شرح أصول السنة للرازيين 2

الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 2، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

تعريف الإيمان عند أهل السنة والجماعة

الإيمان عند أهل السنة قول بالقلب واللسان وعمل بالقلب والجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية بإجماع العلماء. وقد أجمع السلف في سائر الأمصار على هذا التعريف مميزين بين أعمال الظاهر والباطن، ومباينين لأهل البدع في العقائد.

أركان الإيمان الثلاثة وأدلة زيادته ونقصانه

يتكون الإيمان من ثلاثة أركان: تصديق القلب، ونطق اللسان بالشهادتين، وعمل الجوارح، والدليل على زيادته ونقصانه ثابت بالكتاب والسنة. وقد سُميت الصلاة إيماناً لكونها عملاً ظاهرياً، ومجرد القول دون عمل لا يعد إيماناً صحيحاً.

حقيقة الإيمان قولاً وعملاً والرد على الفرق المخالفة

الإيمان في لغة الشرع قول وعمل، وقد استدل على ذلك بالآيات والأثر عن الصحابة والأئمة كإمام أبي عبيد القاسم بن سلام. ويرد أهل السنة على المرجئة والخوارج والمعتزلة مؤكدين أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأن معرفة أسماء الله وصفاته من أعظم أسباب زيادته.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم ومبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. لازلنا في أصول السنة للإمامين الحافظين الجليلين أبي حاتم محمد بن إدريس الحنظلي الرازي، وأبي زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي، رحمهم الله تعالى وغفر لهما ولسائر علمائنا المسلمين. قال ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى: كنا قرأنا الإسناد، وأن الإسناد صحيح، رواته ثقات معروفون، الإسناد صحيح إسناد الرسالة، فهي ثابتة، وهي مما تلقاها أهل العلم للسماع والرواية، كما يوجد في أصول الكتاب الخطية. قال ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى: سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدرك عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان من ذلك. وهذا تقدم الكلام على أن السؤال سؤال عظيم، سؤال من يبحث عن النجاة عند الله عز وجل يوم القيامة، عما ينجيه في الدنيا إذا مات عليه، سؤال عن الواجبات التي يجب أن يلقى الله بهما العبد. فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار. هذا نقل للإجماع، وهكذا عقيدة أهل السنة والجماعة لا خلاف فيها، تسير على جادة واحدة إجماعا جيلا بعد جيل، فلا تعلو مسألة حصل فيها خلاف تضاد وتعارب بينهم على وجه الاختلاف المذموم فيها. فأهل السنة والجماعة مجمعون على عقيدتهم جيلا بعد جيل، وإنما يحصل الخلاف في التعبير، بخلاف أهل البدع فهم مختلفون في عقائدهم وفكرهم، يختلفون فيه لا يكادون يتفقون في كثير من المسائل، ربما تجد لهم من الخلط والخبط ما الله به عليم في مسائلهم، والتناقض حليفهم في كثير من المسائل. لكن أهل السنة، إن ذهبت شرق الأرض أو غربها، إن ذهبت في الزمان الأول أو في الزمان الذي بعده إلى زماننا هذا، تجدهم في باب العقيدة على قول واحد، في مسائل العقائد على قول واحد، والخلاف في المسائل العملية يختلفون في المسائل العملية، لكن مسائل العقائد قولهم فيها واحد، إلا مسائل يسيرة جدا يسوغ فيها الخلاف عندهم، ولعله يأتي التنبيه على بعضها، وهي يسيرة جدا ولا تعد خلافا لأصل، إنما هي فرع فرع عن أصل. قال: فقال: أدركنا العلماء في جميع الأمصار، حجازا وعراقا وشاما ويمنا. فكان من مذهبهم: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. هذه المسألة الأولى من مسائل هذه الرسالة النافعة: أن الإيمان عند أهل السنة والجماعة، وعند السلف الصالح من لدن الصحابة رضي الله عنهم إلى زماننا هذا، قول وعمل، يزيد وينقص. والمراد بالقول ها هنا: قول القلب، والمراد به أيضا قول اللسان. القول يشمل يشمل نوعين من الأحوال: قول اللسان، وقول القلب. قول اللسان: مثل قول: لا إله إلا الله، آمنا بالله ورسله، هذا قول اللسان. وقول القلب: التصديق أن يصدق ما يتلفظ به ويقوله. قال رحمه الله: وعمل. والعمل كذلك يشمل عمل الجوارح وعمل القلب. هناك العمل على نوعين: عمل ظاهر يكون بالجوارح، كالصلوات والحج والجهاد، أعمال ظاهرة تكون بالجوارح الظاهرة، يكبر ويرفع ونحو ذلك، أعمال ظاهرة. وهناك أعمال باطنة: الأعمال الباطنة مثل الإخلاص والتوكل والإنابة والخشوع ونحوها من الأعمال، ويظهر أثرها على الجارحة، فيعرف الخاشع والخشوع في قلبه على جوارحه أيضا، يعرف المخلص كذلك، والمتوكل على الله عز وجل كذلك، يكون التوكل عملا قلبيا ويكون ظاهرا على جوارحه. وفي قوله أيضا: إذن العمل على نوعين عند أهل السنة والجماعة، عمل ظاهر وعمل باطن. العمل الظاهر: عمل الجوارح، فيكون ظاهرا للعيان. والعمل الباطن: عمل القلب. ذكرنا من أمثلته ما ذكرنا، مثل التوكل والإنابة والخشوع ونحوها، هذه أعمال قلبية. يزيد وينقص. هذا أيضا من مذهب السلف الصالح إجماعا: أن الإيمان يزيد وينقص. الإيمان يزيد وينقص، الإيمان يزيد وينقص. هذا أيضا من معتقد أهل السنة والجماعة والسلف الصالح في هذا الباب. والأدلة على هذه الأعمال من الكتاب والسنة على هذا التعريف كثيرة. فمن أدلة إيمان القلب، وأن القلب ركن من أركان الإيمان، إيمان قلبي: فمن مواضع الإيمان من القلب، القلب من مواضع الإيمان، قول وعمل، كنا ظاهر وباطل، وعمل ظاهر وباطل. منها قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ﴾، من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، فدل على أن إيمان القلب ركن في الإيمان، إيمان القلب ركن في الإيمان. إلى قوله سبحانه: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾. تلت الآية في قوله: ولم تؤمن قلوبهم، على أنه لا بد من إيمان القلب، لا بد من إيمان القلب، لا بد من إيمان القلب. ونظيرها قوله تعالى: ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾، ولما يدخل الإيمان في قلوبكم، دل على أن الإيمان لا بد أن يكون من القلب، فالقلب من مواضع الإيمان الأصلية، أن يكون المؤمن مؤمنا بقلبه كما يكون مؤمنا بلسانه، وكذلك يكون مؤمنا بعمله. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ﴾، ثم قال بعدها ربنا جل وعلا: ﴿ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا ﴾، فالشاهد أنه لا بد من إيمان القلب، وهذا الذي يشير إليه التعريف الذي ذكره الإمامان رحمهم الله تعالى وغفر لهما. والإيمان أيضا قد يكون باللسان، كقوله تعالى: ﴿ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾، ثم قال الله جل وعلا بعدها: ﴿ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ﴾. فالآية: الأمر: ﴿ قُولُوا آمَنَّا ﴾، هذا قول اللسان، ﴿ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا ﴾، ثم ختم الآية في الآية التي بعدها: ﴿ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ ﴾، هذا هو الإيمان المعتبر الذي يكون فيه قول اللسان، قول اللسان، والممتنع عن ذلك لا يدخل في اسم الإيمان ولا في أهله، بل يكون عياذا بالله من أهل الكفر. كذلك الأعمال أيضا، والآية الأخرى أيضا في آل عمران: ﴿ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ﴾، نفس الحكم: ﴿ قُولُوا آمَنَّا ﴾، الشاهد: فلا بد من القول، لا بد من القول في الإيمان، فإن لم يوجد القول لا يكون الإيمان صحيحا، بل يكون كذبا. والعمل كذلك الذي أشار إليه بقولهم: الإيمان قول وعمل. قال الله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾، هذه الآية نزلت لما مات بعض الصحابة رضي الله عنهم، وكانوا يصلون إلى بيت المقدس، فأنزل الله الآية أن أجرهم ثابت، ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾، أي صلاتكم، فسمى الصلاة إيمانا، سمى الصلاة إيمانا، والصلاة عمل ظاهر، الصلاة عمل ظاهر، فقضية أنهم ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس لا يضيع الله لهم ثواب صلاتهم، ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾، ما معنى إيمانكم في الآية عندك يا أبا عبد الرحمن؟ المراد: الصلاة، ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾ يعني صلاتكم، هذا المعنى المراد في الآية. ولا دل على ذلك كثيرا: ﴿ الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾، فدل على أن الإيمان قول وعمل، وأن من لم يأت بالقول فهو من الكاذبين، كما أن من لم يصدق قوله بعمله كذلك فهو من الكاذبين، كذلك فهو من الكاذبين. وهذا استدل به الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام في رسالته الإيمان، وهي رسالة نفيسة في بابها، حققها الشيخ العلامة ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى وغفر له. فالإيمان قول وعمل، وأشار الخاطب بن سلام، وهو أحد الأئمة المتفق، المتفق على إمامتهم، بأن هذه الأدلة كافية في بيان أن الإيمان قول وعمل، خلافا للمرجئة الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل، وربما قال غلاتهم: معرفة بلا قول ولا عمل، وهم من الضالين في هذه الأبواب. يزيد وينقص، الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. الإيمان يزيد وينقص، هذا الموضع موضع الخلاف مع الخوارج، فإن الخوارج قالت، وكذلك المعتزلة: الإيمان قول وعمل، لكنهم لا يقولون بالزيادة ولا بالنقصان. الخوارج والمرجئ أيضا والمعتزلة لا يقولون بزيادة الإيمان ولا بالنقصان، الإيمان عندهم جزء واحد، إما أن يبقى كله وإما أن يذهب كله، هكذا يقول الخوارج والمرجئة، وكذلك المعتزلة أيضا. فكل واحد ذهب في طرف: قالت الخوارج: فاعلة الكبيرة كافر، ليس بمؤمن، ما عنده من الإيمان ذرة ولا شيء، ليس عنده إيمان. قالت المرجئة: بل هو مؤمن كامل الإيمان، مؤمن كامل الإيمان. والمعتزلة أتوا بفلسفة لفظية، نسأل الله العافية والسلامة. الله عز وجل يقول في القرآن: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ﴾، ثم آتينا الكتاب، ثم آتينا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا، فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا، ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا، فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات. فجعلت هذه الآية المؤمنين على درجات ثلاث: منهم الظالم لنفسه، أي بالمعاصي والذنوب، وهو مؤمن، ومنهم المقتصد، وهو من يعمل الخير ويعمل غيره اقتصادا، مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات، وهو الذي يتنافس في أبواب الطاعات. دلت على أن الإيمان ثلاث درجات، لم يخرج أصحابها بمعاصيهم التي هي دون الكفر من الإيمان. قال رحمه الله تعالى: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. وهذا عليه الإجماع أيضا. هذه المسألة فيها إجماع أهل العلم، إجماع أهل العلم على أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. ومن أعظم أسباب الزيادة: معرفة أسماء الله عز وجل، ومعرفة صفاته، فهذا من أعظم أسباب زيادة الإيمان، معرفة الله عز وجل، ومعرفة أسمائه سبحانه، ومعرفة صفاته جل جلاله، هذا من أعظم أسباب الإيمان. ونقل عن الصحابة، عن غير واحد، أنهم قالوا: الإيمان يزيد وينقص، زيادته بالطاعة ونقصانه بالمعاصي. نقل عن جماعة من الصحابة هذا القول أيضا، وهو الموافق للأدلة، هذا هو الموافق لأدلة الكتاب والسنة. أدلة كثيرة على هذا الأمر: ﴿ فَعَمِلَ الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا ﴾، أي السورة التي نزلت فزادتهم إيمانا، فدل هذا على أنهم كانوا في نقص، كانوا في نقص. هذا معتقد أهل السنة والجماعة: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. هذا معتقد أهل السنة والجماعة في هذا الباب، وهو أولى المسائل التي ذكرها هؤلاء الأئمة رحمهم الله تعالى وغفر لهم، وجزاهم عن الإسلام والسنة خير الجزاء. ونقف عند هذا القدر، ونقرأ غدا المسألة التي بعده إن شاء الله تعالى.