الدرس في آداب النوم 9، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن أهمية ذكر الله عند النوم ويعتبره من السنن المؤكدة، ويحذر من النوم دون ذكر الله. يشدد على أهمية قراءة القرآن عند النوم.
يُنصح بقراءة آية الكرسي وآخر آيتين من سورة البقرة وسورة الإخلاص والمعوذتين عند النوم لحفظ النائم من الشيطان والآفات. ثبت ذلك في الأحاديث النبوية الصحيحة.
ذكرت السنة النبوية بعض السور القرآنية التي كان النبي يقرأها قبل النوم مثل المعوذات الثلاث وسورة الكافرون، وتأكيد على أهمية اتباع السنة النبوية بالصلاة على النبي.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، ولازلنا في هذا المبحث، إخواني في الله، في ذكر الآداب التي تتعلق بالنائم في أثناء نومه. وكان مما مضى معنا ما يتعلق بهيئته في مطجعه، وما يتعلق كذلك بطهارته، أيضًا من المباحث المهمة في هذا الباب، إخواني في الله، وهي من السنن المؤكدة التي جاءت عن رسول الله في آداب نائم أنه يكون منشغلاً بذكر الله، منشغلاً بذكر الله عند نومه. فإن هذه من الآداب التي قررها الإسلام وحرص عليها رسول الأنام عليه الصلاة والسلام. ذكر الله جل وعلا، إخواني في الله، ينبغي أن يكون مع المسلم في كل أوقاته، وفي كل أحواله، في مقامه ومجلسه، وفي نومه ومضجعه. ولهذا صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: «من الضجع مضجع لم يذكر الله فيه إلا كان عليه ترة يوم القيامة». من الضجع مضجع لم يذكر الله فيه إلا كان عليه ترة يوم القيامة. فالمضجع وهو المكان الذي تأوي إليه إذا نمت، ولم تذكر الله فيه، فإنه يكون عليك ترة. وفسر العلماء الترة بمعنى الحسرة، بمعنى الحسرة. وقد صح عن بعض السلف، وقد مر هذا معنى في دروس قد سبقت في آداب النائم، أن بعض السلف أنهم قالوا: من آوى إلى فراشه طاهرة، ونام ذاكرا، كان فراشه مسجدا، وكان في صلاة وذكر حتى يستيقظ. هذا الأدب من كان من أهله، فكان ذاكرا لله، ونمت طاهرة، فإنما كأنك في صلاة وذكر إلى أن تستيقظ. وهذا فضل عظيم، إخواني في الله، يدلك على فضيلة ذكر الله سبحانه وتعالى، فيه فضيلة لذكر الله جل وعلا وأنت تأوي إلى فراشك. ولا شك ولا ريب، إخواني في الله، أن ذكر الله كثير. ذكر جماعة من العلماء أن الأذكار والأوراد المروية في هذا الباب لربما وصلت إلى أربعين ذكرى، إلى أربعين ذكرى. هذا ذكر في المطولات ممن تتبع الأذكار والأوراد التي تذكر عند النوم. لكن في هذا المقام، إخواني في الله، حسبنا أن نسلط الأضواء على أهم ما ينبغي أن يحرص عليه المسلم. وأعظم ذكر، إخواني في الله، أن تحرص عليه عند نومك أن تقرأ شيئا من القرآن، فهو من أعظم الذكر. من أعظم الذكر أنك تنام على شيء من القرآن، وذلك بأن تتلفظ به، ليس تكتفي أن تستمع إلى مذياع أو إلى مستجل، لا بل أنك تذكر الله بلسانك، تذكر الله بلسانك. وقراءة القرآن كذلك مجالها واسع، لكن احرص على أن تقتدي بما كان يفعله عليه الصلاة والسلام. إذ أن نبينا كان يقرأ شيئا من القرآن مخصوص، هذا الذي نود أن نتتبعه من سيرته وسنته في قراءته لآية القرآن الذي يقرأها عند نومه عليه الصلاة والسلام. فمن ذلكم كان ينام على آية الكرسي، ينام على قراءة آية الكرسي. وآية الكرسي، ولله الحمد، يحسنها الجميع، والذي لا يحفظها ينبغي أن يحس على حفظها، فهي نافعة من كل سوء ومن كل شر، وخاصة عند نومك. ولهذا أرشد نبينا صلى الله عليه وسلم النائم إذا أوى إلى فراش أن يقرأ آية الكرسي، وأخبر صلى الله عليه وسلم أن من فضلها أنه لا يزال عليك من الله حافظ، أنه لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك الشيطان حتى تصبح. هذه من منافع آية الكرسي إذا قرأتها عند نومك. لا يزال عليك من الله حافظ، يقول: هناك حافظ وكله الله عليك. وأيضا لا يقربك الشيطان حتى تصبح. هذا إذا جئت بآية الكرسي، كذلك من هذه الآيات آخر آيتين من سورة البقرة، وهي من قوله سبحانه وتعالى: ﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. هذه آخر آيتين من سورة البقرة، من قوله: ﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ الآيات. هذه كذلك حرص نبينا، بل أرشد نبينا الأمة إلى أن تقرأها، وثبت ذلك في الصحيحين من حديث أبي مسعود رضي الله تعالى عنه. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه». في ليلة كفتاه. وما معنى كفتاه؟ قال إمام النووي رحمه الله تعالى، شارحا لهذه الكلمة: ويتعد من فضائل هذه الآيات للنائم أنها كفتاه. قيل: تكفيه عن قيام الليل. قيل: كفتاه أنها تكفيه من الشيطان ومن أذيته. وقيل: كفتاه أنها تكفيه من الآفات والشرور، تكفيك من الآفات والشرور. حتى قال النووي رحمه الله تعالى: ويحتمل الجميع، كل ذلك يدخل في كفاية هذه الآية للنائم. فحرص عبد الله كذلك عند نومك أن تنام على قراءة هاتين الآيتين، وهي من الآيات السهلة التي يحرص المسلم على حفظها. كذلك مما يذكر من كتاب الله جل وعلا في حق النائم أنه يقرأ بسورة الإخلاص وبالمعوذتين، يحرص على هذه السور: «قل هو الله أحد»، و«قل أعوذ برب الفلق»، و«قل أعوذ برب الناس». فقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يقرأها في كل ليلة، يقرأ هذه السور في كل ليلة. لها ثبت في صحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه في كل ليلة». وهذا يدلك على الاستمرارية. قال: «جمع كفيه». وهذه القراءة لها كيفية، وكيفيتها أنك تجمع الكفين. قال: «جمع كفيه، ثم نفث فيهما». والنفس مثل التفل، لكن التفل يكون فيه ريق، وأما النفس فيكون فيه ريح، صوت ليس فيه بصاق. فهذا الفرق بين النفس وبين التفل، أن التفل يكون فيه شيء من الريق، وأما ما يتعلق بالنفس لا، فليس فيه ريق وإنما فيه مثل الهواء. فكان نبينا إذا أراد أن يقرأ بهذه السور، أولا يجمع كفيه، ثم ينفخ أولا، ثم يقرأ وهو قد جمع بين كفيه، يقرأ فيهما. قالت عائشة: «فقرأ فيها قل هو الله أحد، قل أعوذ برب الفلق، قل أعوذ برب الناس»، أن يقرأ السور كاملة. قال: «ثم يمسح بهما». بعد ذلك، بعد الجمع تمسح بهما. وكان نبينا كما قالت عائشة: «يمسح بها ما استطاع من جسده، يبدأ على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده». يفعل ذلك ثلاث مرات عليه الصلاة والسلام، يجمع الكفين، ينفخ، يقرأ، ثم يمسح على جسده ما أقبل من جسده، ثم الثانية، ثم الثالثة. هذا الذي ثبت عنه عليه الصلاة والسلام في كل ليلة. كذلك من سور القرآن، إخواني في الله، قراءة سورة الكافرون: «قل يا أيها الكافرون». فهي من السور التي جاءت بها السنة في أن النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بها. وهذه، إخواني في الله، هذه الأوراد من آيات القرآن تجعلك في سعة، أن بعض الناس لربما يستعظم بعض السور لأنها فيها طول، لكن بعضها ميسور الحال، لربما ما تأخذ منك سوى دقيقة في قراءتها وينتهي بك الأمر، فتتحصل على فضاء العظيمة. فمثل هذه سورة «قل يا أيها الكافرون»، ما منا من أحد من صغير ولا كبير، ولا ذكر ولا أنثى، إلا قد حفظها وأتقنها. ائتي بها، ماذا قال نبينا في حقها في فضيلتها؟ فقد جاء عند الترمذي، وحسنه شيخ الألباني، وهكذا الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أن رجلا قال: «يا رسول الله، علمني شيئا أقوله إذا أويت إلى فراشي». فقال عليه الصلاة والسلام: «اقرأ قل يا أيها الكافرون، فإنها براءة من الشرك». اقرأ «قل يا أيها الكافرون»، فإنها براءة من الشرك. فانظر لعظيم الفضل مع قليل العمل، وهي قراءة هذه السورة الصغيرة. فالحاصل، إخواني في الله، وكذلك من العلماء من حسن أحاديث فيها قراءة سورة السجدة، «الم تنزيل السجدة»، وسورة «تبارك»، وسورة الزمر، وسورة الإسراء. نعم، العلماء بعضهم حسن أحاديث في هذا الباب، ويرجع ذلك في المطولات. فالحاصل، إخواني في الله، أن الإنسان يحرص عند نومه أن يقرأ شيئا من القرآن، ويحرص على مثل هذه الأذكار التي ثبتت عن رسول الله في الإتيان بها، من قراءة آية الكرسي، أو آخر آيتين من سورة البقرة، أو «قل هو الله أحد»، و«قل أعوذ برب الفلق»، و«قل أعوذ برب الناس»، أو بقراءة سورة الكافرون، فهنها وغيرها مما جاء ذكره، فهي من الأذكار القرآنية النافع عندنا. وبقي هناك أحاديث من أقواله عليه الصلاة والسلام تترك في مقام آخر. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.