الدرس في التعليق على الجواب الكافي 103، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
ذكر الإمام ابن القيم نوعين من الشرك: شرك التعطيل وشرك من جعل مع الله إلها آخر. شرك التعطيل هو نفي صفات الله وأفعاله، بينما شرك من جعل مع الله إلها آخر يتمثل في اعتقاد آلهة أخرى مع الله.
يعدد النص أمثلة على شرك الأفعال مثل شرك المجوس والمانوية والقدرية، وأمثلة على شرك الربوبية مثل عبادة الكواكب والشمس والنار. هذه المعتقدات تتعارض مع تعاليم الإسلام وتعتبر شكلاً من أشكال الشرك.
يعتبر جعل الوسائط بين الله والناس شركاً، حيث يصنف الناس بعض الأشخاص كأولياء وأقطاب وأغواث. هذا التصنيف يشبه شرك المشركين الأوائل في جعلهم معبودات تقربهم إلى الله أو تدبر الأمر معه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: النوع الثاني من الشرك: من جعل مع الله إلها آخر ولم يعطل أسماءه وربوبيته وصفاته، كشرك النصارى الذين جعلوه ثلاثة: الله، والمسيح، وأمه إلهاً. ذكر أن الشرك نوعان: شرك التعطيل، وشرك من جعل مع الله إلها آخر. فشرك التعطيل هو تعطيل الصانع عن صانعيته وخالقيته، وتعطيله سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله، وتعطيل معاملته عما ينجم عنها حقيقة التوحيد. قال الإمام ابن القيم: إن أعدى أنواع الشرك هو شرك التعطيل، كشرك فرعون لما قال: «وما رب العالمين»، وقال: «ما علمت لكم من إله غيري». ومن هذا شرك من جعل مع الله إلها آخر ولم يعطل أسماءه وربوبيته وصفاته، كشرك النصارى الذين جعلوا المسيح إلها وأمه إلها. عقيدة النصارى هي عقيدة التثليث، أن الآلهة ثلاثة: الله عز وجل، والمسيح، وأمه. وقد ذكر ربنا جل وعلا هذه العقيدة في كتابه، وأكّد كفرهم بقوله: «لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة، وما من إله إلا إله واحد». وقال جل وعلا: «لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا»، وقال عز وجل: «ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله، إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض». فهؤلاء جعلوا آلهتهم ثلاثة، واتخذوا مع الله آلهة أخرى، وهذا يعتبر شركاً. وإن كان أهل الإسلام يعاملون النصارى معاملة أهل الكتاب، إلا أنهم مشركون كما قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: «وأي شرك أن يقول: إن مع الله إلها آخر؟». من هذا شرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور وحوادث الشر إلى الظلمة. ومنهم من يجعل كل خير ينسبونه إلى الله وكل شر ينسبونه إلى الشيطان. قال أبو الطيب المتنبي في معنى قولهم: «وكم لظلام الليل من يد تحدث أن المانوية تكذب»، فأراد أن هناك نعماً في الليل كما أن هناك نعماً في النهار، وهذا يدل على كذب المانوية الذين يقولون: إن الظلمة إله الشر ولا خير في الظلمة. من هذا أيضاً شرك القدريّة القائلين بأن الحيوان هو الذي يخلق أفعال نفسه، وأنها تحدث بدون مشيئة الله وقدرته وإرادته. ولهذا كانوا من أشباه المجوس، لأنهم يقولون: إن هناك من يخلق الفعل مع الله، والله عز وجل يقول: «والله خلقكم وما تعملون». وقال عز وجل: «خلق العباد وخلق أعمالهم، لكن جعل لهم مشيئة يفعلون بها الفعل». فالقدرية المعتزلة جعلوا كل إنسان يخلق فعل نفسه، فجعلوا آلهة أكثر من إله. جاء في الحديث الذي حسنه بعض العلماء: «القدرية مجوس هذه الأمة». ومن هذا شرك من حاج إبراهيم في ربه، إذ قال إبراهيم: «ربي الذي يحيي ويميت»، قال: «أنا أحيي وأميت». فجعل نفسه نداً لله يحيي ويميت بزعمه كما يحيي الله عز وجل ويميت. فألزمه إبراهيم أن طرد قولك هذا يستلزم أنك تقدر على الإتيان بالشمس من غير الجهة التي يأتي بها الله منها. من هذا شرك كثير ممن يشرك بالكواكب العلويات ويجعلها أرباباً مدبرة لأمر هذا العالم، كما هو مذهب مشركي الصابئة وغيرهم الذين كانوا في زمن إبراهيم عليه السلام. وكانوا يعتقدون أن الكواكب هي التي تدبر العمر، وكان السحرة يستدلون بالكواكب على الحوادث الأرضية، وهو من السحر كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «من زاد شعبة من النجوم زاد شعبة من السحر». من هذا شرك عباد الشمس وعباد النار وغيرهم، فإنهم اتخذوا إلها مع الله ولم يعطلوا أسماء الله عز وجل وصفاته، لكن أشركوا في هذه الأمور أن عبدوا غير الله جل وعلا أو اعتقدوا أن هناك مدبراً للأمر غير الله جل وعلا، وهذا شرك في الربوبية. منهم من يزعم أن معبوده هو الإله على الحقيقة، ومنهم من يزعم أنه أكبر الآلهة، ومنهم من يزعم أنه إله من جملة الآلهة وأنه إذا خصه بعبوديته والتبتل إليه والانقطاع إليه أقبل عليه واعتنى به. وهؤلاء كلهم يزعمون أن هذا الإله يدبر الأمر، وهذا شرك في الربوبية. وأما شرك الإلهية فسيذكره المؤلف إن شاء الله. ومنهم من يزعم أن معبوده الأدنى يقرّبه إلى المعبود الذي هو فوقه، مثل ما يعتقد بعض القبوريّة أن بعض الأموات يقربهم إلى الله. ومثل ذلك معنى الشرك الذي ذكره الله عز وجل عن المشركين: «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى». فيجعلون هناك درجات: أولياء، وأقطاباً، وأغواثاً، ويجعلون هناك وسائط بينهم وبين الله، وهذا من شرك المشركين الأوائل.