الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 101، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
وفد طي برئاسة زيد الخيل أسلموا وحسن إسلامهم، ووردت روايات في مدح النبي له وتغيير اسمه إلى زيد الخير وقطعه أرضاً لكن الألباني ضعفها، ومات زيد في طريق العودة فأحرقت زوجته كتب القطع. كما قدم وفد عبد القيس برئاسة الجارود العبدي الذي كان نصرانياً فأعلن ترك دينه ودخول الإسلام.
يسرد المقطع قصص عدد من الوفود التي وفدت على النبي صلى الله عليه وسلم فأسلمت، مثل وفد عبد القيس وما أثنى به النبي على الأشج من الحلم والأناة، وقصة العلاء بن الحضرمي مع المنذر بن ساوي. ويفصل في وفد بني حنيفة الذي كان فيهم مسيلمة الكذاب، حيث تخلف عن القدوم لحفظ الرحال فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم مثل نصيب أصحابه، ثم ارتد مسيلمة بعد ذلك وادعى النبوة مشاركاً للنبي في الأمر.
يذكر المقطع ادعاء مسيلمة النبوة ومشاركته النبي صلى الله عليه وسلم في الوحي مع إقراره بنبوة محمد، ويروي قصة مراسلته للنبي طالباً نصف الأرض ورد النبي عليه بكتاب يصفه بالكذاب ويؤكد أن الأرض لله يورثها من يشاء. تم إنهاء مبحث الوفود، وسيتم في الدرس القادم الحديث عن حجة أبي بكر بالناس في سنة عشر هجرية.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد، فما زلنا في ذكر الوفود التي وفدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد غزوة تبوك، فذكر الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى بعض هذه الوفود، فذكر وفد بني تميم، وعرفنا تفصيل وفودهم وإسلامهم. قال: «وفد طي»، وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد طي، فيهم زيد الخيل وهو سيدهم، فعرض عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا وحسن إسلامهم. وهذا جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد، وفيه قصة الخارجي الذي عارض قسمة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وطي هي بلاد حاتم الطائي المشهور بالكرم، واليوم تسمى حائل، حائل هي طي، يعني بلد وفد طي يقال له اليوم حائل في أطراف المملكة. قال ابن إسحاق: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثني من لا أتهم من رجال طي: «ما ذكر لي رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه، إلا زيد الخيل فإنه لم يبلغ كل ما فيه». وهذه القصة غير ثابتة، فهي قصة ضعيفة جاءت من طرق كلها لا تصح. وقال الإمام العلامة المحدث الألباني كما في سلسلة الأحاديث الضعيفة برقم 43 و 400 و 4000: أنه حديث موضوع، فهو لم يثبت. ومعنى هذا الحديث: «ما ذكر لي رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه»، يعني ما وصف له رجل بأوصاف إلا إذا جاء هذا الرجل رآه دون ما وصف، يعني ليست الأوصاف بصحيحة في هذا الرجل الذي وصف له، إلا هذا الرجل زيد الخيل، وهو سيد طي، سيد طي. فلما وصف للنبي عليه الصلاة والسلام أي ما عليه من الصفات الحميدة والأخلاق الفاضلة، فإن ما وصفوه به دون ما فيه، هذا معنى قوله: «فإنه لم يبلغ كل ما فيه»، يعني أن الصفات التي وصفت له هو تعداها، تعداها وزاد عليها، وهذا فيه مدح، وفيه كذلك تزكية بهذا الرجل، لكن الحديث لا يثبت، بل هو حديث موضوع. قال: «ثم سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير». أنا عندي هنا في أول الأمر «الخيل»، ثم هنا «الخير»، أنتم عندكم كذلك «الخيل» ثم «الخير»، على كل حال سواء كان هذا أو ذاك، فهذا أيضاً لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم سماه بذلك. جاء مثل هذا في السنة لابن أبي عاصم، وضعفها الألباني عليه رحمة الله. قال: «وأقطعه فيداً وأرضين معه، وكتب له بذلك كتاباً، فخرج من عنده راجعاً إلى قومه، فلما انتهى إلى ماء من مياه نجد يقال له فردة، أصابته الحمى بها فمات، فعمدت امرأته إلى ما كان معه من الكتب التي أقطع لها بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فحرقتها بالنار». وهذا أيضاً التفصيل لم يثبت، فالذي ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد إنما هو وفد بني طي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسلامهم، هذا الذي ورد فيما ذكره المؤلف رحمه الله. قال: «وفد عبد القيس»، وفد عبد القيس، قال: «وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الجارود العبدي في وفد عبد القيس، وكان نصرانياً، فقال: يا رسول الله، إني على ديني، يعني النصرانية، وإني تارك ديني لدينك، يعني سأترك دين النصارى وأتبع دينك دين الإسلام. قال: فَتَضَمَّن لي بما فيه، هل تضمن لي أنك على الحق وأن دينك هو الدين الحق؟ هل تضمن لي بما فيه؟ قال: نعم، أنا ضامن لذلك، إن الذي أدعوك إليه خير من الذي كنت عليه». وهذا لا شك لأن الإسلام ناسخ لما قبله من الأديان. «إن الذي أدعوك إليه خير من الذي كنت عليه»، فأسلم وأسلم أصحابه، فكان حسن الإسلام، صلباً في دينه، يعني قوياً في دينه، حتى هلك، يعني حتى مات، وقد أدرك الردة، أي زمن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. وهذه القصة وهذا الوفد ذكر حديثها العلامة الألباني في الصحيحة برقم عشرين وستمائة، لكنها مختصرة، ليست بهذا التفصيل، وإنما باختصار، فيرجع إلى هذا المصدر «الصحيحة»، سيكون في المجلد الثاني، رقم الحديث ستمائة وعشرين. قال: «وكان في الوفد الأشج عبد القيس، الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن فيك لخصلتين يحبهم الله: الحلم والأناة». وهذا فيه حثٌ على هاتين الخصلتين، وهذين الخلقين الكريمين: الحلم، وهو إمساك الغضب عند إثارة العبد، لا يغضب ولا ينتقم، وإنما يملك نفسه عند الغضب، هذا هو الحلم. والأناة: يعني التؤدة، لا يتعجل ولا يتسرع، فهذه أخلاق حميدة حث عليها الإسلام كما في هذا الحديث وفي غيرها من الأحاديث. قال: «وقد كان رسول الله...» وحديث الأشج في صحيح مسلم، وأصل القصة في الصحيحين. قال: «وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث العلاء بن الحضرمي قبل فتح مكة إلى المنذر بن ساوى العبدي، فأسلم وحسن إسلامه، ثم هلك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ردة أهل البحرين، والعلاء عنده أميراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم على البحرين». والتفاصيل التي ذكرت في هذه القصة ضعيفة، قصة ضعيفة، لكن أصل الوفد ثابت كما تقدم. قال: «وفد بني حنيفة، فيهم مسيلمة»، أي مسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة فيما بعد. قال: «وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بني حنيفة، فيهم مسيلمة الكذاب، فأتوه، أي بني حنيفة، أي بني حنيفة، وخلفوا مسيلمة في رحالهم، أي جعلوه يعني على رواحلهم بمعنى يرعاها، ولم يأتِ معهم إلى النبي عليه الصلاة والسلام. فلما أسلموا ذكروا مكانه، أي ذكروا مسيلمة، وأنه تخلف عنهم كي يخلف رحالهم». قال: «فلما أسلموا ذكروا مكانه، فقالوا: يا رسول الله، إن خلفنا صاحباً لنا في رحالنا يحفظها لنا، فأمر له بمثل ما أمر به للقوم». والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان من جاءه مسلماً يأمر لهم بشيء، ومن أجل تأليفهم يتألفهم على الإسلام لأنهم حديث عهد به، فهو عليه الصلاة والسلام يكرمهم ويعطيهم عطاء من لا يخشى الفقر. فلما أعطى كل فرد من هؤلاء ذكروا له مسيلمة، فقالوا: لا تنسَ أعطِه مثل ما أعطيتنا، إنما تخلف لأنه يحفظ رحالنا، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر له بمثل ما أمر للقوم. «وقال: أما إنه ليس بشركم مكاناً، طالما أنني أعطيتكم فهو كذلك يعطى مثلكم، يعني لحفظه ضيعة أصحابه، طالما أنه يحفظ رحالهم فهو ليس بشرهم، فأمر له بما أمر للقوم». ثم انصرفوا، فلما انتهوا إلى اليمامة، لأن بني حنيفة يسكنون اليمامة، ارتد عدو الله وتنبأ، أي مسيلمة، وقال: «إني أشركت في الأمر معه»، بمعنى هو نبي وأنا معه نبي، فأنا شريك له في النبوة، فأنا شريك له في النبوة. فهو لم ينكر نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، أثبت للنبي صلى الله عليه وسلم، لكن كذلك أثبتها لنفسه، وهذا كفر، لأنه لا نبي مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولا كذلك بعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فمن اعتقد ذلك أو ادعى ذلك فهو كافر، ولكن رسول الله وخاتم النبيين، فلا نبي معه ولا نبي بعده. «قال: إني أشركت في الأمر معه، وقال للوفد: ألم يقل لكم: أما إنه ليس بشركم مكاناً؟ وما ذاك إلا لما كان يعلم أني أشركت في الأمر معه». يعني قال: ماذا قال لكم النبي صلى الله عليه وسلم؟ إنني لست بشركم، إذن هذا تزكي لي، ففهم من هذا أنه شريك للنبي صلى الله عليه وسلم في النبوة. انظروا إلى هذا الفهم السقيم، وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لأنه لم يغب عن حضوري، أو الحضور مع القوم، لكره أو لكسل أو نحو ذلك، وإنما لمصلحة وهو حفظ رحالهم، فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: «أما إنه ليس بشركم مكاناً»، وليس معنى أنه نبي مع نبينا عليه الصلاة والسلام. «قال: ثم جعل يسجع لهم السجعات، يعني يأتي لهم بكلام فيه سجع، يزعم أنه يوحى إليه، وأن هذا الكلام مثل القرآن، مثل القرآن، مضاهاة للقرآن». وهو مع ذلك يشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالنبوة. «وكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أي مسيلمة: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد، فإني أشركت في الأمر معك، وإن لنا نصف الأرض، ولقريش نصفها، ولكن قريشاً قوم لا يعدلون». إذن الأمر دنيا، ادعى ذلك يريد الأرض ويريد المال، لا الدعوة إلى حق وإلى دين. «فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، فوصفه بالكذب، السلام على من اتبع الهدى». وهذا فيه أنه قد كفر بادعائه للنبوة، وهذا السلام يقال للكافر، لا يقال: الكافر السلام عليكم، وإنما «السلام على من اتبع الهدى»، أي على المسلم، أما من اتبع الغي والضلال فليس عليه السلام. «أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين». وهذه القصة رواها ابن إسحاق، ولكن لم يسندها، نعم فهي قصة ضعيفة بهذا التفصيل، ولكن ادعاء مسيلمة للنبوة هذا ثابت، هذا ثابت، وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يزال يدعي ذلك، ثم قاتله الصحابة في زمن أبي بكر حتى قتله الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فلما بلغ ذلك أبا بكر رضي الله تعالى عنه سجد لله شكراً، سجد لله شكراً، فهذا ثابت أنه ادعى النبوة، لكن بهذه التفاصيل وبهذه الرسائل ونحو ذلك، هذه أوردها ابن هشام، لكنها بدون إسناد، بدون إسناد، بل ذكرها بلاغاً، أي بلغني. قال: «وقال للرجلين الذين أتيا بكتابه: ما تقولان؟ يعني هل توافقانه على زعمه من أنه أشرك معي في النبوة؟ ما تقولان؟ فقالا: نقول كما قال، يعني من أتباعه وممن آمن به وصدقه. فقال: أي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت رقابكما». وذلك في آخر سنة عشر، في آخر عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا فيه أمر قد تعارف عليه العرب، وهو أن الرسل لا تمس بشيء ولا تقتل. نعم، وهذا أيضاً ورد بأسانيد كذلك لا تصح، لا تصح، والله تعالى أعلم. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا والحمد لله رب العالمين. بهذا نكون قد انتهينا من مبحث الوفود، في الدرس القادم إن شاء الله ننتقل إلى حجة أبي بكر بالناس، وذلك في سنة عشر.