الدرس في شرح الباعث الحثيث 38، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يشرح المحور مفهوم الإدراج في الحديث بأنه زيادة لفظية في المتن أو الإسناد من كلام الراوي يُظن أنها من الحديث، مع ذكر أمثلة من الصحاح والمسانيد كقول عائشة في التحنث وحديث الغرة والتحجيل. ويؤكد أن الأصل في الحديث عدم الإدراج، فمن ادعاه فعليه الدليل القاطع، وينتقد استدلال بعض العلماء برواية ضعيفة لرد حديث متفق عليه.
يسرد المحور مثالاً عملياً على الوهم في الرواية حيث سمع ثابت بن موسى شريكاً يصف حاله بقوله: «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار»، فظنه ثابت متناً مرفوعاً فرواه عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر. ويبين أن ذلك كان مجرد وصف من شريك لثابت وليس حديثاً نبوياً، مما يوضح آلية وقوع الإدراج غلطاً.
يختتم المتحدث الدرس بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ويشكل هذا الدعاء خاتمة طبيعية للجلسة العلمية بعد استيفاء مباحث الإدراج وأمثلته.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام العماد ابن كثير، المتوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة للهجرة، رحمه الله تعالى، في كتابه النافع «الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث»: النوع العشرون، معرفة المدرج. المدرج باب من الأبواب المهمة في الأحاديث، والغالب فيه إدراج المتن وإدراج الإسناد، سيأتي الكلام عليه في نوع متصل الأسانيد. سيأتي تعريف المدرج، قال رحمه الله تعالى: معرفة المدرج، وهو أن تزاد لفظة في متن الحديث من كلام الراوي، فيحسبها من يسمعها مرفوعة في الحديث فيرويها كذلك، أو أن يتكلم الراوي بكلمة فيظن السامع أن الكلمة هي متن الحديث فيحفظها على أنها من الحديث، أو أنها هي الحديث، وليست كذلك، إنما هي كلام هذا الراوي، وليست من الحديث. وله أمثلة كثيرة جدا. قال: وقد وقع من ذلك كثير في الصحاح والحسان والمسانيد وغيرها، يعني يأتي الراوي فيدرج لفظة على وجه التفسير أو على وجه الإيضاح، فيظنها السامع من الحديث ومن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيرويها كذلك، وليس الأمر كذلك. قال: وقد وقع من ذلك كثير في الصحاح والحسان والمسانيد وغيرها، أي في الأحاديث الصحاح، وفي الأحاديث التي يقال عنها حسان، وفي كتب المسانيد، وفي غيرها كالسنن، بل في الصحيحين أيضا. قال رحمه الله: وقد يقع الإدراج في الإسناد، ولذلك أمثلة كثيرة، وقد صنف الحافظ أبو بكر الخطيب - وما من فن من فنون الحديث غالب إلا وتجد له فيه كتابا حافلا ممتعا جامعا، رحمه الله تعالى وغفر له - لكن كثيرا من كتبه مفقود اليوم، كثير من كتبه المصنفة مفقود اليوم، ولعل الله يسر فيوقف على هذه المخطوطات فتخرج للناس يستفيدون منها فائدة عظيمة. وقد نقل منها في كتب، ونقل واختصر من هذه الكتب ما وجد، وجد اختصارات الحافظ ابن حجر وغيره. قال: وقد صنف الحافظ أبو بكر الخطيب في ذلك كتابا حافلا سماه «فصل الوصل لما أدرج في النقل»، وهو مفيد جدا. طبع في هذه الأزمان مجلدان: «فصل الوصل في بيان المدرج في النقل» أو بهذا الاسم، طبع قريبا في السنوات الماضية، كتاب في هذا الباب تأليف الخطيب البغدادي. الشيخ ذكر في الحاشية أمثلة. وينبغي أن يعلم أمور: الأمر الأول، أن الأصل في الحديث عدم الإدراج، فمن ادعى الإدراج فلابد أن يذكر الدليل الواضح الذي لا يختلف فيه. هناك أمور لا بد من تحقيقها بهذا الباب، منها أن الأصل في الحديث عدم الإدراج، وليس لأحد بمجرد استشكاله أو نحوه أن يدعي أن لفظة ما هي مدرجة في الحديث، هذا لا يحل، بل لا بد من التحري، ولا يقبل. إذن الأصل عدم الإدراج في الحديث، فمن ادعى الإدراج طالبناه بالدليل الواضح على الإدراج، فإن لم يذكر عدنا إلى الأصل وهو عدم الإدراج. مثل الشارح بأمثلة منها: قال: مثال المدرج في أول الحديث، قد يكون إدراج في أول الحديث، قد يكون إدراج في وسط الحديث، قد يكون إدراج في آخر الحديث. قال رحمه الله: مثال المدرج في أول الحديث، ما رواه الخطيب في رواية من رواية أبي قطن وشبابة عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أسبغ الوضوء، ويل للأعقاب من النار». فقوله: «أسبغ الوضوء» مدرج من قول أبي هريرة، كما بين في رواية البخاري عن آدم بن أبي إياس عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: «أسبغ الوضوء، فإن أبي القاسم صلى الله عليه وسلم قال: ويل للأعقاب من النار». قال الخطيب: وهم أبو قطن وشبابة في روايتهما له عن شعبة على ما سقناه، وقد رواه الجم الغفير عنه كرواية آدم. إلى آخر: «أسبغ الوضوء» أراد أبو هريرة لنصح الناس فقال لأصحابه: «أسبغ الوضوء»، ثم قال: «ويل للأعقاب من النار»، فقال الرواة: فقد سمعوا أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أسبغ الوضوء، ويل للأعقاب من النار». وزيادة «أسبغ الوضوء» هي من فهم أبي هريرة رضي الله عنه. أمثلة كثيرة، ومن أمثلتها حديث ثابت، طالت في الأمثلة، أي دخل ثابت صفحة لبعدها. هذا أيضا من الأمثلة الطريفة: مثاله حديث رواه ابن ماجة عن إسماعيل الطلحي عن ثابت بن موسى العابد الزاهد، ثابت بن موسى فيه غفلة، وكان رجلا زاهدا عابدا صواما قواما، رحمه الله، عن شريك، شريك بن عبد الله النخعي، عن الأعمش عن أبي سفيان جابر مرفوعا: «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار». قال الحاكم: هذه القصة هي المهمة. دخل ثابت على شريك وهو يملي، ويقول: «حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم»، وسكت ليكتب المستملي. المستملي هو الذي يبلغ الناس، عادت المحدثين أن المجالس مليئة، فأحيانا الشيخ لا يبلغ صوته من في آخر المجلس، فيقيم رجلا إما على دكة وخشبة على مسافة يسمع الشيخ ثم يبلغ من بعده. المستملي يقول: يقول شريك: «حدثنا الأعمش»، فيقول المستملي: «حدثنا الأعمش»، فيسمع الناس، وهكذا. إن احتيج إلى مستملي آخر ثالث ورابع، أحيانا يكون في المجلس أكثر من تسعين ألف، مستملي كيف يغطى هؤلاء كلهم؟ تسعين ألف يحتاج إلى عدد من المستملي، كل واحد في جهة يبلغ. قال: يعني الشيخ «حدثنا الأعمش» ويرفع صوته ويكون صيته. قال بعض المحدثين: وكان المستملي أبو فلان صوته كأنه الرعد، يعني إذا قال: «حدثنا» كأنه الرعد، ما شاء الله من قوة ما أتاه الله من صوت، سبحان الله. القصة: أن شريكا ذكر الإسناد ثم سكت من أجل أن المستملي يبلغ، قل لي يكتبون، يكتبون. فلما نظر إلى ثابت، ثابت دخل، فرآه شريك من بعيد، وكان ثابت، قلنا: ثابت بن موسى الزاهد العابد، رجلا من الصالحين، رحمه الله، فيه غفلة، من الصالحين، ورأى في وجهه أثر العبادة. فلما رأى قال شريك من عند نفسه، ليس حديثا: «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار»، يعني من، يعني وجه ثابت، لا يعني أن هذا هو المتن ولا الحديث: «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار». قال الحاكم: وسكت ليكتب المستملي، فلما نظر إلى ثابت قال: «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار»، وقصد بذلك ثابتا لزهده وورعه، فظن ثابت أنه متن ذلك الإسناد، فكان يحدث به فيقول: سمعت شريكا يقول: «حدثني الأعمش عن أبي سفيان عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار». جاء المحدثون فقالوا: وهي مثال طلب، الموجودون ما فهموا هذا، عرفوا من نغمة الكلام، عرفوا من نغمة الصوت أنه لا يعني ذكر الحديث، إنما هذا وصف للداخل وهو ثابت. وقال ابن حبان: إنما هو قول شريك قاله عقب حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوع: «يعقل الشيطان على قافية رأس أحدكم»، فأدرجه ثابت في الخبر، ثم سرقه منه جماعة من الضعفاء وحدثوا به عن شريك. هذا مثال آخر للمدرج، هناك أمثلة كثيرة، والحافظ ابن حجر له ملخص لكتاب الخطيب البغدادي. فالمدرج هو أن يزيد الراوي في الحديث زيادة تفسيرية، كحديث عائشة في الصحيح في حديث بدء الوحي، أن عائشة قالت رضي الله عنها: «والتحنث التعبد»، كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحنث الليالي ذوات العدد، قالت عائشة: «والتحنث التعبد»، هذا زيادة، «والتحنث التعبد» من قول عائشة رضي الله عنها تفسيرا لمعنى «كان يتحنث الليالي ذوات العدد»، وقيل بل هي من قول الزهري، وهي من قول عائشة أيضا رضي الله عنها وأرضاها. فالمدرج خلاصته: زيادة لفظة في المتن ليست من المتن، إما تفسيرا وإما غلطا، فيأتي المحدثون ويقولون: لفظة كذا مدرجة في الحديث. أما ما يأتي بعض المحدثين فيقول: هذا لا يمكن أن يكون من حديث، من كلام رسول الله، فهذا ظني وليس قطعيا، هذا أمر ظني وليس أمرا قطعيا. مثاله: حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الغرة والتحجين: «فمن استطاع منكم تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضاء». في مسلم: «تبلغ». حديث أبي هريرة: «فمن استطاع منكم أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل». يقول الإمام ابن تيمية وابن القيم رحمه الله: إن زيادة «فمن استطاع منكم أن يطيل غرته وتحجيله» من قول أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وليست من قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قلنا لهم: ما دليلكم؟ قالوا: دليلنا أن هذا جاء مفسرا في رواية راو معروف فسرها في مسند الإمام أحمد، لكن هذا الراوي ضعيف، هذا الراوي ضعيف، هذا الراوي ضعيف، فكيف تعتمدون رد حديث متفق على صحته برواية رجل ضعيف؟ هذا الراوي ضعيف. ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن زيادة، إن الغرة لا يمكن إطالتها، إطالتها مثلة، يعني لو أردنا أن نطيل الغرة الشعر ينتهي بالناصية، فكيف أطيل؟ أغسل وجهي إلى نصف الرأس، هذا لا يشرع، هكذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. تابعه الناس من أهل العلم على هذا القول، وهذا القول فيه نظر: أولاً، رواية حديث أبي هريرة متفق عليها ولها طرق تعضدها، هذا أمر. الأمر الثاني: أن الذي انفرد بتفسير هذه اللفظة وجعلها من قول أبي هريرة راوٍ ضعيف كثير الوهم عند الحفاظ، راوٍ ضعيف كثير الوهم عند الحفاظ، فلا يعارض بقول الثقات الأثبات. أيضا قضية أن هذا لا يعقل، يقال: قد فسره حديث عبد الله، يزيد، عبد الله بن زيد عند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا من السجود محجلين من الوضوء»، فالغرة ليست لأجل الوضوء، التحجيل من الوضوء، لكن الغرة من السجود، فهذا مفسر للمسألة. هذا مثال دعوى في حديث أنه إدراج وليس بإدراج. حاصل: أن الأصل عدم الإدراج، ومن ادعى الإدراج فعليه أن يذكر البرهان الذي لا يختلف فيه، فإن اختلف عدنا إلى الأصل وهو عدم الإدراج. الإدراج: أن يزيد الراوي لفظة أول الحديث أو آخره أو في وسطه، وقد يكون في الإسناد، سيأتي الكلام عليه إن شاء الله في نوع مستقل. هذا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.