شرح الباعث الحثيث 40

الدرس في شرح الباعث الحثيث 40، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

إنكار المتكلمين لوضع الحديث ورد السلف

نقل ابن كثير عن بعض المتكلمين إنكارهم وقوع الوضع في الحديث بالكلية، فرد العلماء ذلك بأنه مكابرة وجهل بفن الحديث مستدلين بتواتر الوعيد النبوي على الكذب. وقد ذم السلف كمالك والشافعي علم الكلام وأهله وعدوهم من أهل البدع معتبرين عدم إحاطة العالم به منقبة لا مثلبة.

جهود المحدثين في حفظ السنة وتحمل المشاق

يستعرض المقطع مكانة أئمة الحديث ودورهم في الذب عن السنة وحفظ الشريعة مبيناً ما تحملوه من مشاق السفر وهجر الأوطان. ويضرب مثالاً بالحافظ أبي العباس السراج الذي كان لا يحدث بجزء البيتوتة إلا لمن يبيت ليلة على بابه دليلاً على شدة عنايتهم بضبط الأحاديث.

رحلات العلماء وتضحياتهم في طلب العلم

يسرد المقطع قصة رجل قطع آلاف الكيلومترات لطلب العلم عند الإمام عبد الله بن المبارك، ويبرز مكانة علماء كابن المبارك وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين في حفظ الصحيح والضعيف والموضوع. كما يذكر إعجاب أم هارون الرشيد بجمع الناس حول العالم مؤكداً أن الله تكفل بحفظ الذكر.

عدم الالتفات لكلام غير المؤهلين والرد عليهم

يُذكر كلام المتكلمين فقط لبيان بطلانه وعدم قيمته لأنه صادر عن من لا يحسنون الفن، لذا لا يُضيع الوقت في الرد عليهم. ويختتم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. يقول الإمام العماد الحافظ أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي رحمه الله تعالى، المتوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة للهجرة رحمه الله تعالى، في كتابه النافع «شرح اختصار علوم الحديث» المسمى بـ «الباعث الحثيث»: قال رحمه الله تعالى في مبحث الموضوع المختلق المصنوع: قال رحمه الله تعالى: «وقد حكي عن بعض المتكلمين إنكارهم وقوع الوضع بالكلية قديماً». قال القائلون: «من تكلم في غير فنه أتى بمثل هذه العجائب». قاله ابن حجر في بعض ردوده: «أن تكلم في غير فنه أتى بمثل هذه العجائب». غالب من يتكلمون في فنون لا يحسنونها يكون في كلامهم مجازفة، أو يكون في كلامهم عدم ضبط للفن، ولهذا يخلطون فيقعون في غرائب الأمور. علم الحديث ليس فنهم ولا شأنهم، ربما لا يحفظون من الأحاديث شيئاً كبيراً، فضلاً عن أن يتعنوا دراستهم. وقد عُزي عن بعض المتكلمين... والمتكلمون هم المشتغلون بعلم الكلام، وعلم الكلام من العلوم المبتدعة عند أهل الإسلام، من العلوم العقلية التي بنيت على قواعد منطقية عورض بها كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ولهذا نص أهل العلم المتقدمون على أن المتكلمين من أهل البدع، كما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: كان يحذر من أهل البدع والمتكلمين، ويقول: «هم المتكلمون». قال الإمام ابن خويز منداد من أئمة المالكية: «قال: وإنما عنى مالك بالمتكلمين الأشاعرة ونحوهم». فغضب الأشاعرة من هذا الكلام، الأشاعرة المتأخرون غضبوا على الإمام ابن خويز منداد من أئمة المالكية، غضبوا عليه هذه الكلمة. نقلها ابن عبد البر أحد كبار أئمة المالكية المعتبرين في كتابه «التمهيد»، في كتابه «التمهيد» شاهد أن الإمام مالكاً كان يبدعهم. وكذلك الشافعي رحمه الله كان يقول: «ما أفلح صاحب كلام أبداً، ما أفلح صاحب كلام أبداً». وكان يقول: «إني لأسمع منهم كلاماً عظيماً، ولأن يبتل المرء بكل شيء ما خلا الشرك كان خيراً له من علم الكلام». وكان الشافعي رحمه الله يقول أيضاً، وهذا ثابت عنه: «حُكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال». والجريد من سعف النخل، أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في الأسواق، فيقال: هذا جزاء من أعرض عن الكتاب والسنة. هكذا قال الشافعي رحمه الله: حُكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال. فالمتكلمون وأهل الكلام مذمومون عند أهل العلم، وهم من المبتدعة الذين حكمهم أنهم يضربون بالجريد والنعال. وهذا كلام السلف رحمهم الله تعالى وغفر لهم. ومن العجب أن تجد بعض المتأخرين يعيبون بعض العلماء فيقولون: «لم يكن يحسنوا الكلام، لم يكن يحسنوا علم الكلام». وهل هذا مثبة أو عيب؟ كما قيل في إمام الأئمة ابن خزيمة، يقول ابن فورك وغيره: «كان لا يحسن الكلام». قلنا: وتلك شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْ كِعَار، هذه منقبة وليست مثلبة. الشافعي يقول: «ما أفلح صاحب كلام أبداً، ما أفلح صاحب كلام أبداً». هذه منقبة وليست مثلبة. قال رحمه الله تعالى: «وقد حكي عن بعض المتكلمين إنكارهم وقوع الوضع بالكلية». هذا نوع مكابرة، نوع مكابرة. الموضوع موجود، والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر عنه في قوله: «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار». وهذا الحديث متواتر كما قدمنا. قال: «وهذا القائل إما أنه لا وجود له أصلاً»، يعني لشناعة هذه المقالة لا يتصور أن يوجد قائل يقول بعقل هذا الكلام، كيف يقول عاقل هذا الكلام؟ هذا الكلام ينافي العقل. قال رحمه الله: «وهذا القائل إما أنه لا وجود له أصلاً، أو أنه في غاية البعد عن ممارسة العلوم الشرعية». وقد حاول بعضهم الرد عليه بأنه قد ورد في الحديث أنه عليه السلام قال: «سيكذب علي». فإذا كان هذا الخبر صحيحاً فسيقع الكذب لا محالة، وإن كان كذباً فقد حصل المقصود. بسم الله، قال: «فأجيب عن الأول بأنه لا يلزم وقوعه إلى الآن، إذا بقي إلى يوم القيامة أزمان يمكن أن يقع فيها ما ذكر». وهذا القول والاستدلال عليه والجواب عنه من أضعف الأشياء عند أئمة الحديث وحفاظهم، الذين كانوا يتضلعون من حفظ الصحاح ويحفظون أمثالها وأضعافها من المكذوبات، خشية أن تروج عليهم أو على أحد من الناس. رحمهم الله تعالى، رحمهم الله ورضي عنهم. أئمة الحديث قوم أيدهم الله عز وجل، فهم الذابون عن السنة، وهم حرس الشريعة، وهم سَرَاةُ الإسلام، وهم المجاهدون في سبيل الله. قوم آثروا قطع المفاوز والقفار كما قال في وصفهم أبو عبد الله الحاكم النيسابوري في مقدمة كتابه النافع «معرفة علوم الحديث»: «قوم آثروا قطع المفاوز والقفار على التنعم في الدمن والأوطاء، وآثروا البعد في الأسفار في حفظ المرويات والأخبار» إلى آخر ما ذكره من ثناء بالغ في علماء الحديث، الذين كان أحدهم يرحل على رجله مسافات بعيدة لأجل أن يسمع حديثاً واحداً من عالم ثم يعود، من شدة عنايتهم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكانوا يتحملون المشاق العظيمة لأجل إدراك أهل العلم الذين سمعوا عمن قبلهم، فترى لهم من الجهود الجبارة ما تعلم أنهم قوم اصطفاهم الله واختارهم من دون سائر الناس. لو أردنا أن نسوق من أخبارهم لطال المجلس في ذكر أخبار علماء الحديث في حرصهم على سماع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهجر الديار، وهجر الأهل، والصبر على الفقر، والصبر على الجوع والعطش، ومكابدة الأخطار. كل هذا في ضبط أحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يذهب ليسمع حديثاً واحداً. ذكرت في محاضرة سابقة هنا بعض النماذج في جهود المحدثين في هذا الباب: كذاك الذي كان يرحل إلى أبي العباس السراج رحمه الله صاحب «جزء البيتوتة»، يأتونه من أطراف خراسان إلى منزله في بلاد العراق، لعله في بغداد، فلا يحدث أحداً حتى يبيت على بابه. أنا قرأت الجزء كاملاً، نحو خمسين حديثاً من أوله إلى آخره، ما وجدت حديثاً واحداً في باب النوم أو الاستعداد للنوم أو باب الاستيقاظ أو نحو ذلك، كل الأحاديث أخرى، ومكتوب في الجزء: «جزء أحاديث البيتوتة». فنظرت في بعض المخطوطات، وإذا موجود على غلاف المخطوطة: «سُمي هذا الجزء جزء البيتوتة لأن المؤلِّف... لأن الحافظ السراج كان لا يحدث أحداً بهذا حتى يبيت ليلة على بابه، فإذا جاء الصباح قال: آه، بَتَّ البارحة؟ بَتَّ عند الدكة ولا ما بَتَّ؟ قال: عدنا، قال: بس الليلة بَتَّ، الليلة بَتَّ عند الدكة، خلك مرتاح، لك بكرة الصباح تسمع الجزء». بسم الله، ويروح بلاده. بس يعني يجيه من هناك من بلاده، من بلاد بعيدة، ما يقول له: يا شيخ، شيف نجيتك، يمكن من مسافة أربع كيلو... أربع آلاف كيلو، يعني بلاد بعيدة، ما عندي حتى مواصلات، خلاص، خرجنا وبتوكل على الله. لا يقول له: بَتَّ الليل البارحة؟ يقول: نعم. وذاك الرجل الذي أخذه الشغف، تزوج ثم تذكر ابن المبارك، فعريس مسكين، رجال من المحدثين، حب علم الحديث، وعريس، فأخذه الشوق الرحلة إلى عبد الله بن المبارك في بلاد مرو، بلاد مرو اليوم في نواحي... فيقول: «خلفت عرسي يوم السير باكية، يَبْنِي المبارك تَبْكِينِي بُرْنَاتِي». وصل إلى عبد الله بن المبارك، وعبد الله بن المبارك مشغول: «يا شيخ، أعطيناك وقت ندرس، يا كذا، معي سمعنا أحاديث، أحفظ شيء من عندك». الشيخ مشغول، عبد الله بن المبارك مشغول. عبد الله بن المبارك كان إماماً من أئمة الإسلام، قالوا: لم يفقوا الصحابة في أبواب الخير، اجتمعت فيه خصال الخير: في الجهاد مجاهد، في العلم حافظ، في الصلاة عابد، في الزكاة من أهم الزكوات الذين ينفقون على عشرات من العلماء، صاحب تجارة عظيم في كذا وكذا وكذا وكذا. قالوا: ما فاته الصحابة الصحابة بشيء إلا شرف الصحبة، شرف الصحبة فقط. فجاء وعبد الله بن المبارك كان مشغولاً جداً. عبد الله بن المبارك لما نزل إلى الرقة، رأت أم هارون، هارون الرشيد، جلبة عظيمة في جهة السوق، ورأت غباراً يتطاير وزحاماً شديداً، قيل: إنه تقطعت نعال الناس. نظرت من الشرفة، قالت: ما يجري في البلد؟ يعني: أيش اللي حصل؟ ناس تجري والغبار. قالوا: مر بالسوق عبد الله بن المبارك. مر، فقالت كلمتها المشهورة: «هذا الملك، لا ملك هارون، هذا الملك، لا ملك هارون». هارون إذا أراد أن يجمع هؤلاء لم يجمعهم إلا بالحرس والشاء والشرط، وهؤلاء يجتمعون لهذا العالم، عالم كبير. فالشاهد أنهم كانوا على... كما ذكر المصنف: قال: «وهذا القول والاستدلال عليه والجواب عنه من أضعف الأشياء عند أئمة الحديث وحفاظهم، الذين كانوا يتضلعون من حفظ الصحاح ويحفظون أمثالها وأضعافها من المكذوبات». لا يكتفون بحفظ الأحاديث الصحيحة، فهي عندهم معروفة، يحفظون حتى الأحاديث الضعيفة. رأى أحمد بن حنبل يحيى بن معين، أو رأى غير الرمادي، يحفظ أحاديث ضعيفة، أحاديث ضعيفة، قال: ما تصنع؟ قال: أحفظها حتى لا يأتي أحد فيركب لها إسناداً صحيحاً فيظن أنها صحيحة وهي كذب. يحفظون الصحيح والضعيف والموضوع وجميع مرويات الراوي، يحفظون أغلاطه: غلط فلان من خمسة آلاف حديث في عشرة أحاديث، حفظوا الخمسة آلاف كلها اللي يحفظها فلان، وميزوا من ضمن الخمسة آلاف عشرة أحاديث أخطأ فيها، ما هي الأخطاء اللي وقع فيها: كذا وكذا وكذا، والعاشر كذا. يجمعونها جميعاً، قوم أيدهم الله عز وجل لحفظ الدين. وصدق الله جل جلاله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. يقول القائل: «خلفت عرسي يوم السير... أي: زوجتي باكية، يَبْنِي المبارك تَبْكِينِي بُرْنَاتِي، خلفتها سحراً في النوم لم أرها، وفي فؤادي منها شبه كِيَاتِ، أهلي وعرسي وصبياني رفضتهم، وسَرْتُ نحوك في تلك المفازات» إلى أن قال: «أخاف والله قطاع الطريق بها، وما أمنت بها من لدغ حَيَاتِي» إلى أن قال: «مُسْتَوْفِزَاتٍ بِهَا رَقْشٌ مُشَوَّهَةٌ» يعني: حنشان كبير، «وما أمنت بها من لدغ حَيَاتِي، يا أهل مَرُّوا أَعِينُونَا بِكَفِّكُمْ وَعَنَا، إِلا رَمَيْنَاكُمْ بِأَبْيَاتِي، لا تَتَجَرَّؤُنَ فَإِنَّا مَعْشَرُ صَبْرٍ عِنْدَ اللِّقَاءِ وَعِنْدَ المَلَمَّاتِ» أو كما قال رحمه الله تعالى. فالشاهد أن لهم جهوداً عظيمة في حفظ السنة. فكلام المتكلمين يُحكى حكاية ليعرف بطلانه، ولا يلتفت إليه، وليست له قيمة، فإنه كلام من لا يحسن الفن. مثل هؤلاء لا نضيع الوقت في الرد عليهم. وهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.