المحاضرة بعنوان عظمة الأشهر الحرم، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم الأربعاء 10 محرم 1443هـ الموافق 18 أغسطس 2021م ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستعرض المقطع آية قرآنية تحدد اثني عشر شهراً منها أربعة حرم، ويروي حديث أبي بكرة عن خطبة النبي ﷺ يوم النحر التي أكدت حرمة الدماء والأموال والأعراض كحرمة اليوم والشهر والبلد الحرام. ويوصي الأمة بتبليغ العلم وعدم الرجوع إلى الكفر والاقتتال.
يبين المقطع عظمة الأشهر الحرم وشدة حرمة الظلم فيها سواء بحق الله أو النفس أو العباد، ويؤكد وجوب المبادرة بالتحلل من المظالم ورد الحقوق قبل يوم القيامة حيث لا دينار ولا درهم. ويحذر من أن الحسنات والسيئات ستكون الميزان الوحيد يومئذ.
يشرح المتحدث مفهوم الإفلاس الحقيقي بأنه من يأتي بحسنات كجبال فتُهدر بسبب ظلمه للناس بالشتيمة والضرب وأكل المال، فتُعطى حسناته للمظلومين فإن نفدت حُملت عليه سيئاتهم وأُمر به إلى النار. ويضرب المثل بقصة أم المؤمنين عائشة حين وصفت صفية بالقِصر، محذراً من أن الكلمة الواحدة لو مزجت بماء البحر لأفسدته، وأن من يهب حسناته بظلمه أشد جنوناً من مبذر ماله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، أيها الأحبة في الله، يقول ربنا جل في علاه وهو أصدق القائلين: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾. وفي الصحيحين من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم النحر، فقال عليه الصلاة والسلام: « إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ، وَوَاحِدٌ فَرْدٌ. أَمَّا الْمُتَوَالِيَاتُ: فَذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ. وَأَمَّا الْفَرْدُ: فَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ ». ثم قال عليه الصلاة والسلام: « أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ »، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ: « أَلَيْسَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ؟ »، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: « فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ »، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ: « أَلَيْسَ الْيَوْمَ الْحَرَامَ؟ »، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: « فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ »، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. وَهَذَا أَدَبٌ مِنْهُمْ مَعَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ: « أَلَيْسَ الْبَلَدَ الْحَرَامَ؟ »، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: « فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ». ثُمَّ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُشِيرُ بِأَصْبِعِهِ إِلَى النَّاسِ قَائِلًا: « اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ »، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَرْفَعُ أَصْبِعَهُ إِلَى السَّمَاءِ قَائِلًا: « اللَّهُمَّ اشْهَدْ ». ثُمَّ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَقُولُ: « لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ». ثُمَّ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَقُولُ: « لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ ». أيها الأحبة في الله، بَيَّنَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَيَانًا شَافِيًا وَافِيًا مَا يَتَعَلَّقُ بِعَظَمَةِ هَذِهِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ الَّتِي هِيَ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَشَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ، وَرَابِعُهَا رَجَبٌ الَّذِي يَقَعُ بَيْنَ جُمَادَى الْآخِرَةِ وَبَيْنَ شَعْبَانَ. قَالَ تَعَالَى: ﴿ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ﴾. الْظُّلْمُ يَا إِخْوَانُ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ عَظِيمٌ، لَكِنْ فِي هَذِهِ الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعِ أَشَدُّ تَعْظِيمًا، أَشَدُّ حُرْمَةً، سَوَاءٌ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَعْظَمِ الظُّلْمِ وَأَكْبَرِهِ الَّذِي هُوَ فِي حَقِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾، أَوْ كَانَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِظُلْمِ الْعَبْدِ لِنَفْسِهِ: ﴿ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ﴾. بِمَاذَا يَظْلِمُ الْعَبْدُ نَفْسَهُ؟ بِأَنْ يُعَرِّضَهَا لِعَذَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَغَضَبِهِ وَسَخَطِهِ بِمُجَاوَزَةِ الْحُدُودِ: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾، أَكَذَاً يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ؟ فَارْتِكَابُ الْمَعَاصِي وَالْوُقُوعُ فِي الْفَوَاحِشِ وَالْخَطَايَا يُعْتَبَرُ ظُلْمًا لِهَذِهِ النَّفْسِ. أَوْ كَانَ الظُّلْمُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الْآخَرِينَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَحُقُوقُ الْعِبَادِ يَا إِخْوَانُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُشَاحَّةِ، يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ كُلٌّ يُطَالِبُ بِمَظْلَمَتِهِ، كُلٌّ يَطْلُبُ حَقَّهُ. وَلِهَذَا يَقُولُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿ وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ﴾. وَكَذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: « مَنْ كَانَ عِنْدَهُ لِأَخِيهِ مَظْلَمَةٌ مِنْ عِرْضٍ أَوْ مَالٍ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْ مِنْهُ الْيَوْمَ، فَلْيَتَحَلَّلْ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنَّمَا هِيَ الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ ». الْيَوْمَ فُرْصَةٌ يَا إِخْوَانُ، كُلُّ مَنْ أَخْطَأَ عَلَى أَخِيهِ أَنْ يَسْتَمْحِيَ مِنْهُ وَأَنْ يَطْلُبَ الْعَفْوَ مِنْهُ: أَخَذَ مِنْهُ مَالًا أَعَادَ إِلَيْهِ الْمَالَ، أَخَذَ مِنْهُ حَقًّا أَعَادَ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا وَذَوِيهَا. تَكَلَّمَ فِي عِرْضِهِ، وَهَذَا يَا إِخْوَانُ الْبَحْرُ الَّذِي لَا سَاحِلَ لَهُ، أَنْ نَطْلُقَ لِأَلْسِنَتِنَا الْعِنَانَ خُوضًا بِهَا فِي أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا نَبَالِي. لَعَلَّ بُيُوتَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا سَلِمْتُ مِنْ أَحَادِيثِ الْغِيبَةِ وَالْبُهْتَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَظَالِمِ. الدِّكَّكُ وَالْأَرْصِفَةُ وَالسَّوَاحِلُ وَالنَّوَادِي وَغَيْرُهَا قَدْ مُلِئَتْ بِالْمَظَالِمِ. مَنْ كَانَ عِنْدَهُ لِأَخِيهِ مَظْلَمَةٌ مِنْ مَالٍ أَوْ عِرْضٍ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنَّمَا هِيَ الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ. يَقُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِأَصْحَابِهِ: « أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟ أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟ »، قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ عِنْدَهُ وَلَا مَتَاعَ، صِفْرٌ مَا عِنْدَهُ شَيْءٌ، لَوْ فَتَّشْتَهُ لَعَلَّكَ لَا تَجِدُ مَعَهُ إِلَّا رِيَالَاتٍ قَلِيلَاتٍ، لَيْسَ عِنْدَهُ دَرَّاجَةٌ وَلَا سَيَّارَةٌ وَلَا عِقَارٌ وَلَا... هَذَا الْمُفْلِسُ. فَبَيَّنَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَقِيقَةَ الْإِفْلَاسِ الَّذِي هُوَ يُعْتَبَرُ خَطِيرًا جِدًّا، أَلَا وَهُوَ إِفْلَاسُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ: « لَكِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَصَدَقَةٍ ». انْظُرُوا يَا إِخْوَانُ، أَعْمَالٌ مِثْلُ الْجِبَالِ فِي الْحَسَنَاتِ، فَمَنِ الَّذِي يَهْدِمُهَا وَمَنِ الَّذِي يَذْهَبُ بِهَا؟ قَالَ: « لَكِنَّهُ يَأْتِي وَقَدْ شَتَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، وَأَخَذَ مَالَ هَذَا ». قَالَ: « فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ». قَالَ: « فَإِنْ نَفِدَتْ لِكَثْرَةِ الْمَظَالِمِ... فَإِنْ نَفِدَتْ... أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ ثُمَّ طُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِ إِلَى النَّارِ ». عَاقِلٌ هَذَا يَا إِخْوَانُ؟ الَّذِي يَقْسِمُ الْحَسَنَاتِ عَاقِلٌ؟ لَوْ جَلَسَ رَجُلٌ ثَرِيٌّ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَكُلُّ مَنْ مَرَّ أَعْطَاهُ خَمْسَةً، وَهَذَا عَشَرَةً، وَهَذَا عِشْرِينَ، وَهَذَا ثَلَاثِينَ، وَهَذَا أَرْبَعِينَ، لَضَحِكَ عَلَيْهِ النَّاسُ، قَالُوا: الرَّجُلُ ذَهَبَ عَقْلُهُ، ذَهَبَ عَقْلُهُ، وَلِأَهْلِهِ، وَأَلْقَوْا الْقَبْضَ عَلَيْهِ، وَحَجَرُوا عَلَى مَالِهِ، قَالُوا: مَا هُوَ صَاحٍ. طَيِّبٌ، وَهَذَا الَّذِي يَقْسِمُ الْحَسَنَاتِ وَيَهَبُ هَذِهِ الدَّرَجَاتِ لِغَيْرِهِ، هَلْ هُوَ عَاقِلٌ يَا إِخْوَانُ؟ هَذَا أَشَدُّ جُنُونًا مِنَ الْأَوَّلِ، وَأَوْلَى يَا إِخْوَانُ أَنْ يُحْجَرَ عَلَيْهِ أَهْلُهُ كَيْ لَا يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُفْلِسًا. أيها الأحبة في الله، عَائِشَةُ أُمُّنَا وَأُمُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ كَلِمَةً عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدَافِعِ الْغَيْرَةِ الَّتِي تَقَعُ بَيْنَ الضَّرَائِرِ، بَيْنَ النِّسَاءِ الْمُشْتَرِكَاتِ فِي رَجُلٍ وَاحِدٍ. قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « حَسْبُكِ مِنْ صَفِيَّةَ »، أَيْ بِنْتَ حَيِيِّ بْنِ أَخْطَبَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، « حَسْبُكِ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا وَكَذَا ». قَالَ الرَّاوِي: تَعْنِي أَنَّهَا قَصِيرَةٌ. صَفِيَّةُ جَمِيلَةٌ وَكَانَتْ تُنَافِسُ عَائِشَةَ فِي الْجَمَالِ وَالْمَنْزِلَةِ. قَالَتْ: « حَسْبُكِ مِنْ صَفِيَّةَ أَنَّهَا كَذَا وَكَذَا وَكَذَا »، يَعْنِي أَوْ تَعْنِي أَنَّهَا قَصِيرَةٌ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا هُوَ الْمَقْصِدُ، وَلَيْسَ الْمَقْصِدُ تَنْقِيصَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ، فَهِيَ أَفْضَلُ النِّسَاءِ وَأَحَبُّ النِّسَاءِ إِلَى قَلْبِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَكِنِ انْظُرْ إِلَى خَطَرِ الْكَلِمَةِ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ، أَيْ لَغَيَّرَتْهُ ». كَلِمَةٌ يَا إِخْوَانُ، مَا قَالَتْ فَعَلَتْ وَتَرَكَتْ كَذَا وَكَذَا كَمَا تَفْعَلُ النِّسَاءُ الْيَوْمَ، إِذْ تُلْقُونَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ. كَلِمَةٌ يَا إِخْوَانُ قَالَتْهَا وَهِيَ مِنْ أَعْبَدِ النِّسَاءِ وَأَعْلَمِ النِّسَاءِ وَأَفْضَلِ النِّسَاءِ عِنْدَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، قَالَ: « لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَغَيَّرَتْهُ ». أيها الأحبة في الله،