التعليق على مذكرة أصول الفقه 55

الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 55، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تعريف البيان واصطلاحه في الأصول

يناقش تعريف البيان في الاصطلاح الأصولي واختلاف العلماء حوله، حيث يرى الأصوليون أنه تصيير المشكل واضحًا. يحصل البيان بكل ما يزيل الإشكال.

طرق وأشكال البيان في الشريعة

يتناول طرق البيان في الشريعة الإسلامية، حيث يمكن أن يكون بالقول أو الكتابة أو الإشارة أو الفعل أو السكوت. يشمل كل إيضاح يزيل الغموض.

حكم تأخير البيان عن وقت الخطاب والحاجة

يناقش حكم تأخير البيان عن وقت الحاجة ووقت الخطاب، ويستعرض آراء الفقهاء في المسألة. يستدل بالأدلة الدينية على جواز أو عدم جواز التأخير.

تأييد جواز تأخير البيان بالأدلة

يشير إلى أدلة دينية تدعم جواز تأخير توضيح الأمر من وقت التكليف إلى وقت الحاجة، ويؤكد صحة هذا الرأي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مؤلف رحمه الله: فصل في البيان. قال: والمبين في مقابلة المجمل، واختلف في البيان، فقيل: هو الدليل، وهو ما يتوصل بصحيح النظر فيه إلى علم أو ظن. وقيل: هو إخراج الشيء من الإشكال إلى الوضوح، يعني جعلوا البيان خاصًا بما فيه إشكال. وهذا تعريف ببكر الصيرفي، وأن انتقده الآمدي لأن فيه تجوزًا وغير جامع. قال: وقيل: ما دل على المراد بما لا يستقل بنفسه في الدلالة على المراد. وقد قيل: هذان الحدان مختصان بالمجمل. قال: والشيخ رحمه الله عرفه بقوله: البيان ما يفهم المراد منه إما بأصل الوضع أو بعد التبين. وهذا التعريف يشمل ما إذا كان البيان غير مسبوق بإجمال، وهو ما كان بينًا بأصل وضعه، أو ما حصل به البيان بعد وروده، وهو سبق بشيء من الإجمال. قال: حاصل هذا الخلاف هو: هل البيان يطلق على كل إيضاح تقدمه خفاء أو لا؟ أو هو إيضاح ما فيه خفاء خاص؟ وأكثر الأصوليين على أن البيان في الاصطلاح الأصولي هو تصيير المشكل واضحًا. يعني لا بد أن يكون هناك إشكال، فيأتي البيان ويوضح هذا المشكل. قال: والبيان يحصل بكل ما يزيل الإشكال. كبيان قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾. يعني قوله جل وعلا: ﴿إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ يعني ما هذا الذي يتلى علينا؟ الله يقول: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ استثنى الله ما يتلى علينا، ما هذا؟ جاء بيانه في آية أخرى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. قال: ومثل أيضًا قول الله جل وعلا: ﴿الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ ثم جاء البيان: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ إلى آخره. وهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم. قال: أو كتابة، ككتابته صلى الله عليه وسلم إلى عماله على الصدقات. يعني يحصل البيان بالكتابة. كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عماله على الصدقات بما يجب من الصدقة في الأموال، وحصل بذلك البيان. قال: أو إشارة، كقوله: «الشهر هكذا وهكذا وهكذا» وأشار بأصابعه إلى كونه مرة ثلاثين ومرة تسعة وعشرين. هذا بيان بالإشارة. قال: أو فعل، كبيانه صلى الله عليه وسلم للصلاة والحج بالفعل. وقال في الأولى -أي في الصلاة-: «صلوا كما رأيتموني أصلي». حديث مالك من الحوارث في البخاري. وفي الثانية -أي في الحج-: «خذوا عني مناسككم». هذا رواه مسلم من حديث جابر. قال: أو سكوت على فعل، فإنه بيان لجوازه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقر على الخطأ. فكونه سكت على هذا الشيء يدل على أنه جائز. قال: واختار المحشي أن البيان شامل لكل إيضاح، تقدمه خفاء أو لا. وهو قول معروف لبعض أهل الأصول. ولا مشاحة في الاصطلاح. يعني سواء تقدم هناك إشكال أو لم يكن هناك إشكال، فيسمى بيانًا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وَلَا يَشْتَرَطُ حُصُولُ الْعِلْمِ لِلْمُخَاطَبِ. فإنه يقال: بيّن له، ولم يتبين. ومثاله: فيما يظهر لي أنه صلى الله عليه وسلم بيّن أن عموم قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ لا يتناول الأنبياء؛ لأنهم لا يورث عنهم المال. فلا يقدح في هذا البيان أن فاطمة الزهراء رضي الله عنها لم تعلم به. قال: وَيَجُوزُ بَيَانُ النَّصِ بِمَا هُوَ دُونَهُ سَنَدًا. لما جاء في حديث «لا تنكح المرأة على عمتها أو خالتها». فإنه يخصص عموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾. مع أن الحديث أضعف سندا من الآية، لكنه أقوى دلالة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل، لا خلاف في أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. وتأخير البيان عن وقت الحاجة هو الوقت الذي إذا تأخر البيان عنه لم يتمكن المكلف من المعرفة لما تضمنه الخطاب. قال: واختلف في تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة. فقال ابن حامد: يجوز. وبه قال بعض الحنفية وبعض الشافعية. وقال أبو بكر عبد العزيز وأبو الحسن التميمي: لا يجوز ذلك. وهو قول أهل الظاهر والمعتزلة. قال: واستمد المؤلف لجواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة بقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوا قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾. وثم للتراخي، فدلت على تراخي البيان عن وقت الخطاب. قال: وكذلك عنده قوله تعالى: ﴿ثُمَّ فَصَّلْنَاهُ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾. وبأنه صلى الله عليه وسلم علم بأن المراد بقوله: «وفي ذي القربة» بنو هاشم والمطلب، دون إخوانهم من بني نوفل وعبد شمس، مع أن الكل أولاد عبد مناف. فأخر بيانهم حتى سئل، فقال: «أنا وبنو المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام». قال: إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على جواز تأخير البيان من وقت الخطاب إلى وقت الحاجة. وهذا هو الصحيح أنه يجوز.