شرح أصول السنة للإمام أحمد 19

الدرس في شرح أصول السنة للإمام أحمد 19، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

ضوابط قتال اللصوص والخوارج والرد على شبهة استباحة الدماء

يبيّن المقطع أحكام قتال اللصوص والخوارج مقتصراً على الدفع عن النفس والمال دون طلب أو تتبع بعد الفرار، ويؤكد أن من قُتل مدافعاً عن ماله فهو شهيد. كما يرد على غلط الخوارج في استباحة دماء الكفار مطلقاً مستدلاً بآيات القتال المقيدة بمن يقاتل والنهي عن الاعتداء على غير المقاتلين.

الفرق بين القتال والقتل في الشريعة وأحكام غير المقاتلين

يبيّن المقطع أن الأصل في الشريعة هو القتال دفاعاً لا القتل إبادة، مع النهي الصريح عن قتل النساء والأطفال والشيوخ والرهبان. وتحرم العمليات الاستشهادية لوقوعها في الغدر وقتل غير المقاتلين، وهذا مذهب الخوارج المخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم.

اختلاف العلماء في تكفير الخوارج وأحكام قتالهم

يبيّن المقطع خلاف العلماء في حكم الخوارج بين جمهور يرونهم مسلمين بغاة مبتدعة، وطائفة تكفرهم لظواهر نصوص، ويرجح قول علي بن أبي طالب والصحابة بأنهم مسلمون فروا من الكفر لا كفار. كما يفصل أحكام قتالهم عند الجمهور كأهل بغي من عدم الابتداء بالقتال ورفع أمرهم لولي الأمر.

الدعاء الختامي والشكر والحمد

يختتم المتحدث بالدعاء إلى الله بالهداية والمغفرة له وللمسلمين، ويطلب الهداية للضالين ثم يصلي على النبي محمد وآله وصحبه. ويختتم الجلسة بالشكر والثناء على الحضور.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. لازمنا في رسالة أصول السنة، أي العقيدة السلفية التي كان عليها الصحابة رضوان الله عليهم والتابعون وأتباعهم، يكتبها لنا إمام أهل السنة ويمليها الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه ورحمه ورفع درجته في المهديين. وكنا قرأنا كلامه على قتال اللصوص والخوارج، فبدأنا أولاً بالكلام على قتال اللصوص وأحكامه، ثم ذكرنا طرفاً من الكلام على أمر الخوارج ووعيد الفقرة حتى يعرف الحكم. قال رحمه الله: وقتال اللصوص والخوارج جائز إذا عرضوا للرجل في نفسه وماله، فله أن يقاتل عن نفسه وماله، ويدفع عنهما بكل ما يقدر عليه. تقدم الكلام على أن الدفع يكون بالأخف فالأخف، فإن لم يستطع، فإن لم يندفع إلا بما هو أثقل جاز، وليس له إذا فارقوه أو تركوه أن يطلبهم ولا يتبع آثارهم، ليس لأحد إلا للإمام أولاة المسلمين، إنما له أن يدفع عن نفسه في مقامه ذلك، وينوي بجهده وينوي بجهده أن لا يقتل أحداً، فإن أتى عليه في دفعه عن نفسه في المعركة فأبعد الله المقتول. وإن قتل هذا في تلك الحال وهو يدفع عن نفسه وماله رجوت له الشهادة كما جاء في الأحاديث. ذكرنا حديث أبي هريرة في صحيح مسلم أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ الحديث، وفي آخره: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد. قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار. وذكرنا أيضاً الأحاديث الواردة في الباب، وفيها الشهادة: حديث أبي سعيد عند النسائي وأحمد وأبي داود: من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون عرضه فهو شهيد، ومن قتل دون نفسه فهو شهيد. وأن أصل الحديث في صحيح البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وفيه الفقرة الأولى: من قتل دون ماله فهو شهيد. قال رحمه الله: وجميع الآثار في هذا إنما أمر بقتاله ولم يؤمر بقتله، ولا اتباعه، ولا يجهز عليه إن صرع أو كان جريحاً، وإن أخذه أسيراً فليس له أن يقتله ولا يقيم عليه الحد، ولكن يرفع أمره إلى من ولاه الله فيحكم فيه. تقدم الكلام على اللصوص وعلى الخوارج، وأن الخوارج أخبر عن خروجهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأنهم خرجوا على أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه وأرضاه حتى قتلوه، ثم انضموا إلى جيش علي أمير المؤمنين رضي الله عنه وأرضاه، فلما وقعت وقعت صفين والجمل، قالوا لعلي والصحابة: لما لا نغنم أموالهم ولا نستبيح نساءهم؟ فأنكر عليهم الصحابة رضوان الله عليهم، وقالوا: أتسبون أمكم عائشة؟ كما قال ابن مسعود: فإن قلتم نعم كفرتم، قال جل وعلا: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾، فمن سبى أم المؤمنين فإنه يكفر بالله عز وجل، وإن قلتم لا رجعتم إلى قولي، فسكتوا. ولا زال الصحابة... أمهاتهم أيضاً. إن الكافر يقتل، ولهذا قالوا للصحابة رضوان الله عليهم: كيف يحل لنا قتالهم ولا يحل لنا أموالهم ولا نساؤهم؟ هذا أصل شبهة الخوارج في الباب. والخوارج في هذين الطرفين، يعني في طرف أنه لا يقتل إلا مؤمن، هذه القضية الأولى: أن المؤمن لا يقتل، هذه فيها تفصيل، وهذا غلط الكلام على إطلاقه. وقضية أن الكافر يقتل، هذا أيضاً فيه تفصيل، فالخوارج غلطوا في البابين، وغلطوا في الجانبين، وغلطوا في المسألتين. وذكرنا أيضاً أن أصل هذه الشبهة هي التي دخلت على بعض الناس، غفر الله للأموات وهدى الله الأحياء. ذكرنا كلمة أسامة بن لادن: يجوز قتل كل أمريكي في كل مكان، فهذا هو عين مذهب الخوارج القائلين إن الكافر يقتل، هذا عين مذهب الخوارج الخارجين على علي بن أبي طالب يوم الجمل وصفين، هذا نفس كلامه. وذكرنا أن الله عز وجل رد هذه المقالة، فقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، فبان أن القتل لغاية وليس القتل مطلوباً لذاته. ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى﴾ أي إلى غاية حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. وقال عز وجل في آية البقرة: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾، ثم قال بعدها: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾، ثم قال بعدها: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. هذه الآية محكمة مدنية من سورة البقرة، وسورة البقرة مدنية فهي من آخر التنزيل. ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾، قال المفسرون: خص القتال بمن يقاتل، خص القتال بمن يقاتل، وخرج عن ذلك من لا يقاتل، خرج عن هذه الآية من لا يقاتل، فالقتال إنما يكون لمن قاتل. ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾، ثم قال جل جلاله: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾، قال المفسرون كالحسن وجماعات من السلف في تفسير الآية: أي لا تقتلوا من ليس مقاتلاً وإن كان كافراً، لا تقتلوا من ليس مقاتلاً وإن كان كافراً، فلا يجوز قتل النساء الكافرات، ولا يجوز قتل الأطفال الكافرين، ولا يجوز قتل الشيوخ الكافرين، ولا يجوز قتل الرهبان في الكنائس. وهذا جاء صريحاً في صحيح الإمام مسلم ومسند الإمام أحمد في حديث بريدة بن الحصيب وحديث ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول للمسلمين إذا أرادوا الغزوة: «أغزوا في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، أغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً ولا أصحاب الصوامع». فالأصل في القتال أن يقاتل المقاتل حين يقاتل، أما من لم يقاتل فلا. هكذا نص القرآن. فقول من يقول: يجوز قتل كل... بهذه الصيغة كافر، بهذه الصيغة أمريكي مثلاً، بهذه الصيغة في كل مكان، لا شك أن هذا هو مذهب الخوارج تماماً، هذا ليس مذهب أهل السنة، هذا مذهب الخوارج الذين خارجوا على علي رضي الله عنه وأرضاه، هذا عين مذهبهم. نسأل الله العافية والسلامة. هكذا من يقول مثلاً: يقتل كل حوثي في كل مكان، أيضاً هذا غلط. ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. يتفرع عن هذا أيضاً أمر ما يسمى بالعمليات الاستشهادية، فإنها محرمة لوجوه كثيرة، ويذكر في هذا الموضع هذا يذكر وجهها: الوجه الأول أنها يقتل فيها من ليس بمقاتل، أليس كذلك؟ عندما يفجر نفسه في مكان فيه كفار، شركة أو سفارة أو غير ذلك، يقتل من الكفار من ليس لنا بمقاتل، يقتل من الكفار نساء، يقتل من الكفار أطفال، يقتل من الكفار شيوخ عجزة، هل هؤلاء يجوز قتلهم؟ الجواب: ثبت بالنص الصريح في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم النهي عن ذلك. هذا الوجه الأول. الوجه الثاني: أن هذا من الغدر، هذا من الغدر المحرم، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي الغزاة في سبيل الله، الغزاة في سبيل الله فضلاً عن غيرهم، يوصي المقاتلين المجاهدين فضلاً عن غيرهم، فيقول: «أغزوا في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، أغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا»، ولا تغدر، الغدر. ولهذا يقول الشافعي رحمه الله في الأم، وهو أيضاً كلام الإمام محمد بن الحسن الشيباني: ومن دخل أرض العدو بأمان مزور لم يخل له قتلهم ولا نهبهم ولا سرقتهم ولا الغدر بهم. من دخل أرض العدو بأمان مزور، دخل بجواز مزور إلى دولة كافرة، هل يجوز أن يسرقهم لأنهم كفار؟ الجواب: لا يجوز. هل يجوز أن يقتلهم لأنهم كفار؟ الجواب: لا يجوز. هل يجوز أن يخدعهم لأنهم كفار؟ الجواب: لا يجوز. ولهذا في ديننا النهي عن الغدر والنهي عن الخيانة. يقول النبي صلى الله عليه وسلم للغزاة في سبيل الله: «ولا تغدروا»، فنهاهم عن الغدر. فهذا عندما يأتي إلى أماكن، لا شك أن هذه عمليات غدر، ولهذا قال أهل العلم الراسخون في العلم: إن هذه عمليات محرمة، وقال الطائشون: استشهادية نكاية بالعدو، وهذا مذهب باطل قائم على فكرة الخوارج أن الأصل في الكافر القتل، وهذا خطأ. الإمام أحمد ينبهنا على أمر مهم هاهنا، فيقول: وجميع الآثار في هذا إنما أمر بقتاله ولم يؤمر بقتله. هناك فرق بين مسألتين: بين الأمر بالقتل وبين الأمر بالقتال، فالثاني إبادة والأول دفع، الأمر بالقتال دفاع والأمر بالقتل هذا إبادة، وديننا جاء بالأول، ديننا جاء بالأول. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾، ما قال: واقتلوا في سبيل الله، آيات كثيرة في هذا الباب. ولهذا ينبه الإمام أحمد على هذا، وكذلك في السنة أيضاً: «أمرت أن أقاتل الناس»، لكن هل أمرت أن أقتل الناس؟ ما الفرق بين الأمرين؟ ما الفرق بين: أمرت أن أقتل الناس، وأمرت أن أقاتل الناس؟ الثاني دفاع والأول إبادة، لا تجوز في دين الله عز وجل. ولهذا ثبت أيضاً في كلام الله عز وجل بآية التوبة في الأمر بأخذ الجزية: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، قال الله عز وجل في سورة التوبة: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، قاتلوا، تأملوا إخواني: قاتلوا، هل قال الله: اقتلوا؟ ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، فإذا أعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فلا تقاتلوهم. دل هذا على أن القصد ليس القتل والإبادة، إنما القصد الدفاع وظهور الدين وإضعاف الكفر. فلو كان هؤلاء الكفار يدفعون الجزية تركناهم، ولم نقتلهم، ولم نسرق منهم أموالهم، ولم نؤذهم بما يخالف أمر الله عز وجل ورسوله في العدل فيهم. هكذا طريقة أهل السنة وطريقة الراسخين في العلم. فإذا قيل... فإذا سألنا: هل الأصل في الكفار الأمريكان الإبادة أم القتال لمن كان مقاتلاً؟ الذي يفهم مذهب أهل السنة يدرك الجواب الصحيح في مذرها. ولهذا هذا الكلام الذي يردده من مات، ونسأل الله جل جلاله أن يغفر لهم، كأسامة أو كأيمن أو غيرهم، هذا مذهب الخوارج، نسأل الله العافية والسلامة. ومن أقرهم على ذلك أو وافقهم على ذلك أو برر لهم فإنه يلحق بهم، فإنه يلحق بهم. فالباب باب خطير. ولهذا يقول الإمام أحمد: وجميع الآثار في هذا إنما أمر بقتاله ولم يؤمر بقتله، ولا اتباعه، ولا يجهز عليه إن صرع أو كان جريحاً. رجعنا للخوارج: الخوارج اختلف أهل العلم، هذا الكلام محمول على مذهب جماهير أهل العلم، وأن الخوارج مسلمون مبتدعة بغاة، من أشد البغاة، من أشد البغاة والظلم. هذا على هذا المذهب، فهم إذا كنا نحكم بإسلامهم لا يجوز كما يقول الإمام أحمد، ولا اتباعه، لا نتبعه إذا ولّى هارباً تركناه، ولا يجهز عليه، يكون بين الحياة والموت، لا نأتنكمل عليه، لا لأنه مسلم. هذا على مذهب جماهير المسلمين. وذهب طائفة من أهل العلم في مذهب الإمام أحمد ومذهب مالك ومذهب الشافعي، الخلاف في هذه المسألة من أهل العلم، من يروا كفر الخوارج، وأن الخوارج كفار لظاهر بعض الأحاديث: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» في الصحيحين، خارج الصحيحين في مسند أحمد: «ثم لا يعودون إليه، ينظر في نصله فلا يرى فيه شيئاً، في فوقه لا يرى فيه شيئاً»، يعني ينظر في الرمح أو في السهم، هذا الذي مر بهذه الدابة المقتولة لا يجد قطر الدم، لا في النصل الحديد، ولا في العمود الخشب الذي هو ساق السهم، ولا في الريش الذي في خارجه، القد والريش الذي في الخارج، يعني كأنه ما مر، ما دخل. فمعنى هذا ظاهره أنهم كفار. كذلك في بعض الروايات: «لا أقتلنهم قتل عاد، لا أقتلنهم قتل عاد»، ولهذا يقول العلماء: أشد، يعني ما تكلم النبي صلى الله عليه وسلم عليهم من الطوائف، الخوارج: «لا أقتلنهم قتل عاد، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم شهادة، طوبى لمن قتلهم أو قتلوه»، أحاديث كثيرة: «شر البرية، أولئك هم شر الخلق والخليق»، وفي رواية: «شر البرية». والله عز وجل يقول في سورة البينة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾، نفس اللفظ، وصف به الكفار. ظهر هذه الأدلة التكفير. وكذلك أنهم كفروا علياً وكفروا عثمان وكفروا أكثر المسلمين، لأنهم يرونهم مرتدين عن الدين، يرونهم مرتدين عن الدين فيقاتلونهم. لكن الراجح الذي هو سيرة علي بن أبي طالب، وهو من أعلم الناس بباب الخوارج وفقه الخوارج، وسيرة أصحاب علي رضي الله عنه كابن مسعود وغيرهم من الصحابة، أن الخوارج مسلمون. ولهذا سئل عنهم علي بن أبي طالب، وصح ذلك: أكفار هم؟ قال: لا، من الكفر فروا. قالوا: أمنافقون؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً. قالوا: فما هم؟ قال: قوم خرجوا علينا وبغوا، أو بهذا المعنى. هذا ثبت عن علي رضي الله عنه وأرضاه. وكان علي بن أبي طالب كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: لم يفرح في خلافته بعمل قام به كفرحه بقتل الخوارج. وحدث أبو سعيد الخدري، علي بن أبي طالب، وعلي بن أبي طالب خطب الناس، قال: إنا سمعنا رسول الله يقول: «لئن أدركتهم لا أقتلنهم»، وهذا بعد أن قتلوا عبد الله بن خباب رضي الله عنه وأخذوا بعض مواشي المسلمين، فقام علي بعد أن فعلوا هذا الفعل. ولهذا لا يبتدؤون في فقه علي بن أبي طالب، علي بن أبي طالب هناك كلمة لأبي حنيفة رحمه الله يقول: إن علي بن أبي طالب من مناقبه أنه من أضبط الناس لفقه أحكام الخوارج، فمن أراد أن يأخذ أحكام الخوارج فليأخذها من سيرة علي بن أبي طالب وجمهرة الصحابة، هؤلاء هم أعلم الناس بأمر الخوارج. ولهذا هذا الكلام على مذهب من يرى أنهم بغاة ظلمة، لا يقاتلون ابتداء، هذا الأمر الأول، لا يقصد إبادتهم وقتلهم، لا يتبعون إذا فروا، لا يجهز عليه إن صرع وكان بين الحياة والموت، كان جريحاً، ونحن ذلك إلا لولي أمر المسلمين. إن جعلهم من المحاربين فيجوز له فعل ذلك لقوله جل جلاله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. فإذا جعلهم الإمام، له اجتهاد، إذا أمر الولي، هذا يقول الإمام أحمد: وليس له إذا فارقوه أو تركوه أن يطلبهم ولا يتبع آثارهم، ليس لأحد إلا للإمام أو ولاة المسلمين، يعني إذا جعلهم من المحاربين فيجوز له ذلك، أما أحد الناس فلا يفعلون. يقول الإمام أحمد: وجميع الآثار في هذا إنما أمر بقتاله ولم يؤمر بقتله. وكذلك الشافعي رحمه الله يقول: ليس القتال من القتل بسبيل. يقول اليوم الشافعي: ليس القتال من القتل بسبيل، قد يحل قتال رجل ولا يحل قتله، هكذا يقول الشافعي رحمه الله تعالى. قال: ولم يؤمر بقتله ولا اتباعه، ولا يجهز عليه إن صرع أو كان جريحاً، وإن أخذه أسيراً فليس له أن يقتله ولا يقيم عليه الحد، لأن ذلك من خصائص ولاة الأمور كما تقدم، أن هذا من خصائص الولاء والدول، إقامة الحدود الشرعية، ولكن يرفع أمره إلى من ولاه الله فيحكم فيه، ويكون بذلك براءة ذمته، يكون بذلك براءة ذمته. وبهذا يكون الإمام أحمد انتهى من الكلام على مسائل الحكام والخروج عليهم، وسيدخل إن شاء الله تعالى في بعض المسائل الأخرى التي هي كالخاتمة لهذه الرسالة. فأسأل الله عز وجل بمنه وكرمه أن يهدينا إلى هداه، وأن يوفقنا إلى ما يرضيه سبحانه وتعالى، وأن يغفر لنا جميعاً ولموتى المسلمين، وأن يهدي ضالنا إلى ما فيه الهدى والصواب، إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم مبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. شكراً.