تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 72

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 72

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 72، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

ذم أهل الكتاب لشراء الضلالة بتحريف الدين

يفسر المقطع قول الله تعالى عن الذين أوتوا نصيبا من الكتاب أنهم يشترون الضلالة ويحبون الكفر على الإيمان، مبيناً أنهم يبدلون أحكام الله لأجل المال والوجاهة والرئاسة، ومحذراً من الاغترار بعلمهم لأنهم لم يعملوا به، مستشهداً بقصة بلعام بن باعوراء وقارون وفرعون.

حقيقة أهداف الكفار الإضلال لا المال فقط

يوضح المقطع من خلال آيات قرآنية أن غاية الكفار الأساسية هي إضلال المسلمين عن دينهم لا مجرد طلب المال، مستشهداً بآيات في اليهود والنصارى، وضارباً أمثلة معاصرة لمنظمات تمنح أموالاً بشروط تستهدف النساء لتفكيك الأسرة المسلمة وإفساد تربية الأبناء.

تحريض المنظمات الكافرة للنساء على أزواجهن

يوضح المقطع كيف تغرِ المنظمات الكافرة النساء بالكلام المعسول والأموال ليزهدنهن في أزواجهن، مما يكثر الطلاق والخلع، ويبين أن هدف هذه المنظمات إضلال المسلمين وهدم دينهم لا مجرد المطامع المادية، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾، ومؤكداً أن الله ولي المؤمنين وناصرهم.

تفسير قوله تعالى وكفى بالله وليا ونصيرا

يوضح المقطع أن الولاية تشمل النصرة وغيرَها من اللطف والتيسير، وأن عطف "نصيرًا" على "وليًّا" من عطف الخاص على العام لتأكيد أعظم معاني الولاية، ناقلاً عن الشيخ أن المراد بالولاية حصول الخير من الله، وبالنصرة زوال الشر عن أهل الإسلام.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والى. أما بعد، قبل أن نبدأ في الدرس إن شاء الله تعالى: محاضرة اليوم في منطقة الحامي، الشيخ عبد الواسع، والبعض إن شاء الله سيتحرك بعد العصر. قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا السَّبِيلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾. قال رحمه الله: «هذا ذم لمن أوتوا نصيبًا من الكتاب»، وهم في الدرجة الأولى اليهود عليهم لعنة الله، وكذلك النصارى. أوتوا نصيبًا من الكتاب، أي: أوتوا علمًا من كتابهم الذي أنزله الله عز وجل إليهم، وهو التوراة. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ﴾، وفي ضمنه تحذير عباده من الاغترار بهم والوقوع في أشراكهم، مع أنهم وإن كانوا أوتوا الكتاب لا يُغتر بهم؛ لأنهم لم يعملوا بهذا الكتاب، فلا يغتروا بعلمهم كما اغتروا بأنفسهم به، وفرحوا بما عندهم من العلم، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون. قال: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾، اشتروا الضلالة هنا تعبير عظيم من رب العالمين سبحانه وتعالى، فوصفهم بأنهم يشترون الضلالة، أي: يحبون هذه الضلالة بل يشترونها. يشترون هذه الضلالة بالمال، يعرفون أن هذا ضلال ويشترونه، أن يحبونها محبة عظيمة ويؤثرونها، إيثار من يبدل المال الكثير في طلب ما يحبه، فيؤثرون الضلال على الهدى، والكفر على الإيمان، والشقاء على السعادة. ومن هذه الأشياء التي ذكر الله عز وجل أن اليهود والنصارى يشترون الضلالة لأجلها: ما يكون من تبديل أحكام الله عز وجل لأجل مصلحة الناس، ويقولون: هو من عند الله، وما هو من عند الله، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون. يقول ربنا جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وهذا أيضًا من التحذير من هؤلاء اليهود والنصارى. يأكلون أموال الناس بالباطل، أي: يزينون لهم الباطل، ويأخذون ويعطونهم مالًا. يأتي الرجل إلى الكنيسة أو إلى مكان الأحبار، وهم البيع أو المدارس التي كانوا يدرسون فيها، فيريد فتوى على صالحه، فيعطيه فتوى، فيدفع عليها مالًا، فيأخذ هذا المال. وهذا أيضًا كذلك أخذهم المال لأجل هذا، ولأجل أيضًا الوجاهة، كما فعل ذلك الذي قال له بلعام بن باعوراء، الذي قال الله عز وجل فيه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾، فأراد الوجاهة، حتى أنه اشترى الضلالة، يعرف أنه على الضلال إذا فعل ذلك، لكن لأجل المال ولأجل الوجاهة فإنه فعل ذلك. وكذلك لأجل الرئاسة، وأيضًا التسلط على الناس، كما فعل قارون وفرعون وغيرهم من أئمة الضلال. وكذلك أيضًا بعض كفار قريش اختاروا الرئاسة والوجاهة، وردوا دين الله جل وعلا، فعبر الله عز وجل عنهم: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾، أن يحبون هذه الضلالة، فيأخذون المال ويضلون الناس. فقال: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾، فهم يريدون من الناس الكفر، فقال: ﴿وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾، فهم حريصون على إضلالكم غاية الحرص، وهم على إضلال أهل الإسلام. فلهذا من قال: إن الكفار مثلاً يريدون فقط المال، فهذا غير صحيح، وهذا أيضًا مخالف لما ذكر الله عز وجل عنه في آيات كثيرة، يذكر الله عز وجل عن اليهود خاصة أنهم يريدون إضلال الناس، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾، وقال أيضًا: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾، وغيرها من الآيات. أيضًا هذه الآيات: ﴿يُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾، وأيضًا ذكر الله عز وجل أنهم يريدون أن تكونوا سواء في الكفر، فتكونون سواء، ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾، فلا ينبغي للمسلم أنه يتبع حالاً فيما هم عليه من الكفر والضلال، فإنهم يدعون، فإنهم حرصهم على أن يضلوا أهل الإسلام ويخرجوهم من دينه. وهذا كل المكر الذي يفعلونه، ليس كما يدعي بعض الناس أنهم يريدون المال، أن أمريكا تريد المال فقط، واليهود يريدون المال فقط، لا، بل هم يريدون أن يخرجوا أهل الإسلام من دينهم، فهم يدفعون الأموال، قد تكون أموالًا طائلة. الآن عندكم هذه المنظمات التي تعطي أموالًا، هل تعطي أموالًا لسواد عيون المسلمين؟ لا، لكن لهم مآرب، لهم مآرب. تجد أنهم يستدرجون الناس بهذه الأموال، أولاً بدون شرط ولا قيد: خذ هذا المال، اشتغل. يجعلون المرأة تشتغل، ثم لا بد أن تحضروا الدورة، أو يأتون على أنها مساعدات عامة، مساعدة الأسرة الفلانية، لكن بشرط أن المرأة هي التي تأخذ هذا المال. لماذا لا يكون الرجل؟ قالوا: الرجل لعله يذهب، لعله يذهب، هذه أسرته لو أخذه ولعب بها، هذه أسرته. لكن هم يريدون المرأة، فيقولون: المرأة تأتي وتستلم حق هذه الأسرة من مكان كذا وكذا، ثم بعد ذلك يقولون: لا بد أن تحضروا دورة، يريدون دورة يعلمون الأمهات تربية الأولاد، يعلمون أهل الإسلام كيف يربون أولادهم، ثم بعد ذلك تكثر هذه الدورات، وهكذا يستدرجون بالنساء. ولما هم حريصون على النساء؟ لأن النساء هن ربات البيوت، وهن الذين ينشئون هؤلاء الأطفال، فإذا فسدت المرأة فسد الطفل وفسدت هذه الأسرة. إذا فسدت المرأة وكانت التربية لها، وترك الزوج تربية أولاد لهذه المرأة الفاسدة، فإنها تفسد كذلك الأسرة. ولهذا من أشد الناس تقبيبًا لهذه الزوجة هم هؤلاء أهل الشر من المنظمات الكافرة، تقبيبًا، بمعنى أنهم يغرون هذه المرأة، وأيضًا يذكرون لها الكلام المعسول: لا تكوني له خادمة، أولاً الأزواج قساة، أولاً كذا، لماذا، لماذا، لماذا تكونين عندهم كالعبيد أو كذا، وهو لا يهتم بك؟ من هذا القبيل يأتون النساء بمثل هذا القبيل حتى يزهدونها في زوجها. والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا أَوْ خَبَّبَ رَجُلًا عَلَى امْرَأَتِهِ». خبب، بمعنى: غشها، وذكر لها كلامًا أنها تقول كذا، أو أنها تفعل كذا، أو يأتي له بكلام لأجل أن يصرف هذه المرأة عن زوجها، وتطلب بعد ذلك الخلع. ولهذا كثر الطلاق، وكثر الخلع، خاصة في بعض المناطق، بل حتى في بلادنا هذه، حضرموت هذه المحافظة أيضًا كذلك، تفشت الآن مسألة الخلع، صار الخلع كثيرًا بسبب هذه المنظمات. كذلك في مناطق من المناطق التي في الشمال الأعلى مثلاً، أو في الساحل، في تعز، في كذا، تجد أن الخلع قد كثر عندهم كثيرًا بسبب هذه المنظمات الكافرة، فيغرون النساء بالأموال، ثم بعد ذلك يفرقون بين الرجل وزوجته، وهذا فعل السحرة والشياطين. فلهذا فهم يفعلون فعل هؤلاء حتى تفسد الأسر، فإذا فسدت الأسر فسد المجتمع. فقال الله عز وجل: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾، فهم حريصون على إضلالكم غاية الحرص، يبذلون جهدهم في ذلك، ولو بدلوا أموالًا من أنفسهم كما قلنا. ولكن لما كان الله ولي عباده المؤمنين وناصرهم، بين لهم ما اجترحوا عليه من الضلال والإضلال، فقال: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا﴾، وما قال: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾. وهذه الآية عظيمة، معنى قوله جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾، لأن هذه فيها رد على من يقول: إن هذه دول كافرة، هم ما يريدون إلا المال، ما يريدون مثلاً إضلال المسلمين، ما يريدون كذا، يريدون فقط المال، ينهبون بركات المسلمين، يأخذون البترول، يأخذون الذهب، يأخذون كذا، فيقول: هذا همهم، ولهذا تسلطوا على بلاد المسلمين. وهذا جهل، بل الله عز وجل يقول: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾، الله عز وجل أعلم بمقاصدهم، فهم أعظم شيء عندهم أن يهدموا الإسلام ويهدموا أهل الإسلام، هذا أعظم شيء عندهم، وليس الأموال فقط. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا﴾، أن يتولى أحوال عباده، ويلطف بهم في جميع أمورهم، ويسر لهم ما فيه سعادتهم وفلاحهم. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾، ينصرهم على أعدائهم، ويبين لهم ما يحذرون منهم، ويعينهم عليهم. فولايته تعالى فيها حصول الخير، ونصره فيه زوال الشر. وهنا قوله جل وعلا: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾، الولي يدخل فيه النصير، لأن الولاية من أعظم ما يكون في الولاية هو النصرة، لكن لها معاني أخرى أيضًا من اللطف والتيسير وغيره، فهذا من عطف الخاص على العام، لأجل أن أعظم ولاية الله عز وجل هي نصرته سبحانه وتعالى، فينصر أولياءه، كما قال الشيخ رحمه الله: فأراد بالولاية حصول الخير من الله عز وجل، وأراد بالنصرة زوال الشر عن أهل الإسلام. هذا، إن شاء الله، وما توفيقي إلا بالله، تعالى أعلم. شكرًا.