الدرس في كتاب النكاح والطلاق 8، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
تنقسم المعتدة إلى متوفى عنها وغير متوفى عنها، وعدة المتوفى عنها زوجها تعتمد على حالتها، فالحامل تنتهي عدتها بوضع الحمل، وغير الحامل تنتظر أربعة أشهر وعشرة أيام.
عدة المتوفى عنها زوجها تنتهي بوضع الحمل إذا كانت حاملاً، أو أربعة أشهر وعشرة أيام إذا لم تكن حاملاً، وتنتقل من عدة طلاق رجعي إلى عدة وفاة إذا مات زوجها أثناء العدة.
تحدد عدة المرأة المطلقة أو المتوفى عنها زوجها بناءً على حالتها، فالحامل تنتهي عدتها بوضع الحمل، ومن ذوات الحيض عدتها ثلاثة أطهار، والصغيرة أو الآيسة عدتها ثلاثة أشهر.
لا تجب العدة على المرأة بعد الخلوة فقط لأنها لم يحدث جماع أو حمل، وبالتالي لا حاجة للاستبراء، وهذا الحكم مبني على عدم وجود خلوة شرعية أو جماع.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال القاضي أبو شجاع الأصفاني رحمه الله في كتابه متن الغاية والتقريب المسمى بمتْن أبي شجاع: قال، فصل: والمعتدة على ضربين: متوفى عنها، وغير متوفى عنها. فالمتوفى عنها إن كانت حاملا فعدتها بوضع الحمل، وإن كانت حائلا فعدتها أربعة أشهر وعشر. وغير المتوفى عنها إن كانت حاملا فعدتها بوضع الحمل، وإن كانت حائلا وهي من ذوات الحيض فعدتها ثلاثة قرء، وهي الأطهار. وإن كانت صغيرة أو آيسة فعدتها ثلاثة أشهر. والمطلقة قبل الدخول بها لا عدة عليها. وعدة الأمة بالحمل كعدة الحرة، وبالأقراء أن تعتد بقرأين، وبالشهور عن الوفاة أن تعتد بشهرين وخمس ليال، وعن الطلاق أن تعتد بشهر ونصف. فإن اعتدت بشهرين كان أولى. هذا الفصل فيما يتعلق بذكر العدة، أي عدة المرأة، وذكر أقسامها وأنواعها. والعدة لغة مأخوذة من العدد لاجتماها على عدد من الأقراء أو الأشهر. وشرعا اسم لمدة تتربص فيها المرأة عن النكاح لمعرفة براءة رحمها أو للتعبد أو لتفجعها على زوجها. تفجعها بالعين أو بالحزن. طيب، هذا معنى العدة: تتربص المرأة فترة من الزمن تترك فيها النكاح لتتأكد من براءة رحمها من الحمل أو لأجل التعبد لله بهذا الحكم أو لأجل تفجعها بزوجها، يعني في عدة الوفاة. والحكمة منها كما سمعنا هو صيانة الأنساب من الاختلاط، وكذلك أيضا رعاية لحق الزوجين. فقال: والمعتدة على ضربين: متوفى عنها، وغير متوفى عنها. يعني إما أن يكون اعتداد المرأة بسبب الوفاة، أن يتوفى زوجها، وإما أن يكون الفراق بغير الوفاة كالطلاق أو الخلع أو الفسخ أو اللعان أو نحو ذلك. قال: فالمتوفى عنها إن كانت حاملا فعدتها بوضع الحمل. إذا مات الزوج وزوجته حامل، فعدتها بوضع الحمل، تبقى في العدة حتى تضع حملها لقول الله جل وعلا: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. فإن قال قائل: أليس الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾؟ نقول: هذا في غير الحامل، كما سيأتي. وقد دلت السنة على أن المتوفى عنها وهي حامل تعتد بوضع حملها، كما جاء في الصحيحين في قصة سبيعة الأسلمية حين توفي زوجها فلبثت ليال ثم وضعت، فأخبرت النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، فأذن لها النبي صلى الله عليه وسلم في النكاح. إذن المتوفى عنها إذا كانت حاملا فعدتها بوضع الحمل. وما هو ضابط هذا الحمل الصحيح؟ أن كل ما وضعته المرأة مما في بطنها، سواء كان علقة أو مضغة، فإنه يعتبر به انتهاء عدتها؛ لأن الله عز وجل أطلق: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. فإذا وضعت حملها فقد انتهت عدتها. وفي قصة سبيعة الأسلمية ما استفصل النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبرته أنها وضعت: ما الذي وضعته؟ أخذ بقولها وأذن لها بالنكاح، وأعلم بذلك أن عدتها قد انتهت. ولم يستفصل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المقام. والقاعدة أن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال. هذا الموضع قد يستفصل فيه: يعني ما الذي وضعته؟ هل إنسان كامل أو وضعت مضغة قطعة لحم أو علقة أو نحو ذلك؟ فماذا؟ أنه لم يستفصل، فنأخذ العموم: عموم وضع الحامل على أي هيئة أو صفة كان، فبه يحصل انتهاء العدة. قال: وإن كانت حائلا -معنى حائل: يعني غير حامل- وإن كانت حائلا، قال: فعدتها أربعة أشهر وعشر؛ لقول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. إذن عدة المتوفى عنها غير الحامل أربعة أشهر وعشرة. نعم، إن كانت حاملا، هذا أيضا من باب التأكيد: الفائدة أنها متى ما وضعت حملها، ولو كان ذلك بعد لحظات من موت زوجها، انتهت عدتها. يعني امرأة مثلا حامل توفي الزوج، وقبل أن يدفن وضعت، انتهت عدتها. واضح؟ عدتها متعلقة بالوضع، سواء طالت العدة أو قصرت. قد تبقى تسعة أشهر أو ثمانية أشهر إذا كان الحمل في أوله، وقد تضع في أول موته ويكون موته عند آخر حملها، فتنتهي عدتها. طيب، وإن كانت غير حامل، فأربعة أشهر وعشر تعتد أربعة أشهر وعشرة أيام. المعتبر بالأشهر الأشهر القمرية. فتعتد بها طيب. أربعة أشهر وعشرة -طبعا عشرة أيام مع لياليها- عشرة أيام مع لياليها. فماذا؟ تنتهي عدتها. جمهور أهل العلم أن عدتها تنتهي بدخول ليلة الحادي عشر. ماذا؟ تدخل ليلة الحادي عشر عند غروب الشمس اليوم العاشر، عند غروب الشمس اليوم العاشر هنا تدخل ليلة الحادي عشر، فتنتهي عدتها. مسألة أخرى: إذا كانت المرأة لا تعلم بالأشهر، كإمرأة محبوسة مثلا أخبرت بموت زوجها، فهنا قال أهل العلم: تعتد 130 يوما، تعتد 130 يوما على أن كل شهر 30 يوما، فيكون مجموع العدد 130 يوما. قال: وإن كانت حائلا فعدتها أربعة أشهر وعشر. إذا كانت مطلقة، إذا كانت مطلقة وفي أثناء عدة الطلاق مات زوجها، هل تعتد عدة الطلاق أو عدة الوفاة؟ الجواب فيه تفصيل: إن كان طلاقها رجعيا، فتنتقل إلى عدة الوفاة؛ لأنها تعتبر في حكم الزوجة. واضح؟ إمرأة طلقها زوجها طلاقا رجعيا، وفي أثناء العدة توفي، وهنا تنتقل إلى عدة الوفاة. تنتقل إلى عدة الوفاة. وأما إن كان الطلاق بائنا، فإنها تستمر في عدة البينونة؛ لأنها ليست في حكم الزوجة. قال: وغير المتوفاة عنها، وهذا النوع الثاني. قال: إن كانت حاملا فعدتها بوضع الحمل. غير المتوفاة عنها كما ذكرنا: تكون مطلقة، مختلعة، فارقت زوجها بالفسخ من جهة الحاكم، حصول الفرقة بجهة اللعان مثلا، فهنا إذا كانت حاملا فعدتها بوضع الحمل. في العموم الآية: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. ولهذا قال أهل العلم: أن عدة الحمل تغلب جميع العدد، جميع العدد تغلبها عدة الحمل. متى ما كانت حاملا، فعدتها بوضع الحمل، سواء كانت تحيض، حتى لو كانت تحيض مثلا تعتد بالحمل. متوفى عنها تعتد بالحمل، مطلقة تعتد بالحمل، مختلعة تعتد بالحمل. قال: وإن كانت حائلا -يعني غير حامل- وهي من ذوات الحيض -أي ممن تحيض- فعدتها ثلاثة قرء، وهي الأطهار. عدتها ثلاثة قرء إن كانت من تحيض، فعدتها بالأقراء لقول الله جل وعلا: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. والقرء يطلق في اللغة ويراد به الطهر، ويراد به الحيض. يراد به الطهر، ويراد به الحيض. وهنا المؤلف رحمه الله يقول: المراد بالأقراء الأطهار، وهذا قول الإمام الشافعي رحمه الله، وهو أيضا قول إمام مالك، ورواية عن أحمد: أن الأقراء هي الأطهار. قال: وإن كانت صغيرة أو آيسة فعدتها ثلاثة أشهر. إن كانت صغيرة -يعني ممن لم تحيض بعد- ممن هي دون سن المحيض، تزوجت وهي صغيرة وطلقت مثلا وهي لا تحيض، تعتد بثلاثة أشهر. وإن كانت آيسة -وهي المرأة التي انقطع حيضها وأيست من رجوع الحيض لكبر سنها مثلا- فهي كذلك تعتد بثلاثة أشهر. هذا مقابل الثلاثة القرء، جعل الله سبحانه وتعالى من لم تحيض أو من لا تحيض، فإنها تعتد بالأشهر. كل شهر مقابل قرء. والإجماع على ذلك أولا: قال الله عز وجل: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ يعني كذلك عدتهن ثلاثة أشهر. قال: والمطلقة قبل الدخول بها لا عدة عليها. وهذا بإجماع أهل العلم: المطلقة قبل الدخول لا عدة عليها. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾. فإذا عقد الرجل على المرأة وقبل الدخول طلقها، فليس عليها عدة، لها أن تتزوج مباشرة. لماذا؟ قال أهل العلم: لأنه ما دخل بها فلا يخاف من وجود حمل في رحمها أو كذا، ولا تحتاج إلى أن تستبرئ لرحمها؛ لأنه لم يحصل خلوة ولا حصل جماع ولم يحصل شيء من ذلك، فلا حاجة حينئذ إلى أن تعتد، فلهذا أسقط الشارع العدة في حقها. صلى الله عليه وسلم الأمين ومحمد وآله وصحبه أجمعين.