شرح أصول السنة للرازيين 18

الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 18، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

النهي عن القتال في الفتنة ووجوب الاعتزال

يبيّن المقطع أن من عقيدة أهل السنة عدم الخروج على الأئمة والامتناع عن المشاركة في الفتنة التي يسفك فيها دماء المسلمين، مستدلاً بأحاديث تأمر بالهرب والاعتزال وكسر السلاح. ويؤكد أن الواجب لزوم البيوت وأن القاتل والمقتول في النار، مستشهداً بموقف الصحابة الذين اعتزلوا الفتنة الكبرى اقتداءً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم.

موقف الصحابة والأئمة من الفتنة الكبرى وحكم الخارجين

يعرض المقطع اعتزال كبار الصحابة للفتنة بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، وتأييد علي لموقفهم، وإجماع الأئمة على تحريم القتال في الفتنة مع وجوب قتال من يسعى لتفريق جماعة المسلمين القائمة. ويستدل بأحاديث نبوية في وجوب ضرب من يخرج على الأمة مجتمعة حتى لو كان صاحب صلاح، مبيناً أن القتال تحت راية عصبية جاهلية يعد قتلة جاهلية.

أحكام قتال البغاة والفرق بين القتال المشروع والفتنة

يبيّن المقطع أن قتال من يخرج على جماعة المسلمين ويستحل دماءهم ولا يفي بالعهود قتال مشروع وليس من قتال الفتنة المحرم، مستدلاً بحديث «من خرج على أمتي...» وموقف ابن عمر من بيعة يزيد. كما يوضح أن قتال الطائفة الباغية على طائفة مؤمنة مشروع حتى تفيء إلى أمر الله مستنداً إلى آيات سورة الحجرات، مع وجوب الإصلاح بالعدل، ضارباً أمثلة بقتال أبي بكر لمانعي الزكاة، ومؤكداً الفرق الجوهري بين هذا القتال المشروع وقتال الفتنة المحرم ووجوب السمع والطاعة للأئمة.

علامة أهل السنة في نبذ الفرقة والاختلاف

يختم المقطع ببيان أن أهل السنة يتميزون بعدم الحرص على الفرقة أو الاختلاف بل يتجنبون ذلك، مشيراً إلى أن تفصيل هذه العلامة سيأتي لاحقاً. ويختتم النص بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. لا زلنا في هذا الكتاب النافع «أصول السنة» للإمامين الجليلين أبي حاتم محمد بن إدريس الحنضلي الرازي، وأبي زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي، رحمهم الله تعالى. قالا رحمهم الله تعالى: «ولا نرى الخروج على الأئمة، ولا القتال في الفتنة، ونسمع ونطيع لمن ولاه الله عز وجل أمرنا، ولا ننزع يدا من طاعة، ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة». كنا البارحة في الكلام على الخروج على الأئمة، وأنه تواترت النصوص بمنعه والنهي عنه، وذكرنا الكلام على بعض الصور في هذا الباب. قالا رحمهم الله تعالى: «ولا القتال في الفتنة». هذا أيضا من عقيدة أهل السنة والجماعة، ومن مذهب السلف الصالح الذين رأسهم الصحابة الكرام، ومن تبعهم بإحسان. ولا القتال في الفتنة، فلا يجوز القتال في الفتنة التي تكون بين المسلمين، التي يقتل فيها المسلمون بعضهم بعضا. فهذه التي يكون فيها الفرقة، ويكون فيها سفك الدماء، لا يجوز المشاركة فيها لا بالسلاح، ولا باللسان، ولا بالوقوف فيها، بل الواجب الهرب منها والفرار عنها. هذا الذي جاء في النصوص الأمر به، والأدلة على هذا كثيرة جدا، موجودة في الصحيحين وفي غير الصحيحين. ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي إليها. من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد منها ملجأ أو معاذا فليعذ به». أي: من وجد ملجأ يلجأ إليه ويعتصم به، ولا يدخل في هذه الفتن، فالواجب عليه أن يلجأ إلى ذلك الملجأ. ومن وجد معاذا يعيذه من هذه الفتن والمشاركة فيها بالسلاح، أو باللسان، أو باليد، أو بالجنان، فليعذ به. هكذا يأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وجاء هذا اللفظ مفصلا في صحيح الإمام مسلم في حديث أبي بكرة رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ألا إنها ستكون فتن، ألا ثم تكون فتنة، القائم فيها خير من القاعد، والقاعد فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي. ألا إذا نزلت أو وقعت، فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كان له غنم فليلحق بغنمه، ومن كان له أرض فليلحق بأرضه». فقام رجل من الناس فقال: يا رسول الله، أرأيت من لا إبل له ولا غنم ولا أرض؟ قال: «يعمد إلى سيفه فيدق في حده بحجر، ثم لينجو إن استطاع النجاح». ألا هل بلغت؟ هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الكلمة والنصيحة العظيمة: «ألا هل بلغت، ألا هل بلغت، ألا هل بلغت» ثلاث مرات. ثم قام رجل فقال: أرأيت يا رسول الله، إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين أو إحدى الفئتين، فيجيء رجل بسيفه فيضربني، أو يجيء سهم فيقتلني؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «يبوء بإثمه وإثمك، ثم يكون من أصحاب النار». الأحاديث في مثل هذا كثيرة، بوجوب اعتزال الفتن التي تكون بين المسلمين. ولهذا قالا رحمهم الله: «ولا القتال، ولا نرى الخروج على الأئمة، ولا القتال في الفتنة». في حديث السنن أيضا، في حديث أبي موسى في الفتنة، قال صلى الله عليه وسلم: «كسروا قسيكم». القسي هي التي يرمى بها السهم. «كسروا قسيكم، وقطعوا أوتاركم، والزموا أجواف بيوتكم، وكونوا كابن آدم، الذي قال: ﴿إِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾». فهذا الذي يجب في قتال الفتن التي تكون بين طوائف المسلمين، أو بين طائفة من المسلمين وطائفة أخرى منهم. كذلك في بعض الأحاديث في مسند الإمام أحمد: «كونوا أحلاس بيوتكم». والحلس هو هذا السجاد الذي يوضع في المنازل، الحلس هو السجاد أو القطائف التي توضع في المنازل. اعتاد الناس أن أحلاس المنازل لا تخرج، إذا فرش في المنزل ذلك الحلس لا يخرج. فأنتم كذلك كونوا في الفتن أحلاس بيوتكم، أي: اجتنبوها ولا تشاركوا فيها. في الصحيحين أيضا في حديث أبي بكرة رضي الله عنه مرفوعا، قال صلى الله عليه وسلم: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار». قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل، أي: قد عرفنا موجب دخوله النار، فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصا على قتل صاحبه». في رواية: «إنه أراد قتل أخيه، إنه أراد قتل أخيه». هذه الأحاديث وغيرها في الباب صريحة في تحريم ونهي، والنهي عن القتال في الفتن. يجب على المسلم أن يجتنبها ولا يشارك فيها بشيء في هذه الفتن، لأنها تمزق المسلمين، ولأنها تهلكهم، وتستحل فيها دماؤهم وأموالهم وأعراضهم، تستحل في تلك الفتن العظيمة. فالواجب اجتنابها. هذا الذي ثبت في هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وإن وقع نوع من الظلم من بعضهم على بعض، فإن الظلم لا يبيح إحداث الفتن وسفك الدماء. الظلم لا يبيح ذلك، أن نسعى في الفتن ونسفك دماء المسلمين. إذا فهمنا هذا، فقد جرى في أول الأمر فتنة عظيمة بين الصحابة رضي الله عنهم، وجرى فيها القتال. فمنهم من يرى وجوب نصرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، لأنه كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «تقتلهما -أي الخوارج- أولى الطائفتين بالحق، أو أقرب الطائفتين إلى الحق». وهذا يدل على أن كلا الطائفتين المقتتلتين معهم شيء من الحق، غير أن عليا رضي الله عنه وأرضاه أقرب إلى الحق من غيره. وذهب أكثر الصحابة رضي الله عنهم إلى عدم المشاركة في هذه الفتنة. ولهذا اعتزل هذه الفتنة جماعة من خيار الصحابة، كمحمد بن مسلمة رضي الله عنه، الذي جاء في سنن أبي داود عن حذيفة قال: «ما أحد من الناس إلا تدركه الفتنة، إلا أخاف عليه منها، إلا محمد بن مسلمة، فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا تضره الفتنة، لا تضره الفتنة، أو قال: لا تضرك الفتنة». كان موقف محمد، والحديث صحيح. محمد بن مسلمة رضي الله عنه اعتزل هذه الفتنة. كذلك عبد الله بن عمر رضي الله عنه اعتزل هذه الفتنة. كذلك سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه اعتزل هذه الفتنة. كذلك أبو بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه اعتزل هذه الفتنة. كذلك أسامة بن زيد رضي الله عنه اعتزل هذه الفتنة. كذلك عمران بن حسين رضي الله عنه اعتزل هذه الفتنة. وأكثر السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار اعتزلوا هذه الفتنة. وفي آخر الأمر صوبهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ورأى أن ما هم عليه أولى مما هو عليه، وقد رأى دماء المسلمين، ورأى سفك الدماء العظيم، فندم رضي الله عنه وأرضاه. ولهذا كان يقول ويوصي إلى الحسن رضي الله عنه وأرضاه، ورضي الله عن أبيه أيضا، أن الخير فيما عليه هؤلاء الذين اعتزلوا، وأنني لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما دخلت فيه. رضي الله عنهم جميعا وأرضاهم. ولهذا ذهب جماهير علماء المسلمين، كمالك والأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق وغيرهم من أهل العلم، إلى اعتزال أيضا هذه الفتنة، وإن كان علي رضي الله عنه هو الأولى بالحق من معاوية رضي الله عنه. وقد يقول قائل: فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في عمار بن ياسر رضي الله عنه وعن أبيه وعن أمه: «تقتله الفئة الباغية». ثم قتل فيه من قبل معسكر أهل الشام، معسكر معاوية. فيقال: نعم، لكن حصول البغي من طائفة لا يعني وجوب قتالها. حصول البغي من طائفة ما لا يعني البدء بقتالها. والصحابة لم يكن في نيتهم القتال، وإنما الذي أشعل فتيل الفتنة هم الخوارج، إذ خافوا أن يصطلح الصفان وأن تجتمع الكلمة، فكانوا في الليل، في ليلتهم تلك، أغاروا على معسكر علي، فقال علي وأصحابه: غدر معاوية وأصحابه. ثم أغاروا على جند معاوية، فقال معاوية وأصحابه: غدر علي وأصحابه. ونشبت المعارك العظيمة بينهم، من غير ابتداء للقتال منهم. فهم أكثر الناس خشية لله في ترك مثل هذا. هناك صور لا تدخل في القتال في الفتنة الذي ذكره هؤلاء الأئمة إجماعا: «ولا نرى الخروج على الأئمة، ولا القتال في الفتنة». منها: قتال المسلمين إذا لمن خرج على حاكم قد قامت له الدولة وسلطانه قائم، ثم خرج خارج يفرق جماعة المسلمين. فهل يحل قتله وقتاله؟ هذه المسألة أفتى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بفتوى جليلة، بفتوى جليلة ظاهرة واضحة لا خفاء فيها ولا لبسة، في أحاديث في هذا الباب. منها ما جاء في صحيح مسلم عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع، فاضربوه بالسيف، كائنا من كان، فاضربوه بالسيف، كائنا من كان». ستكون هنات وهنات، أي: أمور منتقدة وزلات عظيمة من قبل بعض الولاة، لكن أمر الجماعة قائم، وأمر السلطان قائم، والجماعة واحدة. فيأتي من يريد أن يخرج على هذه الأمة المجتمعة، يريد أن يفرق جماعتها. يقول صلى الله عليه وسلم: «ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع، فاضربوه بالسيف، كائنا من كان». حتى لو كان من أهل الصلاح، ومن أهل الخير، ومن أهل التقى، فإنما دخله فتنة عظيمة لن تنتهي إلا بضعف الإسلام وأهله، وذهاب شوكة الإسلام، وتسلط أعدائه بسبب مثل هذا الأمر. ولهذا أفتى صلى الله عليه وسلم بوجوب قتله، كائنا من كان، أي: وقتاله، أي: وقتاله. في سنن النسائي أيضا عن أسامة بن شريك، قال صلى الله عليه وسلم: «أيما رجل خرج على أمتي، فاضربوه، أو فاضربوا عنقه. أيما رجل خرج على أمتي، فاضربوا عنقه، يفرق بين أمتي، فاضربوا عنقه». فإذا خرج مفرقا للجماعة، ولو أنه فيها هنات وهنات، الواجب الصبر، فإن مفسدة القتال أعظم من مفسدة ما يراه في تلك الهنات والهنات. في صحيح مسلم أيضا عن أبي هريرة، قال صلى الله عليه وسلم: «من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات، فميتة جاهلية. ومن قتل تحت راية عمية» -ويقرأ أيضا: «تحت راية عمية»- «يغضب لعصبية، أو يدعو إلى عصبية، فقتل، فقتلة جاهلية. ومن خرج على أمتي، يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى مؤمنها، ولا يفي لذي عهد بعهده، فليس مني ولست منه». هذا الحديث من الأحاديث العظيمة التي هي من الأحاديث الصريحة في موقف المسلم من الفتن، في موقف المسلم من الفتن. فإذا وجدت هناك دول قائمة، فالواجب الطاعة، وإن وجدت المعاصي. «من خرج من الطاعة وفارق الجماعة»، أي: الولاية والدولة، هذا المراد بالجماعة. وفارق الجماعة، فمات حال كونه خارجا عن جماعة المسلمين المجتمعة على ولي أمر ما، وإن كان له هنات وهنات، فهذا إن مات فوصف ميتته تلك ميتة جاهلية. ثم قال صلى الله عليه وسلم: «من قتل تحت راية عمية». قال الإمام أحمد وجمهور العلماء: عمية من العمى، أي: لا يدري حقيقتها، ولا أولها، ولا آخرها، ولا مآلها، ولا ما هي عليه في نفس الأمر. ومن قتل تحت راية عمية يغضب لعصبية، فمثل الغضب العصبي، في رواية: «يغضب لعصبة، وينتصر لعصبة، أو لعصبة»، أي: نحن أصحاب بلاد كذا، فيتعصب لبلده، أو لقوميته، أو لجنسه، أو لغير ذلك. هذا من قتال الجاهلية والفتن العظيمة، نسأل الله العافية والسلامة. يغضب في راية عمية، يغضب على عصبية، أو يدعو إلى عصبية. كثير من القتال الموجود اليوم عصبيات جاهلية، لا تمت إلى دين الله عز وجل بصلة. كالدعوة إلى القومية مثلا، الدعوة إلى القومية تعتبر من الدعاوى الجاهلية. الدعوة إلى القومية، أو إلى جنس من الناس، أو إلى قبيلة من الناس، أو إلى شعب من الناس، تعصب لشعب معين، هذا أيضا من الراية العمية، أو الشعوبية. يغضب لعصبية، ينتصر لعصبية، يدعو إلى عصبية، فقتل في ذلك الوضع، فقتلة جاهلية. هذه مسألة مهمة، وهي منتشرة اليوم وظاهرة، والمؤمن الحليم تكفيه إشارة من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. «ومن خرج على أمتي، يضرب برها وفاجرها»، لأجل عصبية. فإذا وقف أمامه أناس من خير الناس، لا يرون ما يرون في تلك العصبية، أو تلك الجاهلية، أو تلك القومية، أو تلك الشعوبية، يضربهم بسيفه، يستحل دماءهم. «ومن خرج على أمتي، يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها»، أي: لا يتردد، إن كان أمامه أصلح الناس أن يقتله، ويتجاوزه ويمشي في دعوته في طريقه، لا يتردد، لا يكترث بما يفعله، ولا ينظر في عاقبة الأمور، ولا يبالي بما يصنع، عنده الأمر يسير، ولا يخاف الوبال، وبال أمره، أمره، ولا يخاف عقوبة أمره. «ولا يفي لذي عهد بعهده». إذا تم العهد لحاكم ما، فالواجب الوفاء به. ولهذا كان ابن عمر يقول لأبنائه: «والله لا أعلم أن شخصا خلع يزيدا إلا فعلت به كذا وكذا من النكال». يقول لأبنائه، والسبب أنه تمت البيعة ليزيد، وإن كان يزيد فيه من الظلم والسرف، فيه من المعاصي ما فيه، وإن كان يوجد من هو خير منه في الأمة، ولكنه قد تم له الأمر، فمثل هذا يجب الوفاء لعهده. «ولا يفي لذي عهد بعهده، فليس مني ولست منه». هذا الحديث وأمثاله من الأحاديث العظيمة. إذا قام ولي الأمر في قتاله هذا وأمثاله، فإن هذا القتال قتال مشروع، وليس من قتال الفتن، لأن القصد منه ليس تفريق المسلمين، وإنما القصد منه جمعهم، وإبعاد الشر الأعظم عنهم، كما قال أهل العلم. ولهذا هذا لا يدخل في قول المصنفين رحمهم الله تعالى: «ولا نرى الخروج على الأئمة، ولا القتال في الفتن». هذا باب آخر. أيضا من الأمور المستثناة: ما لو بغت طائفة مؤمنة على طائفة مؤمنة أخرى، حتى سفكت الدماء، ولم يمكن انكفافها إلا بقتالها، فيشرع قتالها، ولا يكون هذا القتال من قتال الفتن. الأصل في هذا قول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾. وهذا يدل على أن اقتتالهم لا يعني خروجهم من الإيمان، خلافا للخوارج وغيرهم. ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾. لا يشرع القتال ابتداء، ابتداء لا يشرع القتال، ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾. المتعين الصلح بينهما، فيسعى طرف ثالث من ولاة الأمر ونحوه إلى الصلح بين هاتين الطائفتين، وهاتين الفئتين المقتتلتين، اللتين بغت إحداهما على الأخرى. ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾. قال الله: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾. هذا يكون بطرف ثالث. يكون بطرف ثالث. ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾. أي: ترجع إلى أمر الله. يقول أهل العلم المفسرون كابن جرير وغيره من أهل العلم: هذا القتال، القصد منهم إلزامهم بالحق، ووضعهم عند الحق، وردهم عن هذه الفتنة، وهي بغيهم على إخوانهم، بغيهم على إخوانهم. فإنهم إن قاتلوا إخوانهم، فإن إخوانهم سيقاتلونهم، فتكون فتنة عظيمة، لا يعلم مداها ولا ضررها إلا ربنا سبحانه وتعالى. فكان ضرب هذه الطائفة لأجل أن تهدأ وتلزم الحق وحكم الله، هو المتعين. قال الله: ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. فيجب حينئذ الصلح بينهما، وليس صلحا كما يفعله بعض المصلحين في هذه الأزمان، يأتي إلى طائفتين حصل بينهما ما حصل ليصلح بينهما، فيأتي على الطرف الضعيف فيضغط عليه، كما يقولون: يأتي على الطرف الضعيف ويأمره بأمور يسترضي بها الطرف القوي حتى يرضى، فإذا رضي قال: أصلحنا بينهم. هذا من الظلم، ليس من الصلح. قال الله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾. فإن كانت الطائفة القوية فيها ظلم، قيل لها: يا أخي، هذا ظلم، وهذا خطأ، وهذا ليس بحق، يجب أن ترجعوا عنه، وحكم الله فيكم أن تفعلوا كذا وكذا وكذا. ويقال للضعيف كذلك: أخطأت في كذا، وجاوزت الحق في كذا، وكان الواجب عليك كذا، ففعلت كذا، فحكم الله فيك وفي أخطائك كيت وكيت. هذا الذي يجب في الصلح. ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾. فهذا القتال ليس من قتال الفتنة، بل هذا من القتال الذي تدفع به الفتنة، لمن فهم الأمر. ويدخل في هذا قتال أبي بكر، قريب من هذا الباب أيضا. قتال أبي بكر لمانع الزكاة، الذين كانوا يقولون: أطعنا رسول الله ما كان بيننا، فيا لعباد الله، ما لأبي بكر؟ أي: ورثها بكرا إذا مات بعده، فتلك لعمر الله قاصمة الظهر. منعوا الزكاة، وقالوا: إنما هي لرسول الله. وكانوا ثلاثة أصناف. فقال أبو بكر: «والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه، أو يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لقاتلتهم عليه». فقام عمر رضي الله عنه وناقشه، الحديث المشهور، ثم شرح الله صدر عمر، قال: فقاتلهم الصحابة جميعا رضي الله عنهم وأرضاهم. هذا القتال لهذه الطائفة ليس من قتال الفتنة، فلا ينبغي أن نخلط الأمور. هذا من قتال، بل هذا من القتال الذي تستدفع به الفتنة، وتدفع به في نحرها، وتؤد. وكذلك قتال ولاة الأمر للطوائف الممتنعة عن شريعة الله عز وجل. قرية من القرى امتنعوا عن الصلاة مثلا، يرسل إليهم الولاة من ينصحونهم ويبينون لهم، فإن عاندوا وحملوا السلاح وأرادوا القتال، فإنه يجب قتالهم حتى يؤدوا الصلاة، حتى يؤدوا تلك الصلاة. فهذا القتال ونحوه ليس من قتال الفتنة. قتال الفتنة ما يكون في مثل صور، منها: خروج طائفة على ولاة أمور المسلمين قبل اشتداد الأمور، فمثل هذا في بعض صوره قد يكون من قتال الفتن، إذا كانت تسفك الدماء الكثيرة في مثل هذا الأمر، في مثل هذا الأمر. أم خروج الباغي على ولاة الأمر، وقد استقر أمر المسلمين واجتمعت كلمتهم، فإنه يجب قتله، ويجوز قتاله حتى يرجع ويفيء إلى الله عز وجل، ويترك أمر الفتنة. لهذا قال رحمه الله: «ولا نرى الخروج على الأئمة، ولا القتال في الفتنة»، أي: التي تكون بين المسلمين. «ونسمع ونطيع لمن ولاه الله أمرنا، ولا ننزع يدا من طاعة، ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة». وهذا المبحث الأخير في اجتناب الخلاف والفرقة، باب عظيم، باب عظيم، يغفل عنه كثير من الناس في مثل هذه الأزمان وغيرها. فليس من علامة أهل السنة الحرص على الفرقة، والحرص على الاختلاف، ونحوه، كما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى. هذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.