الدرس في شرح المنظومة البيقونية 11، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الإسناد العالي هو سند قريب من النبي صلى الله عليه وسلم، بينما الإسناد النازل هو العكس. ينقسم العلو إلى مطلق ونسبي.
يُعتبر الإسناد العالي ميزة تحفيزية للمحدثين للبحث عنه، وكان العلماء يحبونه ويُرحلون إليه. قربه من النبي وقلة رجاله وعلله كانت محفزًا للبحث.
الإفراط في طلب علو الإسناد أوقع بعض المحدثين في الكذب، حيث أتوا بأحاديث مكذوبة أو زعموا سماعهم من أشخاص ماتوا منذ زمن بعيد.
العلو النسبي هو سند قريب إلى إمام من الأئمة، ويتحصل عليه المصنف بأقل رجال. يذكر في سياق الحديث عن أنواع العلوم ودرجاتها.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى -أي الناظم-: «وكل ما قلت رجاله على وضده، ذاك الذي قد نزل». الآن، هذا يسمى عند العلماء الإسناد العالي والإسناد النازل. الإسناد العالي والإسناد النازل، وكل ما قلت رجاله على وضده، ذاك الذي قد نزل. فإن الإسناد العالي هو أن يكون أقل الرجال بينه وبين النبي عليه الصلاة والسلام. أو سيأتي إن شاء الله تعالى معنا أن هناك أيضًا علو نسبي، لكن هنا العلو المطلق. فالعلو هو أن يقرب من النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا كان المعتاد بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم خمسة، فإذا جاء بإسناد أربعة، معناه أنه علو. كذلك البخاري، المعتاد أنه أربعة أو خمسة، لكن إذا جاء بثلاثة، معناه أنه إسناد عال. ولهذا ألف العلماء في ثلاثيات البخاري وثلاثيات أحمد. ومعنى ثلاثيات: أي ما بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة. مثلا، إسناد البخاري: يأتي من طريق آدم بن أبي إياس، عن سفيان بن يزيد، أو عن يزيد بن عبيد، عن سلمة بن الأقوع، ثلاثة: آدم، ويزيد بن عبيد، وسلمة بن الأقوع، ثلاثة أشخاص. وقد روى الإمام البخاري بهذا الإسناد عدة أحاديث عن سلمة بن الأقوع. وجاء أيضًا بأسانيد من طريق أبي عاصم، ومن غيره. فالمهم أن هناك أسانيد يسمونها أسانيد عالية، وهي بالنسبة لغيرها عالية، معناه: مثلا كما قلنا أن هذا الشخص -هذا الراوي- مثلا البخاري، يأتي غالبًا بإسناد إلى النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أو خمسة، هذا المتوسط غالبًا. لكن إذا جاء بثلاثة، فهذا عال، هذا يسمونه علو مطلق، علو مطلق بالنسبة لغيره يكون علوًا. فإذا كان العلو إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيسمونه علو مطلق. وهناك علو نسبي، هذا نسبة إلى إمامنا أو الأئمة أو حافظ من الحفاظ الكبار المعروفين، مثلا إلى شعبة، إلى مالك، إلى كذا. فمثلًا الطبراني، إذا روى عن عبد الرزاق -عبد الرزاق بن همام الصنعاني- إذا روى من طريق مثلا عن البخاري، سيحتاج إلى الواسطة بينه وبين البخاري، ثم البخاري، ثم الواسطة بين البخاري وعبد الرزاق، سيكون كم؟ ثلاثة بين من؟ بين الطبراني وبين عبد الرزاق. لكن إذا روى الطبراني عن إسحاق بن إبراهيم الدبري، عن عبد الرزاق، سيكون بينه وبينه واحد، هذا راوي. يسمى عبد الرزاق، يسمى إسحاق بن إبراهيم الدبري الذي روى المصنف، لمن المصنف؟ لعبد الرزاق. هذا قد أدركه الطبراني، أنه إذا روى عنه الطبراني يروي عنه بواحد، يروى عنه بواحد بدل ما يأتي ثلاثة رجال يكون واحد، هذا يسمى علو نسبي. والعلو النسبي قسمه العلماء إلى عدة تقسيمات، منها الموافقة، ومنها المصافحة، ومنها هذا -إن شاء الله- سيعرف في إذا درس كتاب آخر كالنخبة أو النزهة وغيرها. طيب، الآن علمنا العلو. فالعلو كما قلنا هو معنى الذي يكون رجاله أقل بالنسبة للنبي عليه الصلاة والسلام، يكون رجاله أقل بالنسبة للنبي عليه الصلاة والسلام. أقصد معنى بينه وبين إسناد آخر. وكلما قلت رجاله على وضده، ذاك الذي قد نزل، يعني ضد هذا العلو النزول. فإسناد عال وإسناد نازل. ولهذا قال العلماء: كانوا يحبون الإسناد العالي، لماذا؟ لقربه من النبي عليه الصلاة والسلام. وكذلك كلما قلت الرجال، كلما قلت العلل. ولهذا كان العلماء يحبون الإسناد العالي، حتى قيل لأبي زكريا يحيى بن معين رحمه الله: ما تتمنى في هذه الحياة؟ قال: إسناد عال، أو قال: بيت خال، وإسناد عال. بيت خال: لأجل أن يعبد الله عز وجل فيه. وإسناد عال: هذا عندهم شيء عظيم. ولهذا تجد أن كثيرًا من المحدثين تسابقوا على الأسانيد العالية، تسابقوا على الأسانيد العالية. لو قرأتم مثلا في كتب العلماء في الأجزاء، وكذا، هناك أجزاء عالية، فتتألف معنى: رحل الناس إليها من كل مكان، خاصة في بعد زمن الرواية. هناك مثلا جزء البيبى، سمعنا رجل قال له من المحدثين: البيبى هذا الجزء رحل إليه الناس من كل مكان لأجل هذا؛ لأنه إسناده عال. أيضًا الغيلانيات، جزء سمى الغيلانيات، هذا أيضًا من الأجزاء العالية. وجزء طراد أيضًا من الأسانيد العالية التي رحل إليها العلماء. ولهذا تجد أن العلماء يحبون الرجل الكبير -معنى الرجل الكبير الذي قد عمر- ثم يروي عنه ناس قد ماتوا، معنى: لهم معنى فترة قد ماتوا، فيبحثون عن هؤلاء لماذا؟ لعلو الإسناد. لعلو الإسناد. معنى: يقولون مثلا هذا فلان أدرك فلان، وأدرك فلان، وأدرك فلان، حتى مرة واحد هو من المحدثين، لكن الله -معنى- فيه شيء من قلة الدين، وهو فيه تشيع كذلك، فأراد أن يضحك على المحدثين، أو معنى: يريد مثلا يستهزئ، وكذا، والمهم له غرض آخر. جاء برجل شيخ كبير قد بلغ فوق المائة، لكنه رجل صالح، يتكلم، وأسكنه في بيت كذا، بعيد من بغداد -معنى- في آخر بغداد- وحفظه أحاديث، حفظه أحاديث، معنى: يقول مثلا فيها: حدثنا مثلا قتيبة بن سعيد، حدثنا فلان -معنى- قتيبة قد مات من قبل، من مشايخ البخاري، بل من مشايخ البخاري القدامى. فجاء هذا الرجل في بغداد ويحدث الناس، هو حافظ، حافظ كبير، لكن ما وفقه الله؛ لأنه كان شيعيًا، وأيضًا كان عنده قلة دين، فقام يحدث الناس: حدثنا فلان عن قتيبة بن سعيد، عن مالك، عن ناس. تغربوا: من أين هذا الإسناد؟ هذا جابه هذا إسناد عال. قالوا له: يا محمد بن سعيد، من أعطاك هذا؟ من أين جئت بهذا الإسناد؟ قال: وجدت رجلًا خرج في أعلى بغداد، يسكن في أعلى بغداد، وجدته هنا. فجاء أهل الحديث وازدحم المكان، فالرجل استغرب: من أين هذا الجمع؟ أجل يريدون هؤلاء. فقالوا له: حدثك فلان؟ قال: عندي هذه الأسانيد تريدونها؟ عندي هذه الأحاديث. قال: فقال رجل من الحضور -قال له ابن الأنباري، ابن الأبار- قال: قلت: أخذته على جنب، قلت: هل أنت سمعت قتيبة بهذه الأحاديث التي تحدث بها؟ قال: لا والله ما سمعت، ولا أعرفه. قال: من أين تحدث؟ قال: جاءني محمد بن سعيد وأعطاني هذه الأشياء وحفظني إياها. معنى: الرجل كان عاقلًا، فعرف الأباري أن هذه فعلة هذا الذي قال له ابن عصيدة ومحمد بن سعيد. فهذا كله بسبب أنه جاءت فترة في أهل الحديث كانت عندهم شوق جدًا للأسانيد العالية، حتى أوقعت أناسًا من المحدثين الكبار في الكذب. ليس هم من الكبار مع المحدثين، أقصد من الحفاظ عندهم حفظ، لكن علو الإسناد جعلهم حتى أحيانًا يكذبون. وهذا لأجل قلة الدين -معنى- بعضهم حفظ، لكنه ليس متدين، فيوقع هذا في هذه الأمور. يأتي بأحاديث مثل هذا الذي فعل محمد بن سعيد هذا. هذا ما ينبغي أن يفعل؛ لأنه كذب. فكانت عندهم -كما قال الإمام الحاكم- شهوة الحديث. فيأتي إنسان يأتي بشيء سمعه، وبشيء لم يسمعه، ويدعي سماع ناس قد ماتوا من زمان. ولهذا العلماء قالوا: لما أظهر الناس الكذب، أظهرنا لهم التاريخ. ما جاء عن الثوري، وعن غيره. قالوا: لما جاء الناس بالكذب، أظهرنا لهم التاريخ. حتى أن رجل حدث عن رجل من التابعين، فاستغرب أبو نعيم: من أين لك هذا؟ قال له: متى دخلت البصرة؟ قال: متى دخلت البصرة حتى التقيت مع هذا الشيخ؟ قال له: دخلت البصرة في سنة مئة وكذا. قال: هذا دخلت بعد أن مات. من أين لك هذا الحديث؟ تحدث عنه. فقال: أخذتها من بعض الناس. أنا اعترف أنه أخذها من بعض الناس. أيضًا أحيانًا يقع الكذب في الحديث نفسه، تجد أنه يأتي بأشياء غريبة. فأيضًا أبو نعيم سمع الرجل يقول: حدثنا مشروح، عن عبد الله المسعودي، أنه -أو قال مشروح- جاء أنا عبد الله المسعودي في صفين، أو بعد صفين. قال له أبو نعيم: من أين جبت الكلام هذا؟ عبد الله المسعودي مات في سنة 32 -معناه- قام بعد ما مات، جاء رجع إلى صفين. ما حضر صفين أصغر. فلما عرف العلماء التاريخ، عرفوا كذب الرواة. فكما قلنا أن هناك في أوقات، في وقت من الأوقات، الناس أو أهل الحديث انشغلوا بعلو الإسناد حتى -كما قال إمام بن حبان-: لو سألته عن الحديث: إيش هذا الحديث؟ ما سيعرف معناه. عنده حديث -كلمة من الحديث- حديث مثلا كذا، وعنده أسانيد كثيرة بهذا عالية، أسانيد كذا يفتخر بهذا. لكن لو سألته: إيش هذا الحديث؟ حديث الساعة مثلا، لقال: ما أدري. كذا معناه. المسلسل بالأولية كان عنده كثير من الناس، كان بعض المحدثين ما يعرف إيش المسلسل بالأولية، بس عنده المسلسل بالأولية يرويها بأسانيد عالية. فلهذا كما قلنا: لحبهم الحديث للإسناد العالي حتى دخلوا في مثل هذا. هذا يحصل، يحصل الناس لما يتعمقون في بعض الأشياء يحصل منهم هذا؛ لأنه وجد في بغداد في بعد زمن الرواية، الناس يهتموا بعلم الحديث جدًا، حتى صار -معناه- مثل أعظم شهوة عندهم علم الحديث. صار طلبة العلم كثير يتنافسون في علم الحديث، فمنهم من أخذ العلو في الإسناد، ومنهم من أخذ كذا. فلهذا حصل مثل هذه الأمور. فخلاصة ما نذكر في هذا الباب: أنه إن الإسناد العالي هو كما قلنا ينقسم إلى قسمين: علو مطلق، وهو ما كان إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأقل من غيره. وعلو نسبي: ما كان إلى إمام من الأئمة يتحصل عليه مصنف أو غيره بأقل رجال إلى هذا الإمام. فهذا -إن شاء الله تعالى- ما يذكر في العلوم.