كتاب البيوع 9

الدرس في كتاب البيوع 9، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أحكام التعامل مع الأرض الزراعية

تناول المقطع حكم المزارعة وتأجير الأرض، حيث اختلف الفقهاء في حكمها إذا كانت الأجرة جزءًا معلومًا من الثمرة. كما تطرق إلى إحياء الأرض الميتة وأحكامها.

إحياء الأرض الميتة وتعميرها

يتناول هذا المحور أحكام إحياء الأرض الميتة، حيث يجوز للمسلم إحياء الأرض التي لا مالك لها بشرطين، ويُعتبر إحياء الأرض الميتة مستحباً وليس فقط جائزاً.

أحكام الموارد المشتركة

يتناول هذا المحور أحكام بذل الماء والكلأ والنار، ويجب بذل الماء إذا كان فاضلا عن الحاجة. كما يتناول حكم الأخذ من الحطب الموجود في الغابة.

  • 23 جمادى الآخرة 1442هـ - 05/02/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال القاضي أبو سجاع رحمه الله في كتابه «مثل الغيث والتقريب»: قال: فصل، وإذا دفع إلى رجل أرضا ليزرعها وشرط له جزءا معلوما من ريعها لم يجز، وإن أكراه إياها بذهب أو فضة أو شرط له طعاما معلوما في ذمته جازا. هذا الفصل فيما يتعلق بالمزارعة، والمزارعة في اللغة الشركة في الزرع، وشرعا هي دفع الأرض لمن يقوم بزراعتها ببعض ما يخرج منها. والأصل في جوازها قول النبي عليه الصلاة والسلام: «وإذا دفع إلى رجل أرضا ليزرعها...». الإنسان عنده أرض، لكن لا يحسن الزراعة، أو ما عنده التفرغ لزراعتها، فيدفع هذه الأرض لمن يقوم بزراعتها، يكون هناك من عنده خبرة وعنده سطوة، لكن ما عنده أرض، فيدفع له الأرض، يؤجرها له، ويقوم هذا الزارع بزراعتها. قال: وشرط له جزءا معلوما من ريعها لم يجز، يعني إذا جعل له الأجرة من الثمرة، من ريعها، يعني من نتاجها وغلتها، إذا قال لك مثلا: الثلث، أو لك الربع، أو لك النصف، الحسن ما يتفقان عليه، قال: لم يجز. لماذا؟ استدل بحديث رافع بن خديج رضي الله عنه في الصحيحين، قال: «كنا نُحاقِل الأرض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنكريها بالثلث والربع والطعام المسمى، فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي، فقال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان لنا نافعا، وطاعة الله ورسوله أنفع لنا، نهانا أن نحاقل بالأرض، فنكريها على الثلث والربع والطعام المسمى، وأمر رب الأرض أن يزرعها أو يزرعها، وكره كراءها وما سوى ذلك». فهذا الحديث يعني ظاهره فيه النهي عن كراء الأرض وتأجيرها بالثلث والربع مما يخرج منها، فاستدل به الشافعي على منع عقد المزارعة إذا كان الثمر أو كان الكراء بجزء معلوم من ثمرتها كالثلث والربع. وذهب جماعة إلى جواز ذلك، أن يكري الأرض لمن يقوم بزراعتها بجزء معلوم مما يخرج منها، وهو قول الحنابلة وغيرهم، لحديث ابن عمر، كما سمعنا في قوله: «عامل النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع». وكذلك أن حديث رافع بن خديج، وقبل هذا أن هذا القول، وهو جواز زراعتها بجزء معلوم مما يخرج منها، قول الخلفاء الأربعة، قول الخلفاء الأربعة، كما ذكر المقدام رحمه الله، بل ذكر الإمام البخاري رحمه الله، قال: قال أبو جعفر: «ما بالمدينة أهل بيت إلا يزرعون على الثلث والربع»، يعني عقدوا عقد المزارعة على الثلث والربع. ورافع بن خديج ورد أو ثبت عنه أنه نقل عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كره كراء الأرض على أن يكون لأحدهما جانب، يعني لصاحب الأرض جانب وللعامل جانب آخر، قال: «كنا نكرى الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه، فرمما أخرجت هذه ولم تخرج هذه، فنهانا عن ذلك»، يعني النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «فأما الذهب والورق فلم ينهنا». والحديث في الصحيحين، فهذا يدل على أنه يجوز كراء الأرض بشيء معلوم منها كالثلث والربع ونحو ذلك، وإنما المنهي عنه أن يكريها بأن يكون له جانب وللعامل جانب آخر، لأن هذا فيه غرر وجهالة، فقد تثمر هذا الجانب ولا يثمر ذاك الجانب، أما بشيء معلوم فلا بأس بذلك. قال: «وإن أكراه إياها بذهب أو فضة أو شرط له طعاما معلوما في ذمته جاز». إكراء الأرض بالذهب والفضة هذا جائز، يعني يؤجرها له ويدفع له بذهب أو فضة أو ما يقوم مقام الذهب والفضة كالأموال أو الأوراق النقدية مقابل تعجيرها أو مقابل عمل فيها، يقول: ازرع الأرض وأدفع لك كذا وكذا في الشهر أو في السنة، هذا جائز لا غبار عليه في جوازه. قال: أو شرط له طعاما معلوما في ذمته، يعني يقول: ازرعها وأعطيك مقابل زراعتها كذا وكذا صاع من التمر أو كذا وكذا كيلو من البر أو نحو ذلك، هذا جائز على أنه كما علمنا أنه يجوز كراها ولو بشيء مما يخرج منها معلوما على الصحيح. قال: فصل، وإحياء الموات جائز بشرطين: أن يكون المحيي مسلما، وأن تكون الأرض حرة لم يجر عليها ملك من مسلم. وصفة الإحياء ما كان في العادة عمارة للمحيي. هذا الفصل في إحياء الموات، والموات الأرض التي لا مالك لها ولا ينتفع بها أحد، قالوا: إحياء الموات جائز، يعني يجوز للإنسان أن يحيي أرضا ميتة ليست لأحد. والأصل في هذا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من أحيا أرضا ميتة فهي له»، رواه الترمذي من حديث جابر رضي الله عنه، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله. وهكذا أيضا ما في البخاري من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أعمر أرضا ليست لأحد فهو أحق»، يعني أحق بها. قال: جائز بشرطين، بل دلت بل ثبت ما يدل على الاستحباب، ليس مجرد الجواز، بل استحباب إحياء الأرض الميتة، فقد جاء في حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أحيا أرضا ميتة فله فيها أجر، وما أكلت العوافي منها فهو صدقة»، رواه أحمد، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله. قال: بشرطين: أن يكون المحيي مسلما، يعني محيي هذه الأرض أن يكون مسلما ليس بكافر، فالكافر ليس له حق أن يحيي الأرض الموات في أرض الإسلام، أما في أرضه نعم له حق، لكن في أرض المسلمين فليس له حق في ذلك حتى لا يكون مستعليا على المسلمين، وإنما الذي له حق في ذلك هو المسلم، ولو كان هذا المسلم غير مكلف فله حق بإحيائها. قال: وأن تكون الأرض حرة لم يجر عليها ملك من مسلم، يعني هذه الأرض لم يملكها أحد من المسلمين ولا غيرهم، ليست لأحد، لأنها لا تكون الأرض ميتة إلا إذا كانت على هذا الوصف، ليس لها مالك ولا ينتفع بها أحد، فإن جرى عليها ملك من قبل فهي لمن ملكها. قال: وصفة الإحياء ما كان في العادة عمارة للمحيي، يعني يرجع إلى العرف والعادة، لماذا تحيا هذه الأرض؟ وذكر بعض أهل العلم قال: الضابط في ذلك أن تهيأ لما يراد استعمالها فيه، فإن كان المقصود بناءها يعني للسكن، فيبنيها بإقامة جدرانها وسقفها وإلى آخر ذلك، فعل أبواب والنوافذ، إن كان المقصود زراعتها فيهيئها لذلك، تصفيتها وتنقيتها وإدخال الماء فيها. قال: ويجب بذل الماء بثلاثة شرائط: أن يفضل عن حاجته، وأن يحتاج إليه غيره لنفسه أو لبهيمته، وأن يكون مما يستخلف يستخلف في بئر أو عين. بذل الماء إذا إنسان عنده ماء بئر مثلا، هل يجوز له أن يمنع أحد يريد الانتفاع بهذا الماء؟ يقول: يجب بذله بثلاثة شرائط، يعني يمنع أحد من الأخذ من هذا الماء بثلاثة شروط. الأول: أن يفضل عن حاجته، إن يكون هذا الماء زائدا عن حاجته لنفسه أو لماشيته أو لمزرعته، فإن لم يكن فاضلا فأولى به له أن يمنع من يريد أخذه. والأمر الثاني: أن يحتاج إليه غيره لنفسه أو لبهيمته، إذا كان يحتاج له أن يحتاج إليه غيره، يعني يأتي من يطلب الماء لأجل أن يسقي أو لأجل أن يشرب أو لأجل أن يسقي البهائم التي معه التي يريد أن ترعى وتحتاج إلى الماء، إذا كان هناك كلأ وعشب فهي تحتاج إلى أن تشرب، فلا يجوز له حينئذ أن يمنع فضل الماء ليمتنع من الانتفاع بالكلأ. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ»، يعني يمنع الإنسان فضل الماء الزائد عنده، فيمتنع من ذلك من يريد أن يرعى غنمه وماشيته بالعشب الموجود، لأنه لا يمكن ذلك إلا بوجود الماء، فيكون في منع الماء منع لمن أراد الرعي، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. قال: أو يكون وأن يكون مما يستخلف في بئر أو عين، يعني إذا أخذ منه فإنه يخلفه ما آخر البئر، يعني إذا كانت فيها ماء إذا أخذت منها ما خلفه ما آخر من البئر، إذا كانت كذلك يجوز أن يأخذ منه ويسأله أن يمنع من أراد أن ينتفع بهذا الماء بعد كفايته وحاجته. قال: أو في عين، عين في جبل أو في موضع من المواضع، لأن العين تنبع إذا أخذ منه ماء نبع الماء مرة أخرى، بخلاف ما لو كان الماء في إناء حازه في إناء أو في مكان مستقر في حوض مثلا مسدود، فهذا لا يجب عليه بذل هذا الماء لأنه اعتبر ملكه. ويدل على هذه المسألة قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إنه شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار أي الحطب»، يعني إذا كان هناك ماء في بئر مثلا فمن سبق هو أحق بها، فإذا فضل شيء عن حاجته لا يمنع غيره من الانتفاع به. وحذر النبي عليه الصلاة والسلام وتوعد من فعل ذلك بالوعيد الشديد، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، وذكر منهم رجل على فضل ماء يمنعه من ابن السبيل». وهكذا الكلأ العشب أنه شركاء في رعيه، وهكذا النار الحطب أنه شركاء فيه. لكن إذا حازه الإنسان، إنسان حطب وحاز الحطب، هل له حق أن يمنع غيره من الأخذ منه؟ الجواب: نعم له حق، ليس هذا المقصود في الحديث، المقصود بالنار أو الحطب الذي لم يحرزه أحد، فالناس فيه شركاء، من عاد أن يأخذ يأخذ، أما إذا حازه الإنسان وقام بقطعه وحيازته فهو يعتبر ملكه له أن يمنع من أراد أن يأخذ منه. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.