الدرس في آداب التقبيل 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث هذا الفصل عن آداب التقبيل في الإسلام وأنواعه، مثل تقبيل المودة والرحمة والشفقة والإحترام والإكرام والتعبد. كما يبين هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تقبيل الأطفال.
هذا الفصل يبين مشروعية تقبيل الأولاد والأقارب من المحارم، مستشهدا بأحاديث نبوية وسيرة الصحابة، ويشرح ضوابط هذه القبلة وتصنيفها كقبلة مودة.
يتناول هذا الفصل ضوابط تقبيل ذوات المحارم، حيث يشير إلى أن التقبيل يكون في مناسبات معينة مثل العودة من السفر أو بعد غياب طويل، ويشترط ألا تؤدي إلى فتنة.
يتضمن هذا الفصل الدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مع التأكيد على علم الله تعالى والتسليم على النبي وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فإن شاء الله، في هذه المقامات، وفي هذه السلسلة من سلسلة الآداب، نتحدث إليكم عن أدب من الآداب، والتي كذلك لها تعلق بما مضى. فحديثنا، إخواني في الله، عن مسائل وآداب التقبيل، وهذه المسألة لها تعلق بما مضى في ذكرنا لمسائل السلام، ثم المصافحة، ثم المعانقة. فناسب أن يذكر هذا الباب، إذ أن هذا الباب احتوى على مسائل، بل وكذلك على أحاديث وأقوال العلماء ومقامات كثيرة. والتقبيل، كما قال العلماء، هو مصدر، والإسم منه قبلة، والجمع قبل. وقد استطرد العلماء رحمهم الله تعالى في ذكر أقسام التقبيل إلى عدة أقسام، حتى أوصلها جماع من العلماء إلى ستة أقسام. فهناك تقبيل المودة، وهذه التي تكون للأولاد والصغار، وهناك تقبيل الرحمة، وهذا تكون لكبار السن كالوالدين وإن علوا، وهناك تقبيل الشفقة، وهذا قال العلماء يكون للأخوة ولذوي المحارم، وهناك تقبيل الشهوة، وهذا لا يكون إلا للزوجة، وهناك الخامس وهو تقبيل الإحترام والإكرام، وهذا يكون للكبار والعلماء وأهل الصلاح، والسادس ما يسميه جماع من العلماء من التقبيل التعبد، والذي يراد منه التعبد ويراد منه التبرك، وهذا الذي يكون في بعض الأماكن التي شرع لها الشرع التقبيل، كتقبيل الحجر الأسود. فهذه أنواع من القسمة التي قسم العلماء رحمهم الله تعالى من خلالها أقسام القبلة، ومن ثم ما يتعلق بأحكامها وتفريعاتها وما يناسب ذكرها. وأصبحت مسألة التقبيل نوع من أنواع التحايا التي يتلاقى بها بعض الناس بعضهم، كما أنهم يتقابلون بالمصافحة وبالمعانقة. وهكذا أصبح التقبيل رمز من رموز إظهار الإحترام للطرف الآخر. ونبدأ، إخواني في الله، من آداب القسمة، أو من أوائل القسمة، ما يتعلق بقسمة تقبيل المودة. وقال العلماء: وهذا يكون للأولاد، سواء كانوا ذكورًا أو إناثًا، ويمكن أن يقع هذا التقبيل على الخد، يكون التقبيل هذا على الخد، كما جاءت به السنة. فالسنة جاءت بأحاديث كثيرة من ذلكم ما رواه البخاري من حديث أنس رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما دخل على ابنه إبراهيم عليه السلام، قال: أخذ إبراهيم فقبله وشمه. والشاهد من ذلك التقبيل، فوقبل ابنه عليه الصلاة والسلام، وأيضًا شمه، والشم كذلك نوع من أنواع التقبيل. ولزال العرف جاريًا في أن يشم الصغار، فكان هذا من هديه، وكان هذا من فعله عليه الصلاة والسلام. وهكذا تارة، وقد جاءت أحاديث كثيرة أنه كان يقبل الحسن والحسين. متذكرون في درس أمس، عندما دخل نبينا على فاطمة ابنته، وسأل عن الحسن، قال: أثم لكَع، أثم لكَع، فلما دخل عليه احتضنه، وفي رواية: وقبله. ومن ذلكم كذلك عندما قبل نبينا صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي، وكان عنده الأقرع بن حابس رضي الله تعالى عنه التميمي، فلما رأى الأقرع - وكان الأقرع ممن يعيش في الأعراب - فاستغرب من هذا المظهر، ومن هذا المنظر، كيف أن نبينا صلى الله عليه وسلم يقبل، فقال الأقرع رضي الله تعالى عنه: إن لي عشرًا من الولد، ما قبلت منهم أحدًا. فكأن هذا عندهم يعود إلى عرفهم، إلى أن هذا مما ينافئ الرجولة، فرأى أن نبي يفعل على خلاف ما اعتقدوه، إذ أنه كان يقبل أحفاده عليه الصلاة والسلام. فلما سمع ذلك نبينا، عاتبه، قال: «من لا يرحم لا يرحم». فدل على أن التقبيل للصغار والأولاد يعتبر نوع من أنواع الرحمة، وأن من رحم خلقه رحمه الله جل وعلا. ولهذا في رواية قال عليه الصلاة والسلام: «وما أملك لك إن نزع الله الرحمة من قلبك». فالشاهد أن هذه الأحاديث تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل أولاده، بل ثبت كذلك أنه كان يقبل ابنته فاطمة، رضي الله تعالى عنها. فقد كانت إذا دخلت على رسول الله - أي على أبيها - فرآها نبينا قام من مجلسه، وصافحها، وقبلها، وأخذ بيدها، وأجلسها بجواره. وهكذا العكس، وكانت فاطمة رضي الله تعالى عنها إذا جاء إليها رسول الله - وهو أبوها - إذا رأته دخل عليها، قامت من مجلسها، وذهبت إليه، وسلمت عليه، وقبلته، وأدخلته، وأجلسته بجوارها، رضي الله تعالى عنها. فهذا كذلك مما يدل على ماذا؟ أن الأب له أن يقبل أولاده، سواء كانوا ذكورًا أو كانوا إناثًا. وثبت كذلك في البخاري أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه دخل على ابنته عائشة، وكانت مضجعة لحمى أصابتها، فأجلستها على الفراش، فزارها أبو بكر الصديق - وهو أبوها - فلما دخل عليها قبلها، وقال: «كيف أنت يا بني؟». فهذا نوع، إخواني في الله، من أنواع القبلة، ويسميها العلماء بقبلة المودة، لما فيها من التودد. وهذه تكون للأولاد، للصغار، سواء كانوا ذكورًا أو كانوا إناثًا. وجعل العلماء ضابطها أن تكون على الخد. وهل يجوز بذلك تقبيل ذوات المحارم؟ إذا كان عندك محرم من المحارم، كالعمة، وكالخالة، وقس على ذلك. هل لك أن تقبل؟ قال العلماء: وهذه مسألة سئل عنها الإمام أحمد رحمه الله تعالى، حيث سئل عن تقبيل الرجل لذات محرم له، فقال الإمام أحمد: إذا قدم من سفر، ولم يخف على نفسه. فهذه ضوابط مهمة من الإمام أحمد رحمه الله تعالى، إذ أن هذا النوع من أنواع القبل ما تأتي إلا للمناسبات. وهذا مسألة ستأتي معنا بإذن الله، إذ أن من الناس من فتح باب القبل ليلًا ونهارًا، جملة وتفصيلًا، مع كل أحد. والعلماء أكثر العلماء يجعلون ضابط هذه القبلة كما يذكر في ضابط المعانقة، وقد مر معنا أن ضابط المعانقة تكون في الأسفار، وفي الغيبة، وفي طول العهد. ولهذا جماعة من أهل العلم يقرنون التقبيل مع المعانقة، ويجعلهم يسيران سيرًا واحدًا. وأن التقبيل له وقت المعانقة، متى تكون المعانقة؟ عند السفر، وعند طول الغيبة. قال: وهكذا التقبيل. فذات المحرم مثلًا، إذا دخلت عليها وأردت أن تقبلها هنا أو هنا على الخد، هذا لا يكون في كل زيارة. بخلاف الرأس، هذا أمر آخر، إذا جرى به العرف، أو على الجبهة، هذا أمر آخر. نتحدث عن تقبيل المودة، إن يكون لذوات المحارم، إن كان كما قال إمام أحمد: من سفر. وقد ثبت، وقد سئل إمام أحمد في سؤال آخر عن هذه المسألة، فأخبر أن خالد بن الوليد قبل أخته، لكن بهذه المعايير، أن يكون قد جاء من السفر، جاء من مكان بعيد، له أن يقبل من ذوات محارمه كالعمة والخالة في خدها، ويكون ذلك بأمن من الفتنة. أن تؤمن مع ذلك الفتنة، والناس في هذا الباب يختلفون. وهذا الكلام من إمام أحمد متى ذكره؟ في زمنه، إذا أمنت الفتنة في زمنه، فما ظنكم في أزماننا مع تغير طبائع الناس، ومع كثرة الفتن، ومع ضعف الدين، ومع قلة التديّن، مع قلة الوازع. ولهذا سمعنا، ونسمع أن بعض من الناس من لربما يفعل ذلك عن تلذذ، كمن يدخل على ذات محرم، مثل ابن أخته أو ابنة أخيه، محرم من محارمه، ويعتبر خالها، يدخل عليها، ولربما هي شابة، فلربما لم تؤمن الفتنة في هذا المقام. ولهذا اشترط العلماء هذا الشرط، قال إمام أحمد: عندما سئل، قال: أيقبل ذات محرمًا له؟ قال: إذا قدم من سفر. فهذا في تضييق النطاق لهذه الظاهرة، ثم قال: ولم يخف على نفسه. وهناك مسألة أخرى وهي ستأتي معنا، أن ما سنسمعه وما سنذكره من أنواع القبل، من تقسيم قبلة المودة، أو ما يسمى بقبلة الرحمة، أو ما يسمى بقبلة الشفقة، إلى غير ذلك، أو الإحترام والإكرام، كل ذلك لا تكون عن طريق الفم بالفم. بل صرح العلماء بكراهة هذا. وإنما سيأتي معنا أن أنواع القبل إما على الخد كالمودة، وإما على الجبهة للشفقة، وإما على الرأس للإحترام، وإما على اليد إن كان للإكرام. ولا تأتي الفم إلا في قضية الرجل مع زوجته فقط. فشاهد، إخواني في الله، فهذا من أنواع قبل التي جاءت به الأدلة، في أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل أولاده، وفيه مشروعية تقبيل الأولاد، سواء كانوا ذكورًا أو إناثًا. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.