التعليق على الجواب الكافي 105

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 105، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أقسام الشرك وأنواعه

ينقسم الشرك إلى أكبر وأصغر ومغفور وغير مغفور، ويشمل الشرك الأكبر في العبادة والأسماء والصفات والربوبية. وقد بينت النصوص القرآنية والنبوية هذه الأقسام ودلت على خطورة الشرك الأكبر.

تفسير الشرك ومظاهره في حب الأنداد

المقطع يتناول تفسير آية "ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله" ويشرح قولين للسلف في تفسيرها. كما يبين إدراك المشركين لخطأهم عند عذابهم في النار واعترافهم بتسوية مخلوقات بجلال الله في الحب والتعظيم.

خطورة مساواة المخلوقات بالخالق

يبين خطأ المشركين في مساواة الله تعالى بالمخلوقات الضعيفة والعاجزة، ويشير إلى أن الله هو الغني القادر القوي. بينما المخلوقون فقراء ضعفاء محتاجون إلى الله، مثل هذه المساواة ظلم كبير وجور في الحكم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن اتبعه بعد. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: أقسام الشرك. قال: هذا الشرك ينقسم إلى أكبر وأصغر ومغفور وغير مغفور. هذا الشرك بالله جل وعلا الذي بينه، وهو الشرك في العبادة ينقسم إلى قسمين: شرك أكبر، وشرك أصغر، وشرك مغفور له، وشرك غير مغفور لصاحبه. وهذا قد بينته النصوص. وقال الله عز وجل: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾. قال ابن عباس: هو الرجل يؤمن بالله ويقول: لولا كذا لكان كذا، فيشرك مع إيمانه. قال: والنوع الأول ينقسم إلى كبير وأكبر، وليس شيء منه مغفور. هذا الشرك الأكبر ينقسم إلى كبير وأكبر، منه ما يكون أكبر وعظيم، وهو الشرك في الأسماء والصفات والربوبية، وهو شرك كبير أيضا، وهو شرك العبادة. قال: فمنه الشرك بالله في المحبة والتعظيم، بأن يحب مخلوقا كما يحب الله، فهذا من الشرك الذي لا يغفره الله، وهو الشرك الذي قال سبحانه فيه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾. وهذا شرك المحبة، هو أن يجعل هناك مع الله عز وجل معظما ومحبوبا يحبه أكثر من محبة الله وتعظيمه، فهذا قد اتخذه ندا من دون الله. ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وهذه الآية كما قد ذكرنا قبل، وذكر الإمام ابن القيم أن للسلف فيها قولان: قول «ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله» أي يحبون أندادهم أعظم من حب الله، هم يحبون الله لكن يحبون أندادهم أعظم. وتفسير آخر، أو التفسير الآخر: أن أهل الإيمان يحبون الله أكثر من محبة أهل الشرك لأندادهم، وكل المعنيين محتملين. قال: وقال أصحاب هذا الشرك لآلهتهم -وقد جمعهم الجحيم-: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يعني يدركون ذلك لكن في النار وهم يعذبون، يدركون أنهم كيف جعلوا هؤلاء المخلوقين وعظموهم كتعظيمهم للخالق جل وعلا. قالوا: معلوم أنهم ما سووهم به سبحانه في الخلق والرزق والإماتة والإحياء والملك والقدرة، وإنما سووهم به في الحب والتأله والخضوع لهم والتذلل. وهذا غاية الجهل والظلم، لأن هذه الأشياء هي التي تحصل بها العبادة: التأله والمحبة والخضوع. وكما قال ابن القيم في النونية: «عبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده هما قطبان». قال رحمه الله: وهذا غاية الجهل والظلم، فكيف يسوي التراب برب الأرباب؟! يسوي التراب -أي الذي يصير ترابا يصير إلى التراب- وكيف يسويه برب الأرباب؟ وكيف يسوي العبيد بمالك الرقاب؟ وكيف يسوي الفقير بالذات، الضعيف بالذات، العاجز بالذات، المحتاج بالذات؟ خلقه الله عز وجل على هذا، أنه فقير -ليس فقير من المال- لكنه فقير إلى الله عز وجل، فقير بذاته: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. وكذلك ضعيف -الله الذي خلقكم من ضعف- وكذلك عاجز، وكذلك محتاج إلى الله سبحانه وتعالى، ليس لا يعتمد على نفسه، ولا أيضا كذلك هو غني بنفسه، وإنما هو محتاج إلى الله. فكيف يسوى مثل هذا بالذي ليس له من ذاته إلا العدم، بالغنى بالذات، القادر بالذات، الذي غناه وقدرته وملكه ووجوده وإحسانه وعلمه ورحمته وكماله المطلق التام من لوازم ذاته؟ هو الغني سبحانه وتعالى، كذلك هو القادر جل وعلا، وهو القوي، وغيرها من هذه الصفات العظيمة التي اتصف بها الرب سبحانه وتعالى. فكيف يسوى بالمخلوق الضعيف؟ قال: فأي ظلم أقبح من هذا؟ وأي حكم أشد جورا منه، حيث عدل من لا عدل له بخلقه؟ كما قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾. يجعلون من يعادل الله عز وجل، ومن يساويه، وهذا باطل وظلم. قال: فعدل المشرك من خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور بمن لا يملك لنفسه ولا لغيره ذرة في السماوات ولا في الأرض، فيا له من عدل تضمن أكبر الظلم وأقبحه. فالعدل هنا: أي من العدول ومن المجانبة، ليس من المساواة والعدالة، وإنما هنا من المجانبة. والمساواة أيضا العدول عن الرب سبحانه وتعالى وعن عبادته، ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾. فهذا الشرك من الشرك الأكبر الذي حرمه الله عز وجل، وهو داخل في شرك العبادة. ثم سيذكر بعد ذلك شرك الأقوال والأفعال والإرادات والنيات. ونكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.