الدرس في كتاب النكاح والطلاق 6، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
الإيلاء هو امتناع الزوج عن زوجته مدة تزيد على أربعة أشهر بحلف، ويترتب عليه إما الرجوع أو الطلاق بعد انتهاء المدة. يُشترط أن يكون الحلف على زوجة.
الظهار هو تشبيه الزوجة بمحرم، ويوجب الكفارة للعود إليها، وتكون الكفارة بعتق رقبة أو صيام شهرين أو إطعام ستين مسكينا. الظهار منكر وزور.
كفارة الظهار مرتبة على عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن عجز فإطعام ستين مسكينا. لا يجوز الجماع قبل الكفارة.
المسكين هو من لا يملك كفايته، ويستحق الزكاة إذا كان محتاجًا. يُستدل على ذلك من القرآن الكريم، حتى لو كان يملك بعض الممتلكات.
بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال القاضي أبو شجاع الأصفهاني رحمه الله في كتابه متن الغاية والتقريب المشهور بمتن أبي شجاع: فصل، وإذا حلف ألا يطأ زوجته مطلقا أو مدة تزيد على أربعة أشهر فهو مول ويؤجل له إن سألت ذلك أربعة أشهر، ثم يخير بين الفيئة والتكفير أو الطلاق، فإن امتنع طلق عليه الحاكم. هذا الفصل فيما يتعلق بالإيلاء. والإيلاء هو أن يحلف الرجل على أن لا يطأ امرأته أبدا أو مدة أكثر من أربعة أشهر، فيقول مثلا: والله لا أقربك أبدا، أو لا أطأك سنة أو سنتين أو أكثر من ذلك، أو ستة أشهر مثلا، إما أن يكون بلا قيد للتأبيد أو يكون بمدة أكثر من أربعة أشهر، أو يقيده بشيء يعني بعيد شيء مستبعد كنزول عيسى عليه السلام، فيقول: أقربك حتى ينزل عيسى عليه السلام أو نحو ذلك. وهنا يكون قد وقع في الإيلاء. فقال هنا: وإذا حلف ألا يطأ زوجته مطلقا، فقول: زوجته خرج به غير الزوجة، فإذا آل من مملوكته فلا يكون بذلك مول ولا يقع في حقه الإيلاء، لا بد أن يكون الحلف على زوجة. قوله مطلقا يعني من غير أن يقيده بفترة معينة أو مدة تزيد على أربعة أشهر. وهذا هو قول الشافعي رحمه الله: أن الإيلاء يكون الحلف على ترك الوطء مدة أكثر من أربعة أشهر، وهو كذلك قول الإمام أحمد رحمه الله، بل هو قول الجمهور من أهل العلم، خلافا لأبي حنيفة. فإن أبو حنيفة قال: إذا حلف أن لا يقربها أربعة أشهر فما فوق فهو مول. والجمهور على أنه لا بد أن يحلف مدة أكثر من أربعة أشهر. أما إذا حلف بمدة أربعة أشهر فما دون، تعتبر هذه يمينا محضة. يقول هنا: أو مدة تزيد على أربعة أشهر فهو مول، يعني وقع في الإيلاء. لماذا؟ لأن المرأة تتضرر بذلك إذا لم يأتيها الرجل أو الزوج خلال هذه المدة أربعة أشهر أو أكثر من ذلك تضررت، لمنعها من حقها وحاجتها لإشباع غريزتها في ذلك. قال: ويؤجل له إن سألت ذلك أربعة أشهر، يعني إذا حلف أنه ما يقرب أبدا أو قال والله ما أقربك سنة، فإنه ينتظر يؤجل إن سألت ذلك أربعة أشهر، ينتظر إذا قالت المرأة: أنا أريد حقي طالبت بحقها، يقال: انتظري حتى تمر أربعة أشهر. وإن لم تسأل لو سكتت وما طالبت ما عليه شيء، الحق لها إذا طالبت بحقها لها ذلك. إن لم تطالب، فهل يقع شيء؟ الصواب أنه لا يلزمه شيء إذا لم تطالب المرأة. قال: ثم يخير بين الفيئة والتكفير أو الطلاق، يعني ينتظر أربعة أشهر، بعد مضي أربعة الأشهر يقال له: تعال، يدعوه الحاكم أو القاضي، ثم يقال له: اختر إما الفيئة والتكفير يعني الفيئة بالرجوع إلى الزوجة وجماعها، إما أن تطأ امرأتك وتجامعها وتكفر كفارة يمين، لأنه حلف أنه ما يقربها أكثر من أربعة أشهر، قل الآن سيأتيها في أقل من هذه الفترة وسيحنث في يمينه، إذن يأتيها ويكفر كفارة يمين. فإن أبى، قال: لا أنا ما سأقربها، يقال له: إذن طلق، عليك أن تطلقها وتفارقها، لقول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. فإن فاءوا يعني رجعوا عن يمينهم وأتوا نساءهم، فالله غفور رحيم، يغفر له ما حصل من اليمين والحلف. وإن عزموا الطلاق يعني إذا رفض أن يأتيها فعليه أن يطلق ويفارق، لأنه منع المرأة من حقها، فلا يحبسها معه. وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم، يسمع كلامهم وأعلم بأحوالهم. طيب إن أبى، قال: ما سأأتيها وما سأطلق، حينئذ يطلق، يأمره الحاكم بالطلاق، يقال له: طلق بالقوة. وهذا طلاق بحق، فإن أبى طلق عليه الحاكم، طلق عنه الحاكم، ويكون كالنائب له أو عنه في الطلاق. وحينئذ يقع الطلاق. هذا حكم الإيلاء. قال رحمه الله: فصل، والظهار أن يقول الرجل لزوجته: أنت علي كظهر أمي. فإذا قال لها ذلك ولم يتبعه بالطلاق صار عائدا ولزمته الكفارة. والكفارة عتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب المضرة بالعمل والكسب. فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا كل مسكين مد. ولا يحل للمظاهر وطؤها حتى يكفر. هذا الفصل فيما يتعلق بالظهار. والظهار لغة مأخوذ من الظهر، لأن الرجل يشبه امرأته بظهر أمه. وفي الشرع هو تشبيه الرجل امرأته في الحرمة بحرمة أمه أو غيرها من المحارم، أن يشبه رجل امرأته في الحرمة بظهر أمه أو غيرها من محارمه. وكان الظهار في الجاهلية طلاقا، فجاء الشرع فحرم الظهار وبيّن أنه منكر من القول وزورا، قال جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾. فجاء الشرح بتحريم هذا اللفظ وهو الظهار، ولم يجعله طلاقا، وإنما جعل فيه كفارة. وأول ظهار وقع في الإسلام في قصة خولة بنت ثعلبة زوجة أوس بن الصامت، لما ظاهر منها زوجها، فجاءت تشتكي إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فأنزل الله عز وجل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ إلى آخر الآيات. يقول رحمه الله: والظهار أن يقول الرجل لزوجته، إذن قول لزوجته يدل على أن الظهار لا يقع لغير الزوجة، فلو ظاهر من أمته المملوكة لا يقع عليها الظهار. قال: أنت علي كظهر أمي، قال: فإذا قال لها ذلك ولم يتبعه بالطلاق صار عائدا. ما معنى عائدا؟ يعني يريد بذلك أنه وقع في العود الذي قال الله عز وجل فيه: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾. فسر الإمام الشافعي رحمه الله العود بأنه أن يمسك امرأته بعد الظهار منها زمنا يتمكن فيه من الطلاق ولا يطلق، قال: هذا هو العود. فإذا فعل ذلك كان عائدا ولزمته بذلك الكفارة. وذهب بعض أهل العلم إلى أن العود هو العود إلى لفظ الظهار، وهو قول ضعيف. وذهب الإمام مالك إلى أن المراد بالعود العود إلى الجماع أو الإمساك أو إمساكها. والإمام أحمد ذهب إلى أن العود هو الجماع، يعود إلى جماعها. ولعل هذا هو الأظهر والله أعلم. قال: ولزمته الكفارة، يعني إذا وقع في الظهار ثم أراد أن يرجع إلى امرأته فلا بد أن يكفر، لا بد أن يكفر قبل أن يمسها وأن يعود إليها، لقول الله جل وعلا: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾. قال: والكفارة عتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب المضرة بالعمل والكسب. هذا أول الواجبات في الكفارة، وهو عتق رقبة مؤمنة. قال: فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، كما قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّاﳾ. قال: فصيام شهرين متتابعين، يصوم شهرين وهذه الشهران متتابعة، يعني لا يفصل بينهما بفاصل من غير عذر. قال: فإن لم يستطع ينتقل بعد ذلك إلى الإطعام، قال: فيطعم ستين مسكينا، لا بد أن يطعم ستين مسكينا، لا يجزئ مسكين واحد يطعمه ستين مرة، لأن الله هنا اشترط العدد. قال: كل مسكين مد، يعني يعطى لكل مسكين مد من الطعام من البر. قال: ولا يحل للمظاهر وطؤها حتى يكفر، يعني إذا أراد أن يأتي زوجة التي ظاهر منها، نقول: لا تقربها حتى تكفر أولا، كفر الكفارة أمرك الله، ثم أتها. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمظاهر: «لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به». والله عز وجل يقول: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، يعني قبل أن يحصل المسيس وهو الجماع. فلا بد من الكفارة أولا قبل حصول الجماع. وأمر الله بذلك في كفارة الرقبة وفي صيام الشهرين، لكن في الإطعام ما ذكر ذلك، قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾. ولم يقل: من قبل أن يتماس. اختلف أهل العلم: هل يشترط في الإطعام ذلك؟ يعني أن يطعم قبل أن يمسها أو يجوز أن يمسها ثم يطعم على قولين. والصواب أنه لا بد من الإطعام قبل المسيس، لأن الله عز وجل ذكر ذلك في كفارة الرقبة وفي كفارة الصيام، ويكون هنا في الإطعام كذلك مثلها، إما من جهة القياس، وهو قياس جلي، إذ لا فرق بين الأمر بكفارة الرقبة أو بصيام شهرين متتابعين واشتراط ذلك أن يكون قبل المسيس، وبين التكفير بالإطعام. أو كذلك من حيث المعنى، فإن ذكر أو حذف القيد هنا قد يحذف لأنه قد علم بما سبق في الآيات الأخرى التي قبلها، فلكونه معلوما لم يحتج إلى ذكره في هذا الموضع. ثم إن الشارع لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع، فلما أمر الله عز وجل بذلك قبل المسيس في كفارة القتل في عتق الرقبة وفي صيام الشهرين، دل على أنه كذلك قبل أن يمسها بكفارة الإطعام. قال: المسكين يقول أهل العلم: وأحسن تعريف تعريف النبي صلى الله عليه وسلم له، قال: «ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده التمرة والتمرتان والأكلة والأكلتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه». نعم، الذي لا يجد غنى يغنيه، الذي ما عنده ما يغنيه فهو المسكين. والمسكين أحسن حالا من الفقير، بعض الأئمة يقول: المسكين الذي ما عنده كفاية سنة، وأما الفقير هو دون ذلك. ويدل على أن الفقير أشد، قال الله صلى الله عليه وسلم للفقراء المهاجرين: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾، فأخبر الله أنهم تركوا أموالهم تركوا بلادهم. وقال في المساكين: ﴿وَأَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾، أخبر أنهم مساكين ويكون سفينة، إذا المسكين أحسن حالا. لكن مع ذلك لا يسد ما معه حاجته فيستحق من الزكاة. طيب هنا نقول: من لم يكن غنيا فهو مسكين، من لم يكن غنيا فهو المسكين. طيب الله تعالى أعلم. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.