الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 45، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش أهمية طلب العلم وعدم الاستحياء في السؤال عما لا يعلمه الإنسان، مع التفريق بين الحياء الشرعي والخجل الذي يمنع من طلب العلم. يستدل بآثار السلف الصالح وأقوال العلماء في ذلك.
يفرق بين الحياء الشرعي الذي هو من الإيمان وبين الخجل الذي يمنع من طلب العلم أو مناقشته، مبيناً أن الحياء المذموم هو الذي يمنع من الحق أو المصلحة.
يُظهر حرص السلف الصالح على طلب العلم حتى وفاتهم، ويبين تواضعهم في التعلم من تلاميذهم، مع ذكر أمثلة من حياة الإمام أحمد وابن جرير الطبري وأبي حاتم الرازي، وكذلك تواضع الرسول في القراءة على غيره.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولاه. مما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في مقدمة المجموع في الكلام على آداب المعلم والمتعلم: قال رحمه الله ولا يستحي من السؤال عما لم يعلم، فقد روينا عن عمر وابنه رضي الله عنهما أنهما قالا: من رق وجهه رق علمه. وأخرج ذلك الإمام الدارمي عن عمر عن ابنه: من رق وجهه رق علمه. إنه لا يستحي من السؤال عما لم يعلم، إنه لا ينبغي له أن يستحي أن يقول: الله أعلم، فإن الله أعلم نصف العلم كما جاء عن ابن مسعود. فلا يكون المعلم أو الطالب يستحي عن ما لم يعلم، أو هو نفسه المعلم أو الطالب لا يستحي أن يسأل عما لم يعلم، ولو سأل غيره، ولو سأل من هو دونه إذا علم أن مثلا من هو دونه في العلم يعلم هذا الشيء. فقد سأل نبي الله موسى الخضر، ولا شك أن موسى أرفع عند الله جل وعلا وهو رسول المكلم، فسأل لأنه أراد العلم. فسأل الخضر، فلهذا لا يستحي حتى المعلم أن يسأل بعض تلاميذه إذا كان يعلم عنده علم بهذه المسألة، أو يستعين به في شيء من هذه المسائل والبحوث وغيرها. قالوا عن مجاهد: لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر. وهذا ذكره البخاري تعليقا، وهو جاء من طرق عن مجاهد: لا ينال العلم مستحي ولا مستكبر. فالمستحي تجده مثلا يستحي يقول: أنا ما أستطيع أجلس أو ما أستطيع أسأل. قد يظل بعض الناس مثلا أني أسأل عن شيء واضح فيستحي ويخجل. وهنا المراد بالاستحياء هو الخجل، وليس الاستحياء الشرعي، لأن الاستحياء الشرعي كله خير. ولهذا قول أم سليم رضي الله عنها: ﴿إن الله لا يستحي من الحق﴾، فهل على المرأة غسل إذا هي أجنبت؟ فهنا قالت: لا يستحي من الحق. والله عز وجل لا يستحي من الحق، وأرادت أنها لا تستحي من كلامي هذا لأن هذا دين. لكن كما قلنا: الحياء الذي ليس فيه أو الحياء الذي يمنعك عن الخير فهو ليس حياء شرعيا. الحياة الذي يمنع عن الخير ليس هو حياء شرعي وإنما خجل أو خور. الحياة الذي يمنعك عن الأمر المعروف ونهي عن المنكر أيضا ليس بحياة شرعي، قد يسمى حياء لغة، وإلا فهو خجل أو جبن أو خور وليس هو حياء. أما الحياء فكله خير كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. فلهذا فالحياء هنا المراد به هو الخجل عن السؤال. من رقى وجهه رقى علمه، المراد إيش المستحي أو الخجول غالبا يكون رقيق الوجه، لا يتحمل مجابهة الناس ولا مقابلتهم ولا أيضا مناقشتهم فيستحي من ذلك ويخجل. وكما قلنا: الحياء خير لكنه في هذه المواطن ليس بخير بل هو خجل. وفي الصحيحين عن ابن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام مر على رجل يعظ أخاه من الحياء، يعني يقول له: أنك لتستحي من كذا، كأنه يقول له: أن الحياة منعك من أشياء. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تعضلوا فإن الحياء كله خير» أو قال: «أقصد أن الحياة من الإيمان». وجاء في حديث أبي هريرة: «الحياء شعبة من شعب الإيمان». فالحياء جاءت الأدلة بالثناء عليه. لكن كما قلنا: الحياء الشرعي، أما الحياء الذي يمنع من الحق ويردك عن الحق وعما هو مثلا مصلحة ومنفعة فهذا ليس حياء شرعيا. ومن ذلك الحياء في العلم، الحياء في السؤال، الحياء في أخذ العلم، الحياء كذلك في مناقشة العلم، كل هذا يعتبر من الخجل الذي لا ينبغي. قالوا في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: «نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين». معنى تذكر عائشة رضي الله عنها أن نساء الأنصار لم يمنعهن هذا الخجل والحياء الذي يكون هو لغة حياء، لكنه الأصل أنه خجل، بل سألن عن العلم وسألن عن أمور مهمة جدا. قد يخجل تخجل المرأة من ذكرها، لكن بسبب المحافظة على دينهن سألن هكذا. أرادت عائشة رضي الله عنها: نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين. ولهذا لما قالت أم سليم: يا رسول الله، على المرأة غسل إذا هي احتلمت؟ قال: «نعم إذا رأت الماء». فقالت أم سليم رضي الله عنها: «فضحت النساء». يا أم سليم. قال سعيد بن جبير: لا يزال الرجل عالما ما تعلم، فإذا ترك العلم وظن أنه قد استغنى واكتفى بما عنده فهو أجهل ما يكون. لأن الإنسان يحتاج إلى العلم مهما كان، لم يحوي هذا العلم أحدا أبدا. جميعه ما حوى العلم أحدا أبدا، أو جميعه أحد، ولو مارسه ألف سنة لا، ولو مارسه ألف سنة. معنى لو مارس هذا العلم ألف سنة، معنى مبالغة، معنى لو كان عمره كله في العلم لما حواه جميعه. ولهذا يقول الإمام الزهري رحمه الله: العلم لو أعطيته كله لما أعطاك إلا بعضه. لو أعطيته كله كل وقتك في العلم ما أعطاك إلا بعضه، فكيف لو أعطيته بعضك؟ فلهذا لا يستغني الإنسان مهما على كعبه في العلم، وأيضا استفاد كثيرا لم يستغني عن السؤال وعن العلم. ولهذا قيل للإمام أحمد: إلى متى تطلب العلم؟ قال: «من المحبرة إلى المقبرة». من المحبرة إلى المقبرة معناه أنه لا مفر من طلب العلم إلا ما يصدك وما يثنيك عن العلم إلا الموت، ما يثنيك عن العلم إلا الموت. ولهذا تجد السلف رحمهم الله في آخر حياتهم وهم يسألون عن العلم. ابن جرير الطبري رحمه الله أكرت عنده مسألة في المواريث لم يسمعها وهو في مرض موته، فقال لرجل عنده: اكتب هذه المسألة. فقال له: تكتب هذه؟ قال: لا أريد أن أموت وأنا أجهل بهذه المسألة. الإمام أبو حاتم رحمه الله في مرض موته كان يقول له ابنه عبد الغافر: هل هو تابعي أو صحابي؟ فقال فلم يستطع أن يتكلم لأنه كان في سياق الموت، فقال: هو تابعي. يقول له ابنه: هو تابعي، أشار إليه برأسه. فيقول: يا أبي أفصح، هل هو تابعي أم صحابي؟ هو ما يستطيع أن يتكلم، فتشهد ثم لما سأله أشار إليه برأسه ثم قضى مات رحمه الله. وهذا الاهتمام بالعلم تجد حتى موتهم على علم. وقصة أيضا أبي زرعة الرازي مشهورة، وقصص العلماء كثيرا مشهورة، تجد أنهم حتى في آخر حياتهم يحرصون على العلم، ما يفوتون على أنفسهم العلم إذا سمعوا، فإذا لم يسمعوه فعندهم أنها أمر عظيم، كأنهم تحصلوا على شيء مما يفرح به للدنيا. قال: وينبغي أن لا يمنع ارتفاع منصبك وشهرتك من استفادة ما لا تعرفه، فقد كان كثيرون من السلف يستفيدون من تلامذتهم ما ليس عندهم. وقد ثبت في الصحيح رواة جماعة من الصحابة عن التابعين، وروى جماعة من التابعين عن تابعي التابعين. وهذا عمر بن شعيب ليس تابعيا، وروى عنه أكثر من سبعين من التابعين. وقد ألف الإمام الخطيب البغدادي رحمه الله جزءا في رواية التابعين عن الصحابة، بل جزءه كان في رواية الصحابة عن التابعين، عن صحابي يروي عن التابعي عن صحابي، عن رواية الصحابة عن التابعين عن الصحابة. وكذلك أيضا زاد عليه الإمام العراقي في التقييد والإيضاح عدة ممن روى عن التابعين من الصحابة. وهذا لأنهم أرادوا العلم، ما أرادوا شيء آخر. قال: وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قرأ ﴿لم يكن الذين كفروا﴾ على أبي بن كعب رضي الله عنه، فقال: «أمرني الله أن أقرأ عليك». فاستنبط العلماء من هذا فوائد، منها بيان التواضع، وأن الفاضل لا يمتنع من القراءة على المفضول.