الدرس في آداب القرآن 8، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن هجر العمل بالقرآن وعدم القيام بتعاليمه، ويعتبر هذا النوع من الهجر من أعظم أنواع هجر القرآن. دين الله لا يقوم إلا بالعمل بتعاليمه وبشرائعه.
يؤكد على أهمية العمل بالقرآن وليس مجرد قراءته، ويشير إلى أن العمل بالقرآن هو تشريف وليس تكليف. يُناقش أهمية العمل بالقرآن الكريم وليس فقط حفظه.
يستدل بآثار السلف الصالح وأحاديث نبوية تُظهر عاقبة من يحفظ القرآن ولا يعمل به. يختم الحديث عن هجر القرآن بذكر أهمية فهم معاني القرآن والعمل به.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فلازلنا إخواني في الله في هذه الآداب من ذكر آداب كتاب الله جل في علاه، ووقفنا عند مسألة هجر القرآن، وذكرنا بعض المسائل المتعلقة بصور هجر القرآن، فالصورة الأولى ما يتعلق بهجر قراءته وتلاوته، وذكرنا المسائل المتعلقة بذلك، ثم كان العروج على الصورة الثانية من هجر القرآن، وهما يتعلق بهجر تدبره وتأمله، وأشرنا كذلك إلى المسائل المتعلقة بذلك. وفي هذا اليوم، إخواني في الله، لازال الكلام على ذكر نوع من أنواع هجر القرآن، ألا وهو هجر العمل به، ومعنى هجر العمل بالقرآن، وذلك بعدم القيام بتحليل حلاله أو بتحريم حرامه، وعدم الاعتمار بأمره، وكونك يا عبد الله تفعل ذلك، فهذا نوع من أنواع هجر القرآن، كما سيأتي معنا. وينبغي أن نعلم إخواني في الله أن دين الله سبحانه وتعالى لا يقوم إلا بالعمل بتعاليمه وبشرائعه، ولهذا دائما ما نسمع في كتاب الله جل وعلا: «إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات»، فدين الله يقوم بالعمل، فليس إدعاء، وليس عبارة عن قول باللسان مع الإعراض عن التعاليم والشرائع. ومن أعظم ما ينبغي أن نقوم بامتثال العمل به ما يتعلق بالعلم الشرعي، هذا الأصل، وهذه بالجملة، فإن العلم كما قال سلفنا الصالح: «العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل»، أي أن العلم بركته وثباته واستقراره لدى صاحبه إنما يكون إذا قورن بالعمل، أما علم عبارة عن معلومات لا تتبع بعمل، فهذا لا يثبت عند صاحبه. ويؤيد هذا المعنى أدل كثير، منها ما جاء في السنن من حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، وفي رواية عن خمس، ومن ذلكم وعن علمه ماذا عمل به»، فالعلم يا عبد الله الذي تتعلمه، فإنك ستسأل عن العمل بمقتضاه. وألا وإن من أعظم العلوم التي ينبغي يا عبد الله أن تتداعى الهمة على القيام به والامتثال بأوامره والاجتناب لنواهيه ما كان من القرآن، فالأدل كثير دالة ستأتي معنا في أن المرأة المسلم لا يكن همه عند تلاوته لكتاب الله التلفظ فقط، وإنما يبتغي بذلك بعد التلفظ به التدبر فيه، وكذلك العمل بمقتضاه. حتى نقل عن بعض السلف كمجاهد رحمه الله تعالى أنه قال في قوله سبحانه وتعالى: ﴿يتلونه حق تلاوته﴾، قال: «يعملون به حق عمله»، يتلونه حق تلاوته أي يعملون به حق عمله، هذا المقصود بحقيقة التلاوة أن يتبع بالعمل. لهذا عد جماعة من العلماء أن ترك العمل بأحكام القرآن يعد نوعا من أنواع الهجران، وممن صرح بذلك العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، فحينما حكى لنا صورا من هجر القرآن، قال رحمه الله تعالى: «وهجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه هذا من أنواع الهجر»، قال: «هجر العمل به»، فمن وفق لقراءة القرآن إلا أنه لم يوفق للعمل بأحكامه وشرائعه وتعاليمه، فليعلم أنه قد وقع في نوع من أنواع الهجران لكتاب الله جل وعلا. وعلى هذا الأساس كذلك قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله، إذ أنه عد من أنواع هجر القرآن هجر العمل به، فقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى: «أما مفهوم هجر القرآن فهو نوعان»، قال: «الأول هجر لتلاوته، والثاني هجر للعمل به»، قال: «والثاني أشد وأعظم»، أي أنك تبتلى بهذا النوع من أنواع الهجران أنك لا تنهض بنفسك بالقيام بأحكام القرآن وبالعمل بآوامره وترك نواهيه. ثم قال رحمه الله تعالى: «وهذا الذي يخشى على الأمة منه»، وبماذا استدل رحمه الله؟ لماذا قال أن هذا مما يخشى على الأمة منه أن تبتلى بترك العمل بالقرآن؟ استدل بحديث الخوارج، والذي وصفهم نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله: «يقرؤون القرآن لا يتجاوز حناجرهم»، فقال رحمه الله: «أنهم لا يعلمون به، وإن عملوا به ظاهرا، ولكن القلوب منه خراب». فاستدل رحمه الله تعالى على أن من أعظم ما يخشى على هذه الأمة أن تبتلى بترك العمل بما في القرآن، وبين حال الخوارج، فالخوارج كما وصفهم نبينا أنهم يقرؤون القرآن، هم ما هجروا وما تركوا، بل يتصفحونه ليل نهار، صباح مساء، ولربما أفنوا أعمارهم وأوقاتهم في القراءة والإنكباب على تلاوة القرآن، لكن هل هذا كان نافعا لهم؟ الجواب لا، لماذا؟ قال نبينا: «لا يجاوز حناجرهم»، أي لا يؤثر فيهم، فليظهر ذلك في سلوكهم. ولهذا كان الخوارج من أبعد الناس عن النجاح، حتى قال نبينا في تمام الحديث: «لَإِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَدْ»، توعدهم نبينا بالقتل والاستئصال، مع أنهم قراء لكتاب الله، لكن تعلم يا عبد الله ليس العبر بالقراءة، وإنما العبر بما بعد القراءة من التأمل والتدبر والعمل بما فيه. ولهذا الذي قال به شيخنا شيخ الإسلام ابن عثيمين، قال: «وهذا الذي يخشى على الأمة منه»، فعلينا عباد الله أن نعلم أن القرآن حقه أن يُعمل به بأحكامه وشرائعه، ولنعلم إخوانا في الله أيضا أن العمل بما في كتاب الله لا يعد من التكليف، بل هو حقيقة من التشريف، هو شرف، شرف لك يا عبد الله أن تعمل بما في القرآن. لأن القرآن إن قمت بأحكامه إلى ماذا يجرك؟ إلى ماذا سيوطنك؟ سيوطنك يا عبد الله إلى معالي الأمور، من أخذ بتعاليم القرآن تمسك بما فيها من أحكام ومن أعمال ومن عقائد ومن أخلاق ومن آداب ومن سلوكيات، فليعلم حينها أن الله سبحانه وتعالى سيجعل له القبول والإجلال والإعظام والإحترام في هذه الدنيا وفي الآخرة. فالأخذ إخوانا في الله في العمل بالقرآن وفي الحقيقة ليس تكليف، بل هو تشريف، شرف، ولهذا يقول ربنا جل وعلا: ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾، قال إمام السعدي رحمه الله تعالى: «يخبر تعالى عن شرف القرآن وجلالته، وأنه يهدي للتي هي أقوم»، أي أعدل وأعلى من العقائد والأعمال والأخلاق، فمن اهتدى بما يدعو إليه القرآن كان أكمل الناس وأهداهم في جميع أموره. هذه النتيجة تجد بعض الناس إذا سمع بمثل هذه المسألة من ضرورة العمل بما في القرآن، لو ربما وجد في نفسه مشقة وشدة وحرج، ورأى أن هذا من التكليف، لا يا عبد الله، بل هذا تشريف، لأنك في الحقيقة إن عملت بأحكام القرآن ستجد أنك على أحسن حال. ومن هنا عائشة رضي الله تعالى عنها أم المؤمنين لما سئلت عن أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، بماذا أجابت؟ أجابت بإجابة جامعة مانعة، فقالت: «كان خلقه القرآن»، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم من شدة تحريه وتمسكه بما في القرآن من آداب ومن سلوكيات ومن أخلاق ومن معاملات، أصبح كأنه صلوات ربي وسلام عليك كأنه قرآن يمشي بين الناس. هذا حاله لأن من تمسك بالقرآن أصبح على أحسن حال، إذا كان هذا حال نبينا، فماذا عسى أن نقول عن أحوالنا؟ إن سئلنا عن أخلاقنا وعن آدابنا، وللأسف نجد من أنفسنا أننا قد أعرضنا عن كثير مما جاء به الكتاب والسنة، وخاصة في أحكام القرآن، بما جاء في كتاب الله من الأخلاق والآداب، كثور فينا الكذب والغش والنميمة وإساءة الظن وغيرها من الأخلاق التي ذمها ربنا في كتابه، ونحن نعمل بها والتأسى بها. فالحاصل إخواني في الله أن العمل بما في كتاب الله إنما يهدي إلى معالي الأمور، وقد كان هذا من دأب سلفنا الصالح رضي الله تعالى عنهم، أنهم كانوا يعتنون بالعمل بما في كتاب الله عناية عظيمة، حتى قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: «كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يتجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن»، رواه أحمد في مسنده بإسناد صحيح. فكان هذا من دأبهم ومن هجهم أنهم كانوا إذا مرت عليهم عشر آيات توقفوا عندها، علموا منطقها والإقامة لحروفها ومبانيها، ثم اشتغلوا بمعرفة معانيها، ثم ما نحن بصدده القيام بالعمل بمقتضى هذه الآيات، اشتغلوا بالعمل بهذه الآيات، وهكذا سر كلما أضافوا عشر آيات، كلما استغرق ذلك منهم العلم بمعانيها والعمل بما فيها. فهذا ماذا ولد فيهم؟ ولد فيهم إخواني في الله أن وجدنا أن الحفاظ لكتاب الله قليل، كما صرح بذلك العلماء من المحدثين ومن المؤرخين، كما جاءت بذلك الآثار الصحيحة على أن النبي صلى الله عليه وسلم قبض ولم يحفظ من الصحابة من القرآن إلا النزر اليسير. حتى بعضهم جعلهم عدهم بأصابع اليد الواحدة، وبعضهم جعلهم بأصابع اليدين عشرة، ومنهم من زاد قليلا، دلال على أن الحفاظ للقرآن كانوا قليل، من أين جاءت القلة؟ هل لأنه ما عندهم حافظة؟ لا، ما أحد يستطيع أن يحفظ كحفظ الصحابة، بل كان العرب بشكل عام عندهم من الحفظ ومن السليقة في حفظ المحفوظات ما له نظير. طب لماذا ما حفظوا القرآن؟ لأنهم كانوا يعلمون ليس العبرة الحفظ والإتمام قبل العمل، فكانوا ينشغلون بحفظ بالعمل بالقرآن، ولو أن ذلك أدى إلى التأخر في ختمهم وإتمامهم، وهذا أدى كذلك أن الواحد منهم لربما يتأخر في حفظ سورة من سور القرآن، حتى قال ابن عمر رضي الله تعالى عنه: «كان الفاضل من أصحاب رسول الله لا يحفظ من القرآن إلا سورة ونحوها»، ورزقوا العمل بالقرآن. بل ابن عمر يذكر أنه أخذ على حفظ سورة البقرة سنوات، قد يقول قائل: عجيب ابن عمر سنوات، نعم سنوات، قد يقول واحد أخي: أنا حفظت خلال شهر -الحمد لله- في الإجازة سورة البقرة، أنت تحفظ حفظ، لكنه ما يحفظ فقط الحفظ والعمل، الحفظ مع المعنى، الحفظ مع التفسير. فكان الوقت يستغلق منهم زمنا طويلا في إتمام سورة، لأنهم كانوا يشتغلون بما هو أعظم من الحفظ، ألا وهو العمل بما فيه، فهذا كان إخواني في الله من دأب سلفنا الصالح. وبالمقابل إخواني في الله، فنعلم على أن الأدلة كما أنها قد جاءت بالحفظ والدفع والترغيب على الإقبال على العمل بما في القرآن، فبالمقابل جاء من الوعيد ومن التهديد الأكيد على من هجر العمل بالقرآن، فمن ذلك ما جاء في البخاري من حديث سمرة، عندما قال نبينا صلى الله عليه وسلم في تلك الرؤية التي رآها في منامه، وهي من وحي السماء. قال: «فانطلقنا حتى أتينا على رجل مضجع على قفاه، ورجل قائم على رأسه بفهر أو صخرة، فيشدخ به رأسه»، أي هذا الرجل قائم، وذاك مضجع عنده، فهذا القائم معه صخرة، فيهوي بالصخرة على رأس هذا النائم على قفاه، قال: «فيشدخ به رأسه»، قال: «فإذا ضربه تدهده الحجر»، أي تدحرج الحجر من أثر اللطمة والسقطة على رأس هذا النائم. فإذا تدهدأت الحجر، قام هذا القائم فانطلق إليه ليأخذه، فلا يرجع إليه حتى يلتئم رأسه، أي هذا الرجل الذي قد هو ليس بنائم، لكن على هيئة النائم مضجع، يرجع رأسه إلى ما كان عليه، فيقوم هذا الرجل فيعود مرة أخرى إلى ضربه، وهكذا يفعل به، يشدخ رأسه المرة الأولى والثانية والثالثة، إلى أن ماذا يستكمل عذابه الذي قرر وقدر عليه. فقال نبينا: «ويسأل عن فعلة هذا الرجل الذي استحق بهذه العقوبة»، فقال: «والذي رأيته يشدخ رأسه، فرجل علمه الله القرآن، فنام عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار»، فدل ذلك على أن القرآن عبد الله حقه أن يعمل به، وبأحكامه، وبما جاء به ربنا سبحانه وتعالى من شرائعه. وأيضا من الوعيد ما جاء في السلسلة الصحيحة من حديث العباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يظهر هذا الدين حتى يجاوز البحار»، ثم قال: «ثم يأتي قوم يقرؤون القرآن، فإذا قرؤوه قالوا: قد قرأنا القرآن، فمن أقرأ منا؟ ومن أعلم منا؟»، وصلوا وظنوا أن هذه المرحلة من قراءة القرآن هي الأتم وهي الأكمل وهي الأعلى. فقال: «من أقرأ منا؟ ومن أعلم منا؟»، فقال عليه الصلاة والسلام: «أولئك منكم، وأولئك من هذه الأمة، وأولئك هم وقود النار»، فليس العبرة يا عبد الله أن تقرأ القرآن وأن تنتهي منه بكماله وتمامه، وأنت قد خرمت ما أمر الله جل وعلا به. حتى قال بعض السلف: كم من قارئ للقرآن والقرآن يلعنه، لأنه ليس متمثل ما تمثل بأحكام، لو ربما تقرأ في آيات تحريم الربى وأنت يا عبد الله لك من الأرصد الكثيرة التي ملئت بها البنوك الربوية، ما الفائدة أن تتقرأ بهذه الآيات وأنت لم تعمل بآيات القرآن؟ أو رجل تمر عليه التحريم لماذا لفاحشة الزنا، وهو لا يزال واقع في الزنا بأذا المسلمات، أو ذاك الذي يقرأ الآيات التي فيها الأمر بالصلاة، وهو متهاون متكاسل متقاعس، لو ربما ما يصلي إلا الجمعة إلى الجمعة، وبقية أيام الأسبوع ما يعرف لله ركعة، فهذا القرآن يا عبد الله سيكون حج عليك. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وهو مما نختم به هذا المقام: «والمطلوب من القرآن هو فهم معانيه والعمل به، فإن لم يكن، فإن لم يكن هذه همة الحافظ، لم يكن من أهل العلم والإيمان»، فهذا إخواني في الله النوع الثالث من أنواع هجر القرآن، وهو هجر العمل به وبأحكامه. وبقي هناك النوع الرابع والخامس، نرجو الحديث عنها في دروس قادمة، فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.