الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 19، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يؤكد الدرس أن السمع والطاعة للأئمة ولزوم السنة والجماعة واجب، وأن اجتماع الأمة لا يتم إلا بتقوى الله وإخلاص الدين له. ويستدل بقوله تعالى ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾ وبنعمة الله على الأوس والخزرج.
يشدد المقطع على وجوب الاعتصام بدين الله والجماعة وينهى عن التفرق المذموم بعد قيام الحجة، مبيناً أن اختلاف العلماء في المسائل الاجتهادية سائغ ما لم يقترن بالبغي. ويستشهد بآيات وأحاديث وأقوال السلف كقصة الشافعي ويونس وابن تيمية.
يبيّن أن أصل الفرقة هو البغي والعدوان بعد قيام الحجة لا الاجتهاد المشروع، وأن الواجب الرجوع إلى الكتاب والسنة عند الاختلاف. ويؤكد أن الصبر على أذى المسلمين المتأولين أولى من الصبر على أذى الكفار مع وجوب العدل مع الموافق والمخالف.
يأمر الله المؤمنين بالقيام بالقسط والشهادة بالحق، وينهاهم عن أن يحملهم بغض قوم على ترك العدل، مؤكداً أن العدل أقرب للتقوى. ويختتم الدرس بالتأكيد على العدل كوسيلة لدرء الفتنة.
أما بعد، فَلَزِلْنَا في هذه العقيدة النافعة التي أجمع عليها أهل السنة والجماعة في كل زمان ومكان، والتي أجمع عليها السلف رضوان الله عليهم، ونقل إجماعهم غير واحد منهم، هذان الإمامان العظيمان: أبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي الرازي، وأبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي، رحمهم الله تعالى وغفر لهما، فيما نقله عنهما وسألهما فيه تلميذهما الإمام الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم، رحمه الله تعالى. وَلَزِلْنَا في هذه الرسالة النافعة نتدبر ألفاظها ومعانيها. قالا رحمهما الله تعالى: «لا نرى الخروج على الأئمة، ولا القتال في الفتنة، ونسمع ونطيع لمن ولاه الله عز وجل أمرنا، ولا ننزع يدًا من طاعة، ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة». وكان جرى الكلام في هذه الفقرة على المسألتين الأوليين: المسألة الأولى: «لا نرى الخروج على الأئمة»، والمسألة الثانية: «ولا القتال في الفتنة». واليوم نقرأ الكلام على المسألة الثالثة، وهي: الحرص على الجماعة ونبذ الشذوذ والخلاف والفرقة، فهي المسألة الثالثة من المسائل التي يحويها هذا الكلام النافع: «ونسمع ونطيع لمن ولاه الله عز وجل أمرنا، ولا ننزع يدًا من طاعة، ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة». وهذه المسألة مسألة جليلة، وهي من علامات أهل السنة والجماعة، وبها سُمُّوا: فهم أهل سنة، وهم أهل جماعة، يجتنبون الفرقة وأسبابها. أهل السنة والجماعة وأتباع سلف الأمة حريصون على اجتناب الافتراق والاختلاف المذموم. وهذه القضية من القضايا العظيمة في هذا العصر، بل وفي غيره من الأعصار والأزمان. ومعلوم أنه لا يستقيم حال الناس في دينهم ولا في دنياهم إلا بحرصهم على الجماعة؛ فإذا حرصوا على الجماعة والائتلاف والمحبة، وابتعدوا عن الفرقة والاختلاف والبغضاء والعداوات والمنازعات، حصل لهم الخير العظيم، وظهر أمرهم في دينهم، بل وفي دنياهم أيضًا. فالأُلفة والمحبة والوئام والائتلاف مما يحرص عليه أهل السنة والجماعة، والفرقة والاختلاف والتنازع من علامات أهل الأهواء والبدع، عياذًا بالله. وهذا الاجتماع المطلوب، وهذا الائتلاف المرجوب، وهذا الاتفاق الذي يحرص عليه، لا يكون إلا باتفاق العقائد والدين، وأن يكون الدين كله لله. هذا هو الاجتماع الحق الذي يجب الحرص عليه: أن يكون الدين كله لله عز وجل وحده لا شريك له، وأن يكون دينًا صافيًا نقيًا بعيدًا من الأهواء والبدع والضلالات والشوائب وغير ذلك. فيجب على المسلمين أن يحرصوا على هذا الدين الذي جاءت به الرسل كما جاءت به الرسل، أن يقيموا الدين لله عز وجل وحده، أن يقيموه في أنفسهم ومع غيرهم كما جاء به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا الأمر يحتاج إلى تقوى الله عز وجل، لا بد من تحصيل التقوى حتى يحصل هذا الائتلاف وهذه المودة المأمور بها، وهذه المحبة المطلوبة. لا بد من تقوى الله عز وجل، تقوى يعظم فيها المتقي أمر الله، ويعظم فيها كتاب الله، ويعظم فيها المحرمات والمخالفات، ويعظم فيها أمر الطاعات. وهذا الأصل جاء في القرآن الكريم في سورة آل عمران مبينًا واضحًا جليًّا، فقال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. هذا الأمر الأول. ثم قال بعدها: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. هذا الأمر الثاني بعد الأمر الأول. الأمر الأول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، ثم قال بعدها في الأمر الثاني: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾. قال الزجاج: معنى ﴿اعْتَصِمُوا﴾ أي استمسكوا، وهذا يدل على شدة الأخذ وعدم التهاون في أخذ دين الله عز وجل. ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾، هذه الجملة حالية من غير استثناء، أي حال كونكم مجتمعين، هذا إعرابهم. ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾، ثم أكد الله عز وجل هذا الاجتماع المطلوب بقوله: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، ثم ذكرهم بما كانوا عليه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. هذا الكلام، يقول عماد الدين ابن كثير: الأولى في السياق أن يكون الكلام مع الأوس والخزرج: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾. كانوا متناحرين، لهم حروب أفنى فيها الشباب، وفني فيها الشيوخ، وهرم فيها الأطفال، وكتبت فيها القصائد والعصبيات، وكانوا على بغضاء عظيمة، وعداوة كبيرة، حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء هذا الدين، فدخلوا فيه، فألف الله بين قلوبهم. قال الله ممتنًا على نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾. لو جمعت الأموال العظيمة من أجل أن تجمع هؤلاء على قلب رجل واحد، ما استطعت لذلك سبيلًا، ولكن الله ألف بينهم، أي بهذا الدين، وبالتمسك به. فعلم أن الأمة لا يجمعها مال، ولا يجمعها إلا دين الله عز وجل، كما تقدم في أول الكلام. ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾، صاروا إخوانًا يحب الأخ أخاه بعد أن كان يبغضه، ويوده وهو صادق في مودته، ويؤثره على نفسه بعد أن كان يبغي رأسه ودمه، ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، كما قال الله عز وجل في صفات هؤلاء الكرام، في صفات الأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾، هذه المحبة، ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. ﴿فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾، هذا تأكيد للأمر السالف، وتحذير لهم عن الفرقة والخلاف. ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. يوم ﴿تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. جاء عن أبي أمامة أن الذين سُوِّدَت وجوههم هم الخوارج، وروي عن ابن عباس أن الذين بِيضَّت وجوههم هم أهل السنة والجماعة، وفي إسناده نظر، وإن كان المعنى صحيحًا. وحبل الله هو دينه، وهو القرآن الكريم، وهو الإسلام، كل ذلك تفاسير صحيحة، وهو الدين، وهو الإخلاص لله عز وجل. فيها نحو ستة تفاسير في تفسير «بحبل الله». شاهد أن هذه الآية تعتبر منهجًا لمن أراد الاعتصام؛ يأمرهم الله بالجماعة، وينهاهم عن الفرقة، ويأمرهم بالتمسك بالدين. وفي هذا المعنى ما جاء في صحيح مسلم عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا، ويكره لكم ثلاثًا: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم. ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال». فهذه الثانية: «أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا» هذا التوحيد. «وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا» هذا الأمر بالجماعة والنهي عن الشذوذ والخلاف والفرقة. «وأن تناصحوا من ولاه الله أمره» قد يكون سبب الخلاف وجود الحاكم أو المعاصي التي تصدر منهم، فالواجب المناصحة. هذه المسألة من المسائل العظيمة التي يجب الحرص عليها، وهي أمر نبذ الخلاف ونبذ الشذوذ والفرقة عند من يتمسكون بهذا الدين حق التمسك. يقول المؤلفان رحمهما الله تعالى: «ونتبع السنة والجماعة». هناك سنة مروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهناك جماعة، وهم ولاة الأمر. وأهل السنة تارة يطلق لفظ الجماعة على ولاة الأمر، في ترك الخروج عليهم والأمر بائتلاف القلوب معهم والصبر عليهم وعدم نزع اليد من طاعتهم. وتارة يطلق على عقيدة السلف، وأنها عقيدة أهل السنة والجماعة، أي الذين اجتمعوا عليها واتفقوا عليها، فهذه أيضًا يجب لزومها وعدم تركها. وأمر الاختلاف وارد في الناس، فالناس في طبائعهم مختلفون، في مآكلهم مختلفون، في مشاربهم مختلفون، في ملابسهم مختلفون، في سائر حياتهم، هذا من طبيعة البشر. هذا يحب الطعام الفلاني وهذا يكرهه، وهذا يحب الشراب الفلاني وهذا لا يحبه، وهذا يحب اللباس الفلاني وهذا لا يلبسه، فهذا شأن الناس. فالاختلاف منه محمود ومنه مذموم. فأما اختلاف أهل العلم والسنة في مسائل الفقه وفي مسائل العلم، يختلفون في استنباط المسألة، فهذا يرى حلها وهذا يرى حرمتها وهذا يرى كراهتها وهذا يرى استحبابها ونحو ذلك، هذا الاختلاف وارد وليس من الاختلاف المذموم، لأنه ليس فيه تفرق، وليس فيه تنازع، وليس فيه بغضاء ولا عداوة. فيبغض الأخ أخاه؟ لماذا تبغضه؟ قال: لأنه يفتي بكذا. هذا من التفرق المذموم، هذا من التفرق المذموم. مما جاء في ترجمة الإمام الشافعي رحمه الله أنه قال: يونس بن عبد الأعلى الصدفي: «اختلفت وتناظرت أنا وأبو عبد الله الشافعي في مسألة، ثم ذهبت مغضبًا إلى بيتي، فجاءني الشافعي، وما رأيت أعقل منه». هكذا يقول في أول الكلام: «ما رأيت أعقل من أبي عبد الله الشافعي». قال: «فجاءني إلى بيتي فضرب علي الباب، وقال: أفلا نكون إخوانًا وإن اختلفنا في مسألة؟». وعلق الذهبي رحمه الله على هذا الموضع بأن هذا من المواضع التي تدل على عظم عقل أبي عبد الله الشافعي. هذه مسألة فقهية تناظرنا وربما تغاضبنا، لكن هل نتفرق من أجلها؟ هل يصير بيننا البغضاء والعداوة أو أمور عظيمة؟ هذا لا يفعله إلا أهل الأهواء، عياذًا بالله. لهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن الاختلاف السائغ لا يوجب الفرقة إلا إذا حصل البغي، إذا حصل البغي من أحد الطرفين يحدث حينئذ الافتراق والخلاف». اختلاف السائغ لا يوجب هذا، لا يضر أن يختلف العلماء، هذا حلال وهذا حرام، والمسألة اجتهادية، المسألة فيها اجتهاد، فيها أخذ ورد، فهذا لا يوجب، لا يبلغ أن يوجب الفرقة بين المسلمين، ولا التنازع بينهم، ولا الفتنة بينهم، ولا يوجب الفرقة معهم إلا إذا وجد البغي. أما مجرد الاجتهاد، الاجتهاد والاختلاف، فهذا أمر سائغ موجود. ولهذا قال الله في أهل الكتاب: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾، يبغي بعضهم على بعض حسدًا وعدوانًا وظلمًا، فيحدث حينئذ أمور عظيمة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾، قال الله: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾. فهؤلاء ليسوا من رسول الله، ولا رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم، لأنهم فرقوا دينهم وصاروا شيعًا وأحزابًا، يتعصبون لأقوالهم وآرائهم أعظم من تعصبهم لكتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾. كان الناس أمة واحدة، هذا الأصل مجتمعين غير متفرقين، متآلفين غير متباغضين، متحابين متوادين، كان الناس أمة واحدة لأنهم متمسكون بدين أنبيائهم. ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾، مبشرين لمن فعل الخيرات، ومنذرين لمن عصى الله عز وجل بالعقاب، ﴿وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. ما كان موجبا للخلاف نظرنا فيه وفق الكتاب، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، وأنزل معهم الكتاب بالحق ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. قال الله بعدها: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾، هكذا قال الله عز وجل: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. الذين اختلفوا فيه، ما اختلفوا فيه كما يقول المفسرون كابن كثير، إلا بعد أن قامت عليهم الحجة، وقامت عليهم البينات. ﴿مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ في آية الشورى: ﴿مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾، خطر الفرقة، خطر الاختلاف. ما الواجب عند الاختلاف؟ ما الذي يجب؟ الرجوع إلى الكتاب والسنة متجردين لله عز وجل من غير أهواء. ولكنهم ﴿مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. ويقول سبحانه وتعالى في الآية الأخرى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ﴾، يقول: العلم، أي بعد هؤلاء المختلفين جاء جيل جديد، هذا الجيل وجد الذين قبله متفرقين مختلفين متناحرين متضادين. قال الله: ﴿مَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. ثم قال الله عز وجل بعدها مبينًا أن الذين جاءوا من بعد وجدوهم على هذا الحال متناحرين متضادين: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾، في شك عظيم في قلوبهم وريب من هذا الخلاف وهذا الاختلاف. وقول أصحابنا: «إنما نحن فيه الحق»، لا زال في قلوب هؤلاء الأتباع. يقول الله: ﴿لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ﴾، أي من هذا الخلاف الذي بني على البغي والعداوة والبغضاء والتحاسد والظلم لطائفة على طائفة. يقول ابن كثير رحمه الله في تفسير هؤلاء الآيات في هذا المعنى: «بَغْيًا بَيْنَهُمْ»، فيبغي هؤلاء على هؤلاء ظلمًا وحسدًا وبغضاء وعداء، حتى يردوا كل ما معهم من الحق، فينتج عن هذا أن يقولوا بالباطل في بعض المسائل، فيحدث الخلاف وتحدث الفرق والطوائف والجماعات، لصحة التعبير. فنسأل الله العافية والسلام. ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾. ما هو الواجب عند الاختلاف؟ الاختلاف المذموم هو أن يُختلق أمر، هذا اختلاف مذموم ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله، ثم يُعقد دونه الولاء والبراء، كما فعلت الخوارج: اخترعوا أمورًا وأقوالًا، ثم ألزموا بها، ثم قاتلوا دونها. انتقلوا من مجرد الإنكار إلى مرتبة العداوة والبغضاء والهجر ونحوها، ثم انتقلوا بعدها إلى مرحلة القتال وسفك الدماء والتكفير بهذه المخالفات. وأصل المسألة مخالف للكتاب والسنة، أصل مسألتهم وأصل قولهم لا يدل عليه الكتاب ولا السنة. هذا أمر ليس أهلًا للاجتهاد حتى يقال: هذا اجتهاد. مسائل إنما هم أهل هوى، أهل هوى، نسأل الله العافية والسلام. فأصل كثير من الخلافات: البغي والعدوان والظلم والتعدي على من خالف. هذا المخالف، الواجب في مثل هذه الأحوال إذا حصل البغي من طائفة من المسلمين على طائفة أخرى: الواجب الصبر، وأن لا تُرد السيئة بالسيئة. الواجب الصبر، فإن النار لا تطفئها النار. من ظن أن النار تطفئها النار أو تطفئها النار فهو مخطئ، إنما الذي يطفئ النار الماء البارد، الماء هذا الذي يطفئ النار. فينبغي سلوك مسلك الحكمة في هذه الأحوال. إذا وجدنا بين المسلمين العداوة والبغضاء، فالواجب سلوك المسالك الشرعية، ومنها الصبر. والصبر لا يكون فيه شكوى، ولا يكون فيه انتقام، وإنما فيه صمت، فيه حلم، فيه احتمال، فيه عدم مجازاة على تلك السيئات وتلك المظالم. والله عز وجل يقول: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾. ثم قال: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. هذا في الأذى الكثير الذي يكون ممن يكون من أهل الكتاب الكفرة، من كفرة أهل الكتاب، ومن المشركين، أذى كثير. قال الله: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. قال أهل العلم: فالمؤمنون المتأولون في بغيهم وعدوانهم أولى بالصبر عليهم، أولى بأن يُصبر عليهم. فإذا أمر الله بالصبر والمصابرة، بالصبر على أذى المشركين وأذى الكفار، فالصبر على أذى المسلمين أولى. وهذا واضح في الآية، هكذا قال أهل العلم. وفيها أيضًا أنه ينبغي العدل مع الموافق والمخالف، هذا أيضًا من أسباب، من الأسباب التي توأد بها الفرقة، البعد عن الظلم مع الموافق أو مع المخالف. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ