شرح أصول السنة للإمام أحمد 18

الدرس في شرح أصول السنة للإمام أحمد 18، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

حكم الخروج على الأئمة ومنهج أهل السنة في النصح والصبر

يشرح المقطع قول الإمام أحمد في أصول السنة بتحريم الخروج على أئمة المسلمين سواء تولوا بالرضا أو بالغلبة، ويبين أن منهج أهل السنة هو الصبر على جورهم ونصحهم سراً لا علانية. يستدل بالقرآن والسنة محذراً من منهج الخوارج والمعتزلة الذين يرون الخروج طاعة، وأن من دعا للخروج اليوم فقد وافق بدعتهم.

وجوب طاعة الولاة وتحريم الخروج إلا بكفر بواح

يؤكد المقطع وجوب السمع والطاعة للأئمة حتى مع ظلمهم أو معصيتهم، مستدلاً بأحاديث صحيحة في البخاري ومسلم تنهى عن نزع يد من طاعة وتحذر من ميتة الجاهلية للخارجين. لا يُستثنى من ذلك إلا رؤية كفر بواح عند الله برهان، منتقداً الفتاوى المعاصرة التي تبيح الخروج لأسباب سياسية أو حزبية.

إجماع المذاهب على تحريم الخروج ومآلاته التاريخية

يؤكد المقطع إجماع المذاهب الأربعة على تحريم الخروج على الحاكم ولو كان ظالماً أو كافراً، مستدلاً بتجارب تاريخية وواقع معاصر تظهر أن الخروج يؤدي إلى مفاسد أعظم من المصالح. يوجب الصبر والاستعانة بالله وأداء حق الحاكم وسؤال الله الحق، كما جاء في القرآن والسنة.

تحذير الإمام أحمد من شق عصا المسلمين وعواقب الخروج

ينقل المقطع قول الإمام أحمد بأن من خرج على إمام اجتمع عليه الناس وأقروا له بالخلافة فقد شق عصا المسلمين وخالف السنة، ومات ميتة جاهلية. ويختتم بالدعاء بالثبات على السنة، ودفع الفتن، ونصرة المسلمين في الشام، وصلاح الحكام.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعن معهم برحمتك يا أرحم الراحمين. أما بعد، ففلازلنا في أصول السنة للإمام أحمد، نحن في آخرها في مسائل الكلام على أحكام الأئمة والحكام ومعاملتهم على ما يقتضيه الكتاب والسنة، وما سار عليه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. وهذا الباب من أعظم الأبواب التي ضل بسببها، وبسبب الجهل بها، من ضل في هذه الأزمان المتأخرة، فصار من يجهل عقيدة السلف يطعن في كبار أهل العلم ويرميهم بالتهم العظيمة: كالعمالة، والجبن، والخور، والسكوت عن الحق، ونصرة المبطل، وموالات الظلمة، وربما وصل الأمر إلى وصفهم بأنهم علماء البلاط، علماء السلطان؛ لأنهم لا يستوعبون أي هؤلاء الطاعنون لا يستوعبون منهج السلف وطريقة الأئمة. لا زلنا في هذا الباب العظيم. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى وغفر له: «ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين، وقد كان الناس اجتمعوا عليه وأقروا له بالخلافة بأي وجه كان، بالرضى أو بالغلبة، فقد شق هذا الخارج عصى المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن مات، فإن مات الخارج عليه، فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية». وهذه الفقرة فيها الكلام على الخروج على أولاة الأمر وحكام المسلمين والسلاطين ونحوهم، فالذي جاءت به السنة النهي عن ذلك، والأمر بالصبر، حتى إذا رأينا المعاصي منهم وخلاف السنة، أنهم يتبعون غير هدي رسول الله، ولا يستنون بسنة رسول الله، ولا يطيعون كلام الله ولا كلام رسوله، فالواجب الصبر، وأن ننصح سراً كما في حديث عياض بن غنم رضي الله عنه أن النبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من أراد أن ينصح لذي سلطان فليأخذ بيده جانباً، فليأخذ بيده فيخلو به ثم ينصحه، ولا يبدها علانية، ولا يبدها علانية، فإن قبل منه فذاك، وإن لم يقبل فقد برئ». خرجه ابن أبي عاصم وإسناده حسن، وله شواهد وطرق. والأصل في هذا من القرآن قوله جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠]، إلى أن قال جل وعلا في آخر الآيات: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣]. قال المفسرون: قوله تعالى ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: بينك وبينهم، لا يقال: قال لفلان في نفسه إلا بمعنى خلأ به وأسر إليه ووعظه. ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾. هذه طريقة أهل السنة والجماعة في هذا الباب، لا يرون الخروج على السلاطين والحكام المسلمين العصاة والظلمة والفساق منهم، لا يرون الخروج عليهم، بل يرون نصحهم سراً، ويرون الصبر عليهم، سواء كان هذا الحاكم أخذ الحكم بالرضا، أي برأي أهل الحل والعقد، أو كان أخذه بالغلبة، أي بالسيف والقهر، لكنه تمكن من البلد وتم له الأمر، فإنه يصير والياً شرعياً، ويصير إماماً لذلك البلد، ويصير حاكماً عليه، ويصير خليفة للمسلمين. هكذا قال الفقهاء وأهل السنة والجماعة. وخالف في ذلك الخوارج والمعتزلة، فالخوارج لا يرون الطاعة لأي حاكم ليس منهم، فطالما أنه ليس منهم فلا طاعة له، يستحلون ماله، ومال الدولة عندهم حلال، سرقت مال الدولة، وعند أهل السنة حرام لا يجوز، وإن كانت الدولة ظالمة، وإن كانت تأخذ الضرائب والإتاوات، وإن كانت أخذت ماله، فإنه يصبع هذا منهج أهل السنة والجماعة. والخوارج منهجهم عكس ذلك، يرون حل أموالها وحل دمائهم وحل أعراضهم وغير ذلك. والمعتزلة يزيدون الأمر سوءاً، فيقولون: إن من أصولنا الخمسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند المعتزلة هو الخروج على الصلاطين والخروج على الأمر. فإذا سمعتهم يأمرون بهذا الأصل، فالأصل هذا عندهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الخروج على الصلاطين والأمر. فاليوم من يخرجون في المظاهرات ويخرجون بأنواع الخروج الآخر بدعوى الأمر بالمعروف النهي عن المنكر، هؤلاء الحقيقة أنهم في هذا الباب أخذوا بأصل المعتزلة، وفارقوا أصل أهل السنة، ويصيرون من أهل البدع بهذا الأصل. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين». الخروج يكون بالسيف، وهذا أظهر أنواع الخروج، خروج المسلح، هذا أظهر أنواع الخروج. وهناك خروج باللسان، كمن يدعو إلى الخروج بلسانه ويهيج العامة والناس من على المنابر أو وسائل أخرى على الخروج عليه، فمثل هذا أيضاً يعتبر من نزع يد الطاعة. وإن من أعلام النبوة أن يخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن حال الحكام بعده صلى الله عليه وسلم، هذا علم من أعلام النبوة. ففي صحيح الإمام مسلم عن حذيفة بن اليمان قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم: «سيكون بعد أئمة لا يهتدون بهدايا ولا يستنون بسنة، وسيقوم عليهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس». قال حذيفة: قلت: يا رسول الله، فما تأمرني إن أدركت ذلك الزمان؟ وإما لا يهتدون بهدايا ولا يستنون بسنة. معنى الحديث أنهم يستنون بسنة غير الرسول صلى الله عليه وسلم، ويهتدون بهدى غير هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، شرقياً أو غربياً، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠]. يقول في حديث حذيفة: «سيكون عليكم أمراء لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي». قال حذيفة: «وسيقوم عليهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس». قال حذيفة: فقلت: يا رسول الله، فما تأمرني إن أدركت ذلك الزمان؟ قال صلى الله عليه وعلى عليه وسلم: «تسمع وتطيع للأمير، وإن أخذ مالك وضرب ظهرك». هذا الحديث في صحيح الإمام مسلم رحمه الله: «تسمع وتطيع للأمير، وإن أخذ مالك وضرب ظهرك». خرجه مسلم في صحيحه، والحديث صحيح، وله شواهد وله متابعات، فلا شك في صحته، لا شك في صحة مثل هذا الحديث. وكون الإسناد في صحيح الإمام مسلم فيه راو تكلم فيه حاظب لا يعني نكارة المتب، فإن نكارة المتب باب آخر، ولهذا أخرج الحديث الإمام مسلم في صحيحه، وقد اشترط الصحة، والأصل والغالب الإصابة عليه فيما اشتره. هذا الحديث له شواهد كثيرة وأدلة كما سيأتي. وفي الصحيحين أيضاً في حديث عبادة بن الصامت، حديث عوف بن مالك أيضاً في الصحيحين: «إنه سيكون عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برع، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع». قالوا: يا رسول الله، أفلا ننابدهم بالسيف؟ قال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة». في بعض الألفاظ: «لا، ما صلوا». هذه الأحاديث وغيرها في صحيح الإمام مسلم وغيره: «أمراء فتعرفون منهم وتنكرون»، أي: فيهم من الأمور المنكرة أمور عظيمة، تعرفها في نكارتها وترى شناعتها، ومع هذا يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالطاعة في هذا الباب. في حديث عوف بن مالك: هذا حديث مسلم. حديث عوف بن مالك: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تلعنونهم، الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم». قالوا: يا رسول الله، أفلا ننابدهم بالسيف؟ أفلا نقاتلهم؟ قال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، لا ما أقاموا فيكم الصلاة». ألا من ولي عليه وال، هكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا في صحيح مسلم، لا خلاف في صحة: «ألا من ولي عليه وال، فرآه يأتي معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا لا ينزعن يداً من طاعته». أخرجه مسلم في صحيحه. لا يجوز نزع اليد من الطاعة، لا يجوز نزع اليد من الطاعة. هذه أحاديث الرسول صلى الله عليه وعلى عليه وسلم. أيضاً في الصحيحين حديث ابن عباس رضي الله عنه: «سيكون عليكم أئمة تعرفون منهم وتنكرون». قالوا: يا رسول الله، أفلا نقاتلهم؟ قال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، ما أقاموا فيكم الصلاة». في بعض الألفاظ: «لا، ما صلوا». وفي حديث ابن عباس في الصحيحين: «فمن نزع يداً من طاعة فمات فميتة جاهلية». وهذا الذي أشار إليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى. يقول الإمام: «من خرج على إمام من أئمة المسلمين، وقد كان الناس اجتمعوا عليه وأقروا له بالخلافة بأي وجه كان، بالرضى أو بالغلبة، فقد شق هذا الخارج عصى المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم». ذكرنا بعضها، بعض هذه الآثار. «فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية». الدليل على هذه الفقرة حديث ابن عباس في الصحيحين: «من رأى من أميره شيئاً يكرهه، أي من معصية الله، من رأى من أميره شيئاً يكرهه، أي من معصية الله، فلا ينزعن يداً من طاعته، فإنه من فارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية». هذا يدل على أنها ميتة سوء، عياذاً بالله. الأدلة على هذا الأصل كثيرة. اليوم ماذا يحصل للمسلمين؟ بعض الناس حين يسمع هذه الأحاديث يظن أنها محاباة أو مجاملة. هذا حديث نبيه صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري ومسلم، اللذين هما أصح الكتب بعد القرآن الكريم، هذا لا شك في صحتها. وفي أيضاً الصحيحين حديث عباد بن الصامت: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان». هذا حديث عباد بن الصامت في صحيح البخاري ومسلم. «في عسرنا ويسرنا نطيع، في منشطنا ومكرهنا نطيع، في حال الآثر علينا»، يعني وجود الظلم والاستئثار وحرماننا حقوقنا واستئثارهم بالحقوق دوننا، «وأثرة علينا نسمع نطيع، إلا في حال واحد، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان». وضع النبي صلى الله عليه وسلم شروطاً: منها أن تروا كفراً، فالمعاصي لا تبيح الخروج. «أن تروا كفراً»، وهذا الكفر كفراً بواحاً، أي مما لا يختلف فيه ولا شبهة فيه، وهو مما أجمع عليه أهل العلم، فهو بواحاً أي ظاهر لا خفاء فيه. «إلا أن تروا كفراً بواحاً، ثم قال صلى الله عليه وسلم: عندكم فيه من الله برهان». وهذا يدل على التحري وإسناد الأمور إلى أهلها، ليس يفتي في هذا الباب الرعاء، ولا يدخل في هذا الباب السياسيون والحماسيون، ولا يفتي في هذا الباب أنصاف المتعلمين. إن والله إنه مما يتعجب أن بعض الناس يقول: من خرج فقتل في هذه المظاهرات أو في أبواب من الفتن فإنه من أهل جنة. ربما هذا السائل، هذا المفتي، لو سألته عن امرأة استدام فيها الحيض كيف تصنع، ما يستطيع أن يجيبك، ما يستطيع أن يجيب في مسألة من مسائل الحيض المشكلة، لكن أبواب الدماء وسفك الدماء يفتي فيها فاتحاً الباب دون أي تردد. نسأل الله العافية السلامة. من لا يسأل في أحكام الحيض لا ترجع الأمة إلى فتوى، كيف يتصدرون ويدفون ويزجون بالشباب من أجل مصالح سياسية، مصالح حزبية سياسية محضة، ليس المراد منها إلا أن يصعد الحزب الفلاني، وأن نحصل على حقائب، نحصل على حقائب في الدولة، وبعد ذلك لا يهمنا أن نحكم بالعلمانية أو نحكم بالديمقراطية أو نطبق ما كنا ننكره على الحاكم السابق. ولهذا كثير من الجماعات في مصر أقرب مثال، ينادون بالحاكمية، فلما قاربوا من الحكم تركوا الحاكمية وصاروا ينادون بمجرد الحكم على أي صورة، فصاروا يحكمون بالعلمانية. اليوم تركيا دولة علمانية ليست دينية، ويتفاخرون ويقولون: نحن دولة علمانية. طيب، إذا كان هناك حاكم اسمه فلان ابن فلان علماني، لما خرجتم عليه إذن؟ إذا كان الحكم علمانياً مع زيد وعلمانياً معكم، ما الجديد إذن؟ خرجوا على بعض الولاء والحكام، ليس هذا دفاعاً عن حاكم، فإن الدفاع لا يجوز، لا يجوز المدافعة عن أي ظالم، وكثير من هؤلاء عندهم ظلم، ولكننا نتكلم على مسألة الخروج، نتكلم على مسألة الخروج، وهي من المسائل المهمة التي أجمع الفقهاء من جميع المذاهب الإسلامية. إذا يريد إنسان العلم ويريد الفهم والبصيرة ويريد الحق والهدى، يفتح أي مذهب من مذاهب المسلمين: إن كان مالكيا فهذا كلام مالكية، إن كان حنبنيا فهذا كلام الحنابلة، إن كان شافعيا فهذا كلام الشافعية، إن كان حنفيا فهذا كلام الحنفية. إجماع المذاهب الأربعة على عدم الخروج على الحاكم لظلم أو فسق أو معاص عظيمة، أو كان الحاكم عنده كفر ولكن لا توجد الاستطاعة على إزالته، أو كانت إزالته تؤدي إلى مفاسد أكبر من المصالح. اليوم مثلاً الحاكم سوريا، لا شك في كفره وزندقته، وأنه أكبر من اليهود والنصارى، نصيري، والطائفة النصيرية أكبر من اليهود والنصارى، لا شك ولا رئي، لا يؤمنون بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم إيماناً يدخلهم في الدين، ولا يؤمنون بالرب جل جلاله إيماناً يعصمهم من الكفر، عندهم دين مستقل منحول من دين الإسلام، دين النصيرية، لا شك في كفره. لكن هل يجب الخروج عليه؟ لا، لا استطاعة للمسلمين على الخروج. حينما نسمع بعض الدعاء يقول: يجب أن تخرجوا على هذا الوالي الظالم الكافر، نحن نتفق معك على كفره، لكن لا استعداد عند المسلمين على قتال هذا الظالم، سيباد المسلمون في الغوطة وفي دمشق وفي حلب وفي ريف حلب وفي غيرها، وأنتم تهربون إلى تركيا وإلى دول أوروبا تأخذون اللجوء السياسي، ويموت أطفال سوريا على شواطئ البحار. هذا ما تطلبونه، وهذا الذي يحصل أمام مرأة ومسمع العالم أجمع، لا يستطيع أحد أن يحرك ساكناً. فإذا قلنا إن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم هي المخرج والنجاة، ربما من لا يفهم أو لا يريد أن يفهم يسيء الظن. ما النتيجة؟ ما النتيجة؟ النتيجة دمار في دمار في دمار، لا توجد مصلحة واحدة تحققت، لا في ليبيا ولا في تونس ولا في مصر ولا في اليمن ولا في سوريا، مصلحة واحدة لا توجد. الجرائم غير المنظمة اشتغلت: بيع البشر، بيع البنات، بيع الأطفال، بيع الأعضاء البشرية، حدث ولا حرج، خطف الأطفال وإدخالهم إلى أديان الكفر كما فعلت الوزيرة الألمانية، أخذت من أطفال سوريا خمسين ألف طفل صغير يربونهم ليعودوا سلاحاً يوجه إلينا وفي نحورنا. ما المصالح في مثل هذا الأمر؟ لا شك أنه منها مفاسد عظيمة. وتأتسمع بعض الدعاء الصحويين يقولون: لو مات نصف الشعب السوري لا بأس بذلك، سبحان الله، لو مات ثلثاه لا بأس بذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم هكذا يقولون. ونبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: «لزوال الكعبة حجراً حجراً أهون عند الله من سفك دم امرئ مسلم». مسلم قيمته عظيمة، هذا لمن يعظم دماء المسلمين. فلا شك أن هذه الأصول يقررها الإمام أحمد. ولهذا يقول ابن بطال: أجمع العلماء على تحريم الخروج على الولاة والسلاطين، وإن كانوا الظلمة بغاة. لكن لا يعني هذا أن تدافع عنهم، وأن نحن لسنا في الدفاع عن ظالم ولا باغي ولا مفسد أياً كان. نتكلم على دفع المسلمين وشباب المسلمين. بعض الناس يدعون دعاوة مثل هذه الدعاوة في أبناء المسلمين، ولكن أبناءهم محفوظون في بيوتهم، فأي دعوة هذه الدعوة، وأي صدق في مثل هذا الأمر؟ فالواجب الصبر، الواجب الصبر. يقول الله عز وجل في بني إسرائيل وقد اشتكوا فرعون، ومن يشك في كفره؟ قالوا: ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾ [الأعراف: ١٢٩]، على من يصبروا على فرعون، ليس دفاع من موسى عن فرعون، لكن ليس من المصلحة الشرعية ولا من المصلحة العقلية ولا من المصلحة الفطرية الزج بالمسلمين في المحارق والمهالك ثم التفرج عليهم، هذا نعوذ بالله، هذه طريقة أهل الفتر. قال: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾. وفي صحيح البخاري عن أنس، وقد جاءوا يشكون إليه ظلم الحجاج، قال: «اصبروا، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إنه لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه». ولهذا هذه الأحاديث أحاديث عظيمة، أحاديث عظيمة. قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «أدوا إليهم حقهم واسألوا الله حقكم». كما في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه. لأحاديث كثيرة، كثيرة جداً. ولهذا يقول إمام أحمد هذا الكلام العظيم، لعدم المصالح في مثل هذا الأمر. وقد استقرأ الأئمة باب الخروج على الصلاطين، قال العلماء: لم توجد تجربة واحدة نجحت في الخروج على حاكم من الحكام. خرج سعيد بن جبير على الحجاج، فكانت النتيجة انتصار الحجاج وقتل سعيد بن جبير، ثم ندم سعيد بن جبير على ذات. وخرج الحسين رضي الله عنه على حكام، على أبناء معاوية رضي الله عنه جميعاً، فكانت النتيجة أن قتل أربعون من أهله، وتخلى عنه الشيعة، وحصلت المفاسد العظيمة. وخرج الخارجون في كل زمان، لا توجد تجربة، والواقع اليوم أمام أعيننا، تدهورت دول المسلمين، لا توجد دولة إلا وتقول: كنا أفضل من هذا الوضع. أهل العراق يقولون: لقيناهم والله لقد كنا في وضع أيام صدام كان وضعنا أفضل من هذا الوضع الذي نعيشه اليوم. أصحاب سوريا يقولون: كان وضعنا قبل أحسن. حدثني بعض الناس من دمشق، اتصل فقال: والله إن وضعنا سابقاً كان خيراً لنا من وضعنا الموجود اليوم. ليس هذا دفاعاً ظالماً أبداً، ولكن امتثال لأمر رسول الله صلى الله عليه وعلى الله سلم. فلا ينزعنا يد من طاعة، أصبر وإن ضرب ظهرك وأخذ ماله. هذه الأحاديث لا يفهمها اليوم إلا من داق مرارتها، داق التشريد والقتل وانتهاك الأعراض وسفك الدماء. قال الإمام أحمد: «من خرج على إمام من أئمة المسلمين، وقد كان الناس اجتمعوا عليه وأقروا له بالخلافة بأي وجه كان، بالرضا أو بالغلبة، فقد شق هذا الخارج عصى المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية». فنسأل الله جل وعلا أن يميتنا على السنة النبوية، ويجنبنا الفتن، وينصر المسلمين في سوريا والغوطة ودمشق وحلب وفي كل مكان، ونسأله جل وعلا أن يصلح حكامنا ويهديهم إلى سواء السبيل، إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم ومبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.