الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 6، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول هذا الفصل تعريف الحرام في اللغة والاصطلاح، حيث يُعرَّف في اللغة بالممنوع، ويُستشهد بآيات قرآنية وأشعار عربية لتوضيح هذا المعنى. في الاصطلاح، يُعرَّف بأنه ما في تركه الثواب وفي فعله العقاب.
يناقش هذا الفصل مسألة استحالة أن يكون الشيء الواحد واجبا وحراما في آن واحد، ويشرح آراء مختلف الفرق الإسلامية حول هذه المسألة. يوضح أن الوحدة يمكن أن تكون بالجنس أو بالنوع أو بالعين.
يتناول هذا الفصل اختلاف العلماء في حكم الصلاة في الأرض المغصوبة، حيث يرى الجمهور أنها صحيحة مع الإثم على الغصب. يوضح أن الشيخ يرى الرأي الصحيح هو صحة الصلاة مع الإثم على الغصب.
تم تأكيد صحة الصلاة في هذا الفصل، واختتم الحديث بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مما يعكس أهمية الختام بالذكر والصلاة على النبي.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: فصل. قال المؤلف رحمه الله: والأمر المطلق لا يتناول المكروه؛ لأن الأمر استدعاء وطلب، والمكروه غير مستدع ولا مطلوب، ولأن الأمر ضد النهي، فيستحيل أن يكون الشيء مأمورا به ومنهيا عنه. وإذا قلنا: إن المباح ليس بمأمور، فالنهي عنه أو لا؟ قال إضاح: معنا كلامه رحمه الله: أن المأمور به إذا كان بعض جزئياته منهيا عنه، نهي تنزيه أو تحريم، لا يدخل ذلك المنهي عنه منها في المأمور به؛ لأن النهي ضد الأمر، والشيء لا يدخل في ضده. الشيء لا يدخل في ضده. قال خلافا لبعض الحنفية القائلين بدخوله فيه، يعني بدخول النهي في الأمر. ولهذا عند الحنفية يجوز أن يطوف الإنسان عكس الطواف، حالان الطواف معروف أنه تطوف تجعل الكعبة جهة اليسار. طيب، فيقول الحنفية: لا بأس أن تطوف عكسا، تطوف تجعل الكعبة عن يمينك. أو الوضوء كذلك، قالوا: إذا توضعت وضوءا منكسا ومعكوسا فهو صحيح، تبدأ بالقدم ثم بمسح الرأس إلى آخره. وقول الجمهور، المشافعية: أنه لا يجوز، هو صحيح. قال: فتحية المسجد مثلا مأمور بها، فإذا دخل المسجد وقت نهي، فتلك الصلاة المنهي عنها لوقت النهي لم تدخل في الأمر؛ للمضادة التي بين الأمر والنهي. وهكذا، فالصلاة تحية المسجد مأمور بها، يعني جاء فيها الأمر، سواء كان استحباب أو وجوب، مع كون هذا الوقت وقت نهي، لكن هذا النهي لا يدخل في الأمر، ويتعلق بالأمر نهي منفصل، والأمر منفصل. قال الشافع رحمه الله: إن الصلوات ذوات الأسباب الخاصة لم يتناولها النهي، فهي داخل في الأمر؛ لأنها لم تدخل في النهي، يعني التي لها سبب، تحية المسجد، وفكعة الوضوء، ونحوها من الصلوات ذوات الأسباب. يقول: هذه لا يتناولها النهي. ويدل عليه -أظن- قصة الرجلين، حديث الرجلين الذين رآهم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصل مع الناس، فسأله: ما منعك أن تصلي مع الناس؟ قال: صلينا في رحالنا. قال: إذا صليتم في رحالكم، ثم أتيتم إلى مسجد جماعة، فصلوا معهم؛ فإنها لكم نافلة. معنى أن النهي لا يشملهم. قال: الحرام. قال المؤلف رحمه الله: القسم الخامس الحرام، ضد الواجب. قال: اعلم أن الحرام صفة مشبهة باسم الفاعل؛ لأنه الوصف من حرم الشيء فهو حرام. والحرام في اللغة هو الممنوع، ومنه قول امرئ القيس: جالت لتصرعني، فقلت لها اقصري، إن امرء صرعي عليك حرام، يعني ممنوع. وقول الآخر: حرام على عيني أن تطعم الكرة، وأن ترقأ حتى ألاقيك يا هند. حرام يعني ممنوع على عيني أن تطعم الكرة، يعني النوم. وقول تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ يعني منعنا. وقول تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾. وقول تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ الآيات. وقول: وذل الواجب. يعني أن الحرام في الاصطلاح هو: ما في تركه الثواب، وفي فعله العقاب، يعني من حيث الثمرة. التعريب: الثمرة ثمرة الحرام أن من تركه أثيب، ومن فعله استحق العقاب. لكن يقيد الثواب بالامتثال، وأما العقاب تحت مشيئة الله. فيقال: ما في تركه الثواب امتثالا، وفي فعله يستحق تاركه العقاب، أو يعاقب تاركه إن عقبه الله. قال: وإن شئت قلت: ما نهي عنه نهيا جازما، نهي جازم يعني ملزم بتركه واجتنابه. قال: وقول المؤلف رحمه الله: فيستحيل أن يكون الشيء الواحد واجبا حراما، طاعة ومعصية من وجه واحد. إلا أن الواحد بالجنس ينقسم إلى واحد بالنوع، وإلى واحد بالعين، أي بالعدد إلى آخره. قوله: استحيل أن يكون الشيء الواحد واجبا حراما، طاعة ومعصية من وجه واحد. نعم، هذه المسألة مسألة الصلاة في الأرض المغصوبة، سأتي ذكرها. هي مسألة من يعني المسائل الفروعية في الأصول، مسألة فرعية في علم أصول الفقه، وهي في العقيدة تعتبر من الأصول، مسألة تعتبر في العقيدة من مسائل الأصول. وذلك: هل تجتمع الطاعة والمعصية في وقت واحد، فيكون العبد طاعا وعاصيا، أو لا يجتمع ذلك فيه؟ فالخوارج يقولون: لا يجتمع، لا يجتمع الطاعة والمعصية؛ لأن الإيمان شيء واحد، إذا ذهب بعضه ذهب كله. وعلى هذا كفر صاحب المعصية والكبيرة، فينفون عنه الإيمان ويكفرونه. والمعتزلة يقولون: في منزلة بين منزلتين. وأهل السنة يقولون: نعم، يجتمع في الإنسان طاعة ومعصية، فيكون طاعة طائع بطاعته، وعاصيا بمعصيته، مؤمنا بإيمانه، وفاسقا بفسقه ومعصيته. هذا هو الصحيح. الصحيح. طيب، إذا تجتمع الطاعة والمعصية في وقت واحد. وهذه المسألة أدخلها الأشاعرة في كتب الأصول، ولذلك أدخلها الباقلاني أو بكر الباقلاني في كتابه الإبانة، فذكر هذه المسألة، مسألة الصلاة في الأرض المغصوبة. قال إضاح: معنى كلامه رحمه الله: أن الوحدة ثلاثة أقسام. قال: الأولى وحدة بالجنس، والثانية وحدة بالنوع، والثالثة وحدة بالعين. والوحدة بالجنس وبالنوع، هذه أنكرها الجبائي من المعتزلة. قال: أما الوحدة بالجنس أو النوع، فلا مانع من كون بعض أفراد الواحد بهما حراما، وبعضها حلالا. بخلاف الوحدة بالعين، فلا يمكن أن يكون فيها بعض الأفراد حراما، وبعضها حلالا. مثال الوحدة بالجنس: وحدة البعير والخنزير؛ لأنهما يشملهما جنس واحد، هو الحيوان، فكلاهما حيوان، فهما متحدان جنسا، هما جنس واحد حيوان. ولا إشكال في حرمة الخنزير وإباحة البعير. هنا الآن اجتمع حلال وحرام، لكن هذا في جنس واحد. ومثال وحدة بالنوع: السجود، فإنه نوع واحد، فالسجود لله والسجود للصنم يدخلان في نوع واحد، واسم السجود. ولا إشكال في أن السجود للصنم كفر، ولله قربة. وهذا الآن اجتماع في النوع، السجود نوع واحد، لكن السجود لله جائز وطاعة، والسجود لغيره كفر وشرك. قال: كما قال تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ فنهى عن السجود للشمس والقمر، أمر بالسجود له. قال: ومثال الوحدة بالعين عند المؤلف رحمه الله: الصلاة في الأرض المغصوبة، فلا يمكن عنده أن يكون بعض أفرادها حراما، وبعضها مباحا. وإضاح مراده: أن المصلي في الدار المغصوبة إذا قام إلى الصلاة، شغل بجسمه الفراغ الذي هو كائن فيه، وشغله الفراغ المملوك لغيره بجسمه تعديا، غصب، فهو حرام. يعني يقول: أن جسمه كله شغل هذا المكان الذي غصبه، فيكون وجوده فيه حرام. وجوده فيه حرام. كيف يقول: الذي يصلي في الأرض المغصوبة قد شغل جسمه المكان الموجود، والمكان هذا مغصوب، حرام أن يبقى فيه، وأن يستعمله. فلما شغل جسمه المكان المغصوب، صار وجوده ماذا؟ كله محرم، وصلاته فيه محرمة؛ لأنها شغلت المكان المحرم. فهنا يقول: ما يمكن أن يكون شيء جائز مباح، وشيء محرم. صلاته مباحة، وغصبه محرم. يقول: لا، كله محرم، الصلاة وغصبه لهذه الأرض. قال: فهذا الركن الذي هو القيام غصب، فهو حرام. يعني قيامه للصلاة في هذا الموضع حرام. فإذا ركع شغل الفراغ الذي هو كائن فيه في ركوعه، وإذا سجد شغل الفراغ الذي هو كائن فيه في سجوده، وهكذا. تكون جميع أفعاله وجميع أركانه في ماذا؟ في واقعة في هذا المحرم، فتكون محرمة. قال: وشغل الفراغ المملوك لغيره تعديا غصب، شغل الفراغ المملوك له الآن يشغل الفراغ بمعنى وجوده، وفي أفعاله، وهو مغصوب، فيكون حرام. قال: فلا يمكن أن يكون قربة؛ لامتناع كون الواحد بالعين واجبا حراما، قربة ومعصية؛ لاستحالة اجتماع ضدين في شيء واحد من جهة واحدة. فيلزم بطلان الصلاة المذكورة. هذا على قول المؤلف. قال: ومنع هذا القائلون بصحة الصلاة في الأرض المغصوبة، وهم الجمهور. قالوا: الصلاة في الأرض المغصوبة فعل له جهتان، والواحد بالشخص يكون له جهتان، هو طاعة من إحداهما، ومعصية من إحداهما. فالصلاة في الأرض المغصوبة من حيث هي صلاة قربة، ومن حيث هي غصب معصية. فله صلاته، وعليه غصبه. يعني صلاته طاعة وقربة أداها بأركانها وشروطها، وهي صحيحة. وكونه غصب هذه الأرض فهو آثم على غصبه. قال: فيقول من قال ببطلانها: الصلاة في المكان المغصوب ليست من أمرنا، فهي رد. للحديث الصحيح: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد». فيقول خصمه: الصلاة في نفسها من أمرنا. الصلاة في نفسها من أمرنا. عندي تراجع برد كلمة تراجع. الصواب: فليست برد. إيش عندكم؟ فليست برد، وإنما الغصب هو الذي ليس من أمرنا، فهو رد. قال: وعلم أن حاصل أقوال العلماء في الصلاة في المكان المغصوب أربعة مذاهب. الأول: أنها باطلة، يجب قضاؤها، وهو أصح الروايتين عن إمام محمد رحمه الله. الثاني: أنها باطلة، ولا يجب قضاؤها؛ لأن النهي يقتضي البطلان، ولأن السلف لم يكون يأمرون بقضاء الصلاة في المكان المغصوب. وممن قال به الباقلاني والرازي. ولا يخفى بعده، يعني بعد هذا القول عن الصواب. كيف تكون باطلة ولا يجب قضاؤها؟ الثالث: أنها صحيحة، وهي رواية أخرى عن أحمد، وعليه الجمهور، منهم مالك والشافعي، وأكثر أهل العلم. وأكثرهم على أنها صحيحة لا أجر فيها، كالزكاة إذا أخذت منه قهرا، يعني إذا لم يخرجها بنفسه، لكن أخذت منه بالقوة، فيجزئه من حيث وجوب الزكاة، وليس له أجر الزكاة ودفع الزكاة. قالوا: كذلك في الصلاة المغصوبة، صحيحة وليس له فيها أجر. قال: والرابع: أنها صحيحة، وله أجر صلاته، وعليه إثم غصبه. وهذا أقيس، يعني هذا هو الذي تدل عليه الأدلة: أنه يؤجر على صلاته، ويأثم على غصبه. وهذا الصحيح، هذا القول هو الصحيح: أن الصلاة في الأرض المغصوبة صحيحة مع الإثم، مع إثم الغصب. وأما الصلاة فهي صحيحة. طيب، إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.