصية. الذنوب تتراكم على القلب حتى تغطيه بران وتسبب صدأه وقسوته.

تأثير تراكم الذنوب على القلب وسلوك العبد

تراكم الذنوب على القلب يجعل العبد غافلاً وقد يصل به إلى الإعراض عن الحق واتباع الهوى. الذنوب تسبب سيطرة الشيطان على العبد فيصبح تابعاً له.

علاج قسوة القلب الناتجة عن الذنوب

يمكن علاج قسوة القلب بذكر الله وطاعته، حيث إن الإيمان يحتاج إلى تجديد، كما أن الصوم وقيام الليل من الأعمال التي تعالج قسوة القلب وتعيد له النور.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: فصل، ومنها أن الذنوب إذا تكاثرت طبع على قلب صاحبها فكان من الغافلين، كما قال بعض السلف في قوله جل وعلا: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾، قال: هو الذنب بعد الذنب. نجاع المجاهد، خرّجه الإمام الطبري، قال: في تفسير هذه الآية هو الذنب بعد الذنب. فذكره كذلك الإمام الهروي في ذنب الهوى. وهذه أيضا قال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يعمل قلب. فقال غيره: لما كثرت ذنوبهم ومعاصيهم أحاطت بقلوبهم. فهذه أيضا من آثار هذه الذنوب والمعاصي أن الله عز وجل يطبع على قلب صاحبها، يصير هناك طبع في القلوب. والله عز وجل قد طبع على قلوب الكفار والمنافقين، فيصير العبد أقرب إلى هؤلاء إذا طبع على قلبه. لكن الظاهر كما قال بعض العلماء أن الطبع الذي يكون على قلوب أهل الإسلام لا يكون مثل طبع اليهود والكفار، وإنما يكون رانا على قلوبهم. هذا الران الذي ذكره الله عز وجل في سورة المطففين: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾، هذا الران يشترك فيه أهل الإسلام وغيرهم لأنه يغطي القلب. قد جاء عند أحمد وأبي داود والترمذي حديث «ابن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن العبد إذا أذنب الذنب نكتت فيه نكتة سوداء، فإن هو تاب سُوق إلى قلبه». وقلنا الصقل هو إخراج الشيء الذي يكون في زجاج أو في معدن كالسيف، يخرج مثلا منه شيء الذي يلزق به. فهكذا أيضا تخرج هذه النكتة كأنها تعلق في القلب. فإذا تاب أي ورجع إلى الله سوق إلى قلبه. فإن عاد أي لم يتم وإنما عاد إلى الذنب، فإن عاد عادت حتى يعلو على قلبه الران حتى يعلو على قلبه الران الذي ذكر الله عز وجل: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾. وهذا الحديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا يدل على أن هناك الران الذي يعلو على القلب وهو السواد الذي يطغى على القلب. ذكر الإمام الهروي رحمه الله في ذنب الهوى بإسناده عن الأعمش قال: كنا عند مجاهد بن جبر فقال: القلب هكذا وبسط كفه، قال: القلب هكذا وبسط كفه. فإذا أذنب العبد قال: معناه كأنه أغلق شيء من قلبه، ثم إذا أذنب قال: أغلق، ثم إذا أذنب أغلق، قال: فإذا أذنب أغلق، ثم إذا أذنب معناه تكاثرت عليه الذنوب قال: أغلق حتى صار في قلبه الران. هكذا ذكر رحمه الله عن الأعمش أن مجاهدا فسر لهم هذا الران الذي يعلو على القلب. فلهذا فالمؤمن إذا أذنب استغفر وتاب. وأما إذا لم يستغفر بل تكاثرت عليه الذنوب فبعد ذلك يجد أن قلبه غافلا، يكون من الغافلين، ويكون أيضا كذلك ممن يتجرأ على المعصية ولا يبالي، بل قد يجاهر بها ولا يبالي. ولهذا تجد أهل الذنوب يتجرؤون على الذنوب ولا يبالون، وكأنهم لا يخالفون الله عز وجل أو يعصون الله سبحانه وتعالى. وهذا بسبب الران الذي في قلوبهم. قال أيضا: ذكر الإمام الهروي أيضا في كتابه «ذنب الهوى» عن مجاهد قال: «إن الران أقل من الطبع، والطبع أقل من القفل». وقالوا: «قلوبنا في أكنة». وقالوا أيضا: «قلوبنا غلف». فالغلاف والكنان والقفل معنى أقفال لهذه القلوب. فيقول الإمام مجاهد رحمه الله ابن جبر: يقول أن الران أقل من الطبع، والطبع أقل من القفل. معنى آخر شيء أنه يقفل القلب، يختم عليه، وهو الختم الذي ذكر الله عز وجل: ﴿بل ختم الله على قلوبهم﴾. فالختم والقفل هو آخر شيء مما يكون على هذا القلب. فبعد ذلك كما قال الله عز وجل: ﴿ولو جاءتهم كل آية لا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم﴾. فإذا أقفل القلب أغلق، فلا تكفيه الأدلة ولا تكفيه الآيات، بل تجد أنه يكون قلبه قاسيا مثل ما ذكر الله عز وجل عن اليهود: ﴿ثم قست قلوبهم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة﴾. أي أشد قسوة من الحجارة. ثم ذكر ربنا جل وعلا أن الحجارة أيضا تخشع، لكن هذه قلوبهم لا تخشع ولا ترجع. فلهذا يدلك هذا على أن الذنوب خطيرة جدا على قلب المؤمن. وكلما تمادت هذه الذنوب قد تفسد عليه قلبه، وقد يعلو على قلبه الران. فلهذا يحاول المؤمن أن يخرج الصدأ من قلبه، الصدأ هو هذه آثار الذنوب والمعاصي التي تصدع القلب، تجعله كالشيء الأسود. هذه المعاصي في قلب المؤمن. ولهذا مثل حديث حذيفة بن اليمان الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم «تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودا عودا، فأيما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، وأيما قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء حتى تصير القلوب على قلبين: أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر كالكوز مجخيا مربادا». والكوز المجخي هو الكوز المنقوس، فإذا انكسر كان سوادا أشد. فقال: «كالكوز المجخي لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه». معنى أشرب قلبه هذه المعاصي، فهو يراها كأنها دين، كأنها حق. وكذلك الشبهات التي يراها أهل البدع وغيرهم من المنافقين والكفار، يرون ما عندهم كأنه حق، بل ينكرون على أهل الحق وعلى طريقة أهل الحق، وظنوا أنهم على طريقة صحيحة، وإنما هي التي أزهم بها الشيطان. قال رحمه الله بعد ذلك: وأصل هذا أن القلب يصدأ من المعصية، يصيب الصدأ، فإذا زادت غلب الصدأ حتى يصير رانا. وقد جاء في الحديث الذي رواه الترمذي «أن الإيمان يخلق في قلب بني آدم كما يخلق الثوب». معنى يصير قديما، كأنه تلوث هذه الذنوب حتى يصير كالثوب الخلق القديم، يبلى، يحاول أنه يذهب نوره ويذهب أيضا ما يكون فيه من زينة وغيره. وهذا بسبب هذه الذنوب. فإن الإيمان في قلب العبد ليخلق، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن علاجه بذكر الله جل وعلا، بذكر الله. كما قال الحسن لما اشتكى عنده رجل بقسوة قلبه قال: «لينه بذكر الله». وجاء عن مالك بن دينار أن رجلا اشتكى إليه بقسوة قلبه قال: «لينه بالصوم، فإن لم يلن فعليك بقيام الليل، فإن لم يلن فعليك بكثرة ذكر الله». كما قال رحمه الله: أنا لينه بهذه الطاعات لأن القلب إذا غفل وأذنب حتى ولو رجع وتاب لا يرجع مثل ما كان إلا بعد فترة. إذا جاهد العبد فإنه يرجع قلبه. فالآن تجد الذنوب مثلا قد يجد الرجل أحيانا رغبة إلى الخير وإلى طاعة الله، ويجد أنه يحس بشيء من الإيمان والنور في قلبه، ثم إنه بعد فترة يقسو هذا الأمر، ويذهب الخشوع من قلبه، ويذهب الطمأنينة التي كانت في قلبه. فهذا بسبب الذنوب التي قد اقترفها. فإذا رجع يحس أن الرجوع هذا صعب جدا. أن كثيرا من الناس مثلا تجد في فترة من الفترات يحب قراءة القرآن وأيضا حفظ القرآن، ثم بعد ذلك يشغل عنه، يشغل عنه. فإذا جاء إلى قراءة القرآن وحفظه يراه ثقيلا جدا. وهذا هو أيضا من الغشاوة التي تصيب القلب، فيجاهد نفسه على الرجوع. فربنا جل وعلا يعينه إذا رأى صدقه وإخلاصه في ذلك الرجوع. قال رحمه الله: ثم يغلب حتى يصير طبعا وقفلا وختما، كما قلنا أن القفل كما جاء في كلام مجاهد الشد من الطبع وآخر وهو القفل والختم. وأيضا الغلف الذي يكون سببا في رد الحق. قال: فيصير فيه غلاف، أنه يغلف هذا القلب، ما يدخله الخير، ولا يفرح بالخير. ولهذا كما ذكرنا قبل أن الله عز وجل إذا ألقى على هؤلاء الناس بسبب ذنوبهم وإعراضهم عن الحق حتى أنهم لم يفهموا سبل الحق. ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم «ماذا قال آنفا» مع أنهم يعلمون لغة العرب ويعلمون وهم جالسون في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الله عز وجل أغلق على قلوبهم حتى أنهم لم يفقهوا ما يقول عليه الصلاة والسلام. فيقولون «ماذا قال آنفا» أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم. فقال: فإذا حفله ذلك بعد الهدى والبصيرة انتكس، فصار على أسفله أي هذا القلب. فحينئذ يتولاه عدوه، ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين. هذا شيطان متى يقارن له إذا أعرض عن الله وأعرض عن ذكر الله. فجعل كما قال ما بالقي هنا. فحينئذ يتولاه عدوه وهو الشيطان، يعشعش على قلبه، وأيضا يؤزه. إن جعلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا. ألم تر أن أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا. تدفعهم إلى الشر وتدفعهم إلى عداوة أهل الخير. قال: فحينئذ يتولاه عدوه ويسوقه حيث أراد، أي العدو هو الشيطان سواء كان شيطانا جنيا أو إنسيا. فيتبع هذا الشيطان في تصرفاته. وهذا بسبب أنه أسلم نفسه إلى هذا الشيطان العياذ بالله. فهذا ما ذكره مؤلفنا في هذا الفصل، وهو إذا تكاثرت الذنوب تطبع على قلب صاحبها فكان من الغافلين. ونكتفي بهذا والله تعالى أعلم.