المحاضرة بعنوان الذكرى ببعض أشرط الساعة الصغرى، والتي كانت بمسجد المنصور بالمنصورة الجديدة بالشحر يوم الجمعة 7 ربيع الأول 1443هـ الموافق 22 سبتمبر 2023م ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يستهل الدرس بالحث على مجالس العلم والذكر ثم يفسر آية الاستقامة في سورة هود مبيناً عظمتها وصعوبة تحقيقها، وأن الأمر بها للنبي صلى الله عليه وسلم يدل على مشقتها. ويوضح أن لفظة «كما أمرت» تفيد المماثلة لا التشبيه، وأن الاستقامة لا تؤخذ إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم مع لزوم التوبة والنهي عن الطغيان.
يفرق الدرس بين صفة البصير والعليم في القرآن ويربط آية الاستقامة بالنهي عن الطغيان وآية النهي عن الركون للظالمين، مؤكداً أن الدين يجمع صلاح الأعمال وصحة الإيمان. ثم ينتقل للحديث عن الساعة وعلمها عند الله وحده، مستدلاً بأحاديث جبريل وآيات القرآن.
يستعرض الدرس أدلة القرآن والسنة على قرب الساعة كانشقاق القمر وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم وموته، ويؤكد أن الساعة آتية بغتة لا ريب فيها. كما يبرز اهتمام الصحابة رضي الله عنهم بالآخرة وعلامات الساعة في أحاديثهم ومذاكراتهم.
يتناول الدرس حديث النبي ﷺ عن علامات الساعة العشر الكبرى، ويقسم أشراط الساعة إلى صغرى وكبرى مبيناً ما وقع وانقضى وما يتكرر وما لم يقع بعد. ويستعرض حديث أبي هريرة عن ست علامات صغرى تقوم الساعة بعدها وأولها قبض العلم بموت العلماء.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فتعلمون أيها الإخوة أن الله عز وجل زكى من يستمع إلى الذكر، ويستمع إلى القول فيتبع أحسنه، ويتبع ما كان موافقًا لكتاب الله ولسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما قال ربنا جل وعلا في وصف أهل الإيمان: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، أولئك الذين هداهم الله إلى الحق وإلى الطريق المستقيم، وأولئك أهل القلوب السليمة، وأهل القلوب التي توجهت إلى الله جل وعلا، فلذلك تحرص على الاستماع إلى العلم وأخذ العلم، وكذلك أيضًا مجالس العلم، فيستمعون إلى ذكر الله جل وعلا وينتفعون بذلك، كما قال جل وعلا: ﴿وَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾، الذي يخشى الله عز وجل، والذي يخاف من ربه سبحانه وتعالى ينتفع من الذكرى. وبحمد الله جل وعلا أن الله عز وجل جعل مجالس أهل السنة مجالس علم ومجالس وعظ وذكر لله جل وعلا، مجالس يذكر فيها كتاب الله جل وعلا وآيات، ومجالس تذكر أيضًا فيها سنة رسول الله صلوات الله وسلام عليه، فينتفع العبد بالعلم والوعظ والذكر، وهذا خير عظيم قد لا تجده في مجالس غير أهل السنة، فلذلك فينبغي عليك أيها العبد أن تحرص على مثل هذه المجالس، تستمع لذكر الله جل وعلا، وتنهل من العلوم التي هي من علوم الكتاب والسنة، وكذلك أيضًا تتذكر وتتعظ مما يلقى من آيات الله ومن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلذلك أيها الإخوة تعلمون أن في هذه الليلة محاضرة للشيخ الفاضل أبي خالد وليد مقرم حفظه الله تعالى، فإن شاء الله تعالى يلقي على مسامعنا محاضرته بعد أداء ركعتين السنة، نسأل الله عز وجل أن يوفقه وأن يسدده، والحمد لله رب العالمين، جزاكم الله خيرًا. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم. أما بعد، فإن الله عز وجل بعث إلينا محمدًا عليه الصلاة والسلام، وأنزل على محمد عليه الصلاة والسلام كتابًا عظيمًا ألا وهو القرآن. يقول الإمام ضياء الدين بن الأثير عالم اللغة والأدب: قال إن في القرآن أسرارًا، من تمعن فيها وتدبرها وغار في أسرارها أتى فيها بكنوز عظيمة. فقد قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه في آية من آيات كتاب الله: قال إن أشد آية نزلت على رسول الله عليه الصلاة والسلام ألا وهي قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. هذه الآية كلنا يحفظها وكلنا يسمعها، وقليل منا من يتدبرها، فإن هذه الآية عظيمة، هذه الآية إذا وقفت معها خرجت منها بعجائب لغوية وبلاغية، مع ما فيها من عجائب شرعية وأمور تعجز عن فهمها. يقول الله عز وجل في مستهلها آمرًا النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾. من تدبر القرآن وتمعن في آيات القرآن ونظر في خطابات الله سبحانه وتعالى في القرآن يجد أن الله عز وجل حين ينادي المؤمنين يناديهم بعدة نداءات: باسم الإيمان، باسم الإسلام، باسم الناس، بغيرها من الأسماء، إلا صفة واحدة ما جاء في القرآن المنادات بها، ألا وهي صفة الاستقامة، ألا وهي صفة الاستقامة. مع أنها وردت في القرآن في مواضع جمة بألفاظ كثيرة: منها الأمر بها، ومنها المدح لأهلها، ومنها بيان أحوال أهلها وعظيم منزلتها، وغير ذلك من صفاتها، وعظيم الأجر لأهلها وحملتها. فلماذا لم يناد الإنسان بالاستقامة؟ قال علماء التفسير: أن هذه الكلمة وإن كانت ألفاظها قليلة لكن يصعب تحققها، أي أنك يصعب أن تسمي إنسانًا ماذا؟ مستقيما. يمكن أن يقال: فلان مؤمن، فلان مسلم، أما لفظ الاستقامة فهذا ما جاءت في لفظه في نسبتها إلى شخص بعينه، إنما تؤمر بالاستقامة، لكن أن تنسبه إلى الاستقامة بالمعنى العام، المعنى الثابت فيه بصفاتها وجميع أحوالها، فهذه يعجز عنها، فلذلك جاء الأمر بها حتى لرسول الله عليه الصلاة والسلام وهو سيد المستقيمين عليه الصلاة والسلام: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾. نجد أن الله عز وجل يقول فيها: ﴿فَاسْتَقِمْ﴾، أمر للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿فَاسْتَقِمْ﴾، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام سيد المستقيمين، لأن كلمة الاستقامة كلمة صعبة المنال تحتاج إلى بدل جهد، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، فتحقيقها من الصع، فقال: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾. أتى بعد ﴿فَاسْتَقِمْ﴾ بماذا؟ بكافة تشبيه، وكافة تشبيه هنا ليس المراد بها التقريب، إنما المراد بها المماثلة، لأن كافة تشبيه تأتي بمعنى التقريب وتأتي بمعنى المماثلة، أي: كما، أي مثل ما أمرت، أي ليس شبيهًا بما أمرت، لأن بعض الناس فهموا ﴿كَمَا﴾ هنا بمعنى مشابهة، فعندئذ ظن أنه مستقيما وإن كان على غير الهدي النبوي، إنما شابه الهدي النبوي، فقال سبحانه: ﴿كَمَا أُمِرْتَ﴾، أي مماثلا لما أمرت به. وقال: ﴿كَمَا أُمِرْتَ﴾، أبانت هذه اللفظة ماذا؟ أبانت أن الاستقامة لا بد أن تكون بماذا؟ مأخوذة عن من أمر بها وهو النبي عليه الصلاة والسلام، أن تؤخذ عنه، أن يؤخذ عنه الاستقامة وشروطها وصفاتها تؤخذ عنه عليه الصلاة والسلام، فهو مصدرها: ﴿كَمَا أُمِرْتَ﴾. ثم قال: ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾، لماذا قال: ﴿وَمَنْ تَابَ﴾؟ فسر هنا تفسيرين، على تفسيرين: منهم من قال أنها نزلت في المشركين، أي: ومن تاب معك من المشركين إلى الإيمان، والتفسير الثاني أنها عنت المؤمنين، ولماذا قال: ﴿وَمَنْ تَابَ﴾؟ لماذا لم يقل: ومن اتبعك؟ قال: ﴿وَمَنْ تَابَ﴾ لأن الإنسان حين يطلب الاستقامة ويسعى في طلبها لا بد أن يعلم أنه لا بد أنه فيه تقصير، فلن يستطع إكمالها وإتمامها الإتمام الموصوف الشرعي الذي ماذا؟ قد كمل في استقامته، فابن آدم لا بد أن يأتيه ماذا؟ النقص والتقصير. وقال: ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾، وأتى بها بماذا؟ بسيرة السين وهي سؤال الطلب: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾. ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾، جاء بلفظ الطغيان بعدها لأن الاستقامة مدعاة لماذا؟ مدعاة لدفع الطغيان، دفع الطغيان، والطغيان هو أول خصم للاستقامة، وهو مجاوزة الحد، والطغيان هنا يأتي في آية أخرى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾، جاء في آية: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ﴾ بدل ﴿شَ﴾ أهواءهم بدل الطغيان بلفظ الأهواء، لأن الأهواء هي الطغيان، أي مجاوزة الحدود بدفع ما أمرت به من قبل: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا﴾، أي ولا تتجاوز الحد الذي أمرت باتباعه كي تكون مستقيما. ﴿وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، أي: حين طلبكم الاستقامة، إنه بما تعملون، أي حين أمرين، حين طلبكم الاستقامة بتحقيقها، وحين تقصيركم في طلبها، إنه بكل الأمرين عليم: ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. ثم قال: ﴿بَصِيرٌ﴾، ولم يقل: عليما، ما الفرق بين بصير وعليم مع أن الله ما من صفات سبحانه وأسمائه؟ لماذا اختار في هذا الموضع بصيرا؟ قال علماء التفسير: أن البصير أبلغ من كلمة عليم، لأن البصير جمع أمرين: العلم البين، وقوة العلم، قوة العلم بالأمر، وماذا؟ مع العلم البين الواضح الظاهر: ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. ثم أتبع الله هذه الآية: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾. ما الجمع بين الآيتين؟ الأولى أمر بالاستقامة وثوابها معلوم، وثوابها معلوم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ إلى غيرها من الآيات الكثيرة، لماذا جاء بعدها: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؟ ما الجامع بين ﴿لَا تَطْغَوْا﴾ و﴿لَا تَرْكَنُوا﴾؟ قال الحسن البصري: جمع الله الدين في ﴿لَا﴾، أين جمع الله الدين في ماذا؟ في ﴿لَا﴾، أين: ﴿لَا تَطْغَوْا لَا تَرْكَنُوا﴾، فلا تطغوا لماذا للأعمال، ولا تركنوا دلالة الإيمان، أي أنك يا عبد الله لا بد أن تجمع ماذا؟ الأمرين الصالحين: الإيمان والأعمال، الأعمال الصالحة في قوله: ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾، لأن عدم الطغيان صلاح الأعمال، والطغيان فساد الأعمال، وجاء الإسلام بماذا؟ بجلب المصالح وهي الأعمال الصالحة، ودفع المفاسد وهي المعاصي والذنوب وهي الطغيان. ثم جاء بعدها: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، وهي دفع ماذا؟ مناقضة الإيمان: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾. فهذه الآية سبحان الله، يعني حين تتدبرها تجد أن كلام ابن عباس في موضعه حين قال: هي أشد آية نزلت على رسول الله عليه الصلاة والسلام. ولذلك في هذه الأيام التي نحن فيها القادمة تجد أن الباطنية، الباطنية العبيدية، يحتفلون بماذا في هذه الأيام؟ بمولد رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهم حين يضعوا أنفسهم في هذه الآية قد حادوا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهم لم يستقيموا على نهج رسول الله كما أمروا: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾، فأين أنت يا من جئت بهذه المبتدعات المخالفات؟ أين أنت من قولي: ﴿كَمَا أُمِرْتَ﴾؟ حين تريد تحقيق الاستقامة وطلبها. ثم أن المبتدع فيها على حالتين: الحالة الأولى إما أنه يعتقد تمام الدين، تمام الدين، وأن محمدا عليه الصلاة والسلام قد أتم الدين، ولكن هو عنده من الوقت والزمن ما استوعب الدين الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام، فاحتاج إلى ماذا؟ إلى الإتيان بأعمال في ظنه صالحة كي يزداد من طاعة. الأمر الثاني: هو أنه مستحسن لعبادة، ويكون بذلك كما قال الإمام الشافعي: «من استحسن فقد شرع»، فيكون مشرعا مع الله سبحانه وتعالى، وذلك مناقض لهذه الآية: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾. أكتفي بهذا القدر، والله أعلم، وصلى الله على محمد، الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على المبعوث رحمة للعالمين، أبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله وصحابته الغر الميامين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعن معهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. نحمد الله عز وجل الذي يسر لنا هذا اللقاء في هذا البيت، ميوته تبارك وتعالى، وفي هذه الدار من دور الحديث في حضر الموت من بلاد اليمن بمدينة الشحر، جامع التقوى، وجزى الله خيرا خاني الشيخ الفاضل أبا همام عبد الله أبا سعد حفظه الله على ترحيبه ومقدمته، فجزاه الله خير الجزاء. كما نشكر أخينا أبا عبد الرحمن عبد الله الغريب حفظه الله تعالى على هذه الكلمة التي ذكرنا فيها بفوائد في قوله عز وجل: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾. أيها الإخوة في الله، إن الله عز وجل قد جعل لهذه الدنيا أجلا ستنتهي إليه، إذا بلغته لا تتقدم عليه ولا تتأخر، كما أنه جعل للعباد آجالا لا يستقدمون عليها ولا يستأخرون، فإذا جاء أجلهم فإنهم سينتقلون من هذه الدنيا، إذا جاء أجلهم فلا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون. والله عز وجل كما سمعنا فيما تلي علينا من آية ذكر الحكيم في سورة نوح عليه السلام: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾. الله عز وجل أنبتنا من هذه الأرض، قد خلق أبانا آدم عليه السلام من تراب، من طين هذه الأرض التي أنبتنا الله عز وجل منها بإنبات أبينا آدم عليه السلام الذي هو أصل البشر، ونحن ونحن بنوه، ولذلك يقال لنا: بنو آدم عليه السلام. سنعود لهذه الأرض التي أنبتنا الله عز وجل منها، ثم بعد ذلك نخرج منها، منها، منها، منها: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾. هذا الإخراج يكون عند انتهاء هذه الدنيا حين تقوم الساعة، حين يحشر العباد إلى الله عز وجل بعد نفخ إسرافيل عليه السلام في الصور: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾. فالساعة يا عباد الله لابد منها، إما ساعتك عبد الله وهي موتك وانتقالك من هذه الدنيا، ما من أحد إلا وله ساعة، هذه الساعة هي ساعة انتقاله من هذه الدنيا إلى دار البرزخ، دار الانتظار، وهي برزخ بين الدنيا والآخرة. وأما الساعة الكبرى فهي ساعة الخلق أجمعين التي يحشرون فيها جميعا إلى الله تبارك وتعالى. العلم بالساعة لا يعلمه إلا الله جل وعلا، فلا يعلم أحد، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، متى الساعة، إنما علم الساعة ومرد الساعة إلى الله تبارك وتعالى. قال عز وجل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾، هاكد أخو الله عز وجل، يسألك الناس عن الساعة، قل: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾. ويقول الله عز وجل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا * إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا * كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. فالساعة علمها عند الله عز وجل، قد سئل عليه الصلاة والسلام عن متى الساعة، روى الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر عن أبيه رضي الله عنهما في سؤالات جبريل عليه السلام نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، بعد أن سأل عن الإسلام، وبعد أن سأل عن الإيمان، سأل عن الإسلام فذكر الله أركان الإسلام الخمسة، وسأل عن الإيمان فذكر الله أركان الإيمان الستة، وسأل عن الإحسان فذكر له ركن الإحسان، ثم قال: فأخبرني عن الساعة، قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل»، أي المسؤول يعني نفسه عليه الصلاة والسلام بأعلم منها من السائل، أي جبريل عليه السلام، لو كان عند النبي صلى الله عليه وسلم علم بالساعة فكان ذلك عن طريق جبريل عليه السلام الموكل بإنزال الوحي من رب العالمين جل وعلا: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾. قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: «أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان» الحديث. وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال: يا رسول الله متى الساعة؟ والنبي عليه الصلاة والسلام يحدث أصحابه، فلم يجبه حتى قال البعض: لعله لم يسمع السائل عن الساعة، وقال بعضهم: بل سمع ولكن كره، حتى قضى عليه الصلاة والسلام حديثه، قال: أين السائل عن الساعة؟ قال: ها أنا يا رسول الله، قال: «فماذا أعددت لها؟» الحديث. والساعة عباد الله قريبة، ليست ببعيد، قال عز وجل: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِي النُّذُرُ﴾، كما في آيات مطلع سورة القمر: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. منذ ذلك الزمان الذي انشق فيه القمر في عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام، حين طلب المشركون من النبي صلى الله عليه وسلم آية تدل على أنه صادق في رسالته وأنه مرسل من الله عز وجل، فجعله جله على هذه الآية العظيم، هذه الآية العظيمة، مع أن أعظم الآيات الدالة على صدق رسالته عليه الصلاة والسلام هذا القرآن، أعظم آية تدل على صدق رسالته عليه الصلاة والسلام هو القرآن، كلام الله عز وجل المنزل عليه صلى الله عليه وسلم. فانشق القمر في القتين، رأى ذلك المشركون، ومع ذلك أعرضوا وتكبروا وبقوا على كفرهم وشركهم. من ذلك الزمان قال عز وجل: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾، فانشقاق القمر يدل على اقتراب الساعة، منذ متى انشق القمر؟ قرون عديدة قد مضت من انشقاق القمر، فهذا يدل على قرب الساعة. وكذلك كما في قول عز وجل: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾، وقال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾. فالساعة قريبة، بل بعثته عليه الصلاة والسلام من العلامات الدالة على قرب الساعة، قال عليه الصلاة والسلام: «بُعِثْتُ وَنَسَمِ السَّاعَةِ»، بعثت في نسم الساعة، النسم هو الريح الذي يسبق المطر مباشرة، تأتي الريح تنزل المطر، يسمى عند بعض أهل الوديان بالمخيلة، تأتي ريح ينزل مباشرة بعدها المطر، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: بُعِثْتُ في نسم الساعة. بل جاء عنه في البخاري ومسلم حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنهما قال عليه الصلاة والسلام: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ»، أي أن بعثته عليه الصلاة والسلام قريبة من الساعة كقرب الإبهام، كقرب السبابة من الوسطى. بل موته عليه الصلاة والسلام العلامات الدالة على قرب الساعة، قال عليه الصلاة والسلام كما في البخاري من حديث عوف بن مالك رضي الله عنه: قال له: «أَعِدَّ سِتًّا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ: مَوْتِي»، فموته عليه الصلاة والسلام من الدلائل على قرب الساعة. قال عز وجل: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾، ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾، انظروا كيف عبر الله عز وجل عن حصول الساعة وقربها وسرعتها: كلمح البصر، للمبالغة في وصف قربها وحصولها وانقضائها، وانقضائها: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾، كأن الأمر إنما هو عشية أو ضحاها. والساعة آتية لا ريب فيها، قال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾، وأن الساعة آتية لا ريب فيها. وقال عز وجل في كتابه الكريم لنبيه موسى الكريم الكريم عليه الصلاة وأزكى التسليم: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾. وقال عز وجل: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾. فالساعة آتية لا ريب فيها، لكن تأتي بغتة، الساعة تأتي بغتة، كما قال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، وقال عز وجل: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾. فالساعة تأتي بغتة مفاجأة، المشركون كذبوا بالساعة وقالوا: لا تأتين الساعة، كما قال عز وجل: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾. أمر الله عز وجل نبينا محمدا عليه الصلاة والسلام أن يقسم على هذا، ولم يأمر ربنا عز وجل نبينا محمدا عليه الصلاة والسلام في كتاب الكريم أن يقسم على شيء إلا على الساعة والبعث. قال الذين كفروا: لا تأتين الساعة، قل: أي يا رسول الله يا نبي الله: ﴿بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾. قال عز وجل: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾، قال عز وجل: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. وهكذا قال عز وجل: ﴿يَسْأَلُونَكَ أَحَقٌّ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾. هذه ثلاثة مواضع في كتاب الله عز وجل أمر الله عز وجل نبينا عليه الصلاة والسلام بأن يقسم فيها، وذلك لتوكيدها ولبيان حقيقتها، ومن ذلك أمر الساعة. قال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾. فالكفار كذبوا بالساعة كما أخبر الله عز وجل، والساعة أمرها عظيم. واليالك سميت بالساعة؟ سمى الساعة، سمى القيامة، ما معنى الساعة؟ الساعة معناها الأمر العظيم، هذا معنى الساعة، الساعة الشيء العظيم، فسمي يوم القيامة بالساعة لأنه يوم عظيم ولأن أمره أمر عظيم. قال عز وجل: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾، هكذا يقول الله عز وجل: ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾، ساعة داهية، الساعة أمرها عظيم، هكذا يقول الله عز وجل سبحانه وتعالى. الصحابة الكرام رضوان الله عنهم أجمعين، ل عظيم اهتمامهم بأمر الآخرة وب ما هم قادمون عليه من مراحل، من مراحل بعد هذه الدنيا، كان جل كلامهم وجل أحاديثهم عن الله وعن رسول الله وعن شرع الله وعن أحكام الشريعة وعن اليوم الآخر وعن علامات الساعة. روى، روى الإمام مسلم رحمه الله من حديث، حديث، حديث ابن أسيد الغفاري رضي الله عنه قال: اطلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتذاكر، قال: «مَا تَتَذَاكَرُونَ؟» قالوا: يا رسول الله نتذاكر الساعة. انظروا إلى مذاكرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أجمعين، ماذا يتذاكرون؟ يتذاكرون أخبار السياسة، يتذاكرون أخبار الدنيا ويكثرون من ذلك؟ لا، كانت مذاكراتهم وكانت حديثهم عن الدين وعن الإسلام وعن الآخرة، كلام في الدنيا قليل، الساعات التي يصرفونها للكلام في أمور الدنيا ساعات قليلة. لكن نحن إلا من رحم الله والله المستعان، كم هي الساعات التي نتكلم فيها من الأربع والعشرين ساعة في أمور الدنيا أو في طعامنا وشرابنا وملبسنا أو في كذا وكذا؟ كم جعلنا من ساعاتنا للكلام، للكلام في أمر ديننا وفي التذاكر في أمر الآخرة وفي علامات الساعة وأشراطها؟ ثم قال عليه الصلاة والسلام: «اعْلَمُوا أَنَّهَا لَنْ تَقُومَ، أَيِ السَّاعَةُ، حَتَّى تَرَوْا قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ»، قال الصحابي: فذكر الدخان والدجال والدابة ونزول عيسى بن مريم وطلوع الشمس من مغربها وخروج ياجوج ومأجوج وثلاثة خسوفات: خسف بالمشرق، خسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ثم آخر ذلك نار تخرج من أرض اليمن، وفي لفظ: من قعرة عدن، وفي لفظ: من أرض حضرموت، خارج الصحيح، كانت تذاكرون الساعة وما أدراك ما الساعة. والساعة لها إشراط، منها أشراط صغرى وعلامات صغرى، يقال لها أشراط، ويقال لها أمارات، ويقال لها علامات. ذكر في القرآن الأشراط، أشراط، ذكر في السنة الأمارات. في القرآن فقد جاء: ﴿أَشْرَاطُهَا﴾، ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾. وفي السنة هذه الأدان مواصل بعد الأدان. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فذكروا الأشراط في القرآن وذكروا الأمارات في السنة. في حديث ابن عمر صحيح من مسلم قال: جبريل للنبي عليه الصلاة والسلام: «فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا»، والمعنى أي عن علاماتها. وأشراط الساعة منها أشراط صغرى ومنها أشراط كبرى. في حديث، حديثه ابن أسيد الغفاري ذكر النبي عليه الصلاة والسلام فيه علامات الساعة الكبرى عشر علامات: الدخان والدابة والدجال ونزول عيسى بن مريم وخرج يأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها وثلاثة خسوفات من مشرق والمغرب وجزيرة العرب ونار تخرج من أرض اليمن أو قعرة عدد تسوق الناس إلى محشرهم. والعلامات الصغرى منها ما قد وقع ولن يتكرر، وقع ولن يتكرر ولن يقع بعد، ومن ذلك بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، هذه علامة قد انقضت، فالنبي عليه الصلاة والسلام قد انتقل إلى الرفيق الأعلى، فلن يبعث بعد بعثته تلك عليه الصلاة والسلام. وكذلك موته عليه الصلاة والسلام علامة قد انقضت ولن تتكرر، فقد مات عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾، ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾. وهكذا انشقاق القمر، هذه قد وقعت لأن آية دالة على صدق رسالة عليه الصلاة والسلام، وهذه قد مضت ولن تتكرر. وأيضا من العلامات التي قد وقعت وقد انقضت خروج نار من أرض، من المدينة، تضيء لها أعناق الإبل ببصرة في الشام، وهذه قد وقعت وقد شاهدها الإمام النووي رحمه وتعالى، هذه العلامة كانت في زمن الإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه وتعالى، قد رأوا تلك العلامة، النار التي أضاءت لها أعناق الإبل ببصرة من بلاد الشام. وهناك علامات قد وقعت وقد يتكرر وقوعها بين الحين والآخر، وهناك علامات صغرى لم تقع بعد ولكن هي قريبة الوقوع، ليست ببعيدة، ما بقي من العلامات الصغرى إلا القليل، فإذا وقعت وقع بعدها مباشرة العلامات الكبرى وتتابعت العلامات الكبرى كتتابع الخرزات المنظومات في سلك، لو عندك خرزات منظومات في السلك مثل السبحة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «أَمَارَاتُ السَّاعَةِ خَرَزَاتٌ مَنْظُومَاتٌ فِي سِلْكٍ، إِذَا قُطِعَ تَتَابَعَتْ»، لو قطعت السلك الذي فيه هذه الخرزات مباشرة تتابعت كل واحدة بعد الثاني، يعني أنها تقع متتابعة تتابعا سريعا. ومنها العلامات الكبرى أيضًا التي ستقع في آخر الزمان. نتذكر في هذا المقام بعض أشراط الساعة الصغرى بما يتسع به المقام، وإلا فالكلام يطول، كم عسى سنذكر من أشراط الساعة الصغرى؟ هذه أشراط كثيرة لكن نختار بعضها بما يسمح به هذا المقام. ثبت عند الإمام البخاري رحمه الله تعالى من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ، وَالْهَرْجُ: الْقَتْلُ الْقَتْلُ، ثُمَّ يَفِيضُ الْمَالُ، يَفِيضُ الْمَالُ». ويكثر ذكر عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث ست علامات، لا تقوم الساعة حتى تقع هذه العلامات: قبض العلم، كثرة الزلازل، تقارب الزمان، ظهور الفتن، كثرة الهرج، اجتفاضة المال، ست علامات. العلامة الأولى: قبض العلم، وقبض العلم يكون بقبض العلماء، لا يكون بانتزاع العلم من صدور الناس، قال عليه الصلاة والسلام كما في مسلم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ انْتِزَاعًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا». هكذا يقبض العلم بقبض العلماء، قبض الله عز وجل علماء هذه الأمة من الصحابة الذين هم أعلم الناس بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقبض من جاء بعدهم من أئمة التابعين، ثم من أتباع التابعين، ثم الأ