شرح العقيدة الواسطية 81

الدرس في شرح العقيدة الواسطية 81، ألقاها

أصول الإيمان عند أهل السنة والجماعة

يُعرّف الإيمان بأنه قول وعمل، ويزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. يُفصّل أيضًا أركان الإيمان وأعمال القلب واللسان والجوارح.

تأثير المعاصي والفسق على الإيمان

الفاسق لا يُسلب منه الإيمان بالكلية، والإيمان والإسلام متلازمان في الوجود. الفسق لا يلغي الإيمان ولا الأخوة الدينية.

مراتب الدين وعلاقة الإحسان بالإيمان

لا يمكن للإنسان أن يصل إلى مرتبة الإحسان إلا بعد أن يكون مؤمنا، وهذا يدل على أن الإيمان هو أساس الوصول إلى أعلى المراتب الدينية.

التفريغ النصي الكامل

قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فصل، ومن أصول أهل السنة والجماعة أن الدين والإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح. وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعل الخوارج، بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي، كما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ إلى آخر الآيات، وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾. ولا يسلبون الفاسق الملي الإسلام بالكلية، ولا يخلدونه في النار كما تقوله المعتزلة، بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان، كما في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن» الحديث. ونقول: مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته. فلا يعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم. قوله رحمه الله تعالى: فصل. والفصل يطلق ويراد به الفصل بين موضوعين. والعلماء رحمهم الله تعالى في بعض تأليفهم يقسمون المؤلف إلى كتاب، وأحيانا يقسمونه إلى كتب، ثم يقسمون هذا الكتاب إلى أبواب، وأحيانا إلى فصول. والمراد بها: فصل بعض المواضيع عن بعض، أو التكلم على طائفة من المسائل من جنس واحد في ذلك الفصل المعين. قوله رحمه الله تعالى: ومن أصول أهل السنة والجماعة. تأمل قوله: ومن أصول أهل السنة والجماعة، يتبين لك أن هذا الكتاب من أوله إلى آخره فيه تقعيد وتقرير لمذهب أهل السنة والجماعة، ولأصول أهل السنة والجماعة. حتى قال قائل: أو قال طائفة من العلماء حينما تكلموا على أصول أهل السنة والجماعة: ومتى يخرج الرجل عن دائرة أهل السنة والجماعة؟ ومعروف أن أهل السنة والجماعة يقولون: يخرج الرجل عن دائرة أهل السنة والجماعة إن خالف أصلا من أصول أهل السنة والجماعة، أو اجتمعت عنده مجموعة جزئيات، فباجتماعها كذلك يخرج عن أهل السنة والجماعة. فقيل: فما هي أصول أهل السنة والجماعة؟ قيل لهم: ارجعوا إلى العقيدة الواسطية، فإن فيها أصول أهل السنة والجماعة واضحة. فالحاصل أن هذا الكتاب كما ترون فيه أصول أهل السنة والجماعة في باب الاعتقاد. إذا قال الشيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ومن أصول، ومنها هنا تبعيضية، والمقصود أن هذا الفصل من جملة أصول أهل السنة والجماعة. وهو قال: أن الدين والإيمان قول وعمل. وقول رحمه الله تعالى: أن الدين، فيه إشارة إلى أن الإيمان يطلق ويراد به الدين، وأن الدين يطلق ويراد به الإيمان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما رأيتم من ناقصات عقل ودين؟» قال العلماء: أي إيمان. فقوله رحمه الله تعالى: أن الدين والإيمان قول وعمل، هذا مذهب أهل السنة والجماعة. وقد نقل عن غير واحد إجماع السلف على أن الإيمان قول وعمل. ومن هؤلاء الإمام الشافعي رحمه الله، والإمام إسحاق بن راهويه رحمهم الله تعالى أجمعين، وغيرهم من أئمة السنة رحمهم الله تعالى، نقلوا الإجماع على هذا. قال رحمه الله: قول القلب واللسان. وقول القلب: معرفته وتصديقه وإقراره. هذا من قول القلب، وهذا ركن من أركان الإيمان لا يصح إيمان إلا به. وقول اللسان: هو النطق بالشهادتين لمن كان مستطيعا على ذلك. قال: وعمل القلب واللسان والجوارح. عمل القلب: يدخل فيه أعمال القلب من المحبة والتعظيم والإجلال والرهبة والرغبة والإنابة والتوكل والخضوع والخشوع إلى غير ذلك من معاني أعمال القلب. واللسان: عمل اللسان ما يقوم به اللسان من العمل، سواء كان الواجب كالتكبيرات وقراءة الفاتحة مثلا في الصلوات، وما شابه ذلك مما هو واجب. وقد يكون من المستحبات من التسبيح وقراءة القرآن والاستغفار وغير ذلك. هذا من عمل اللسان، فمنه الواجب ومنه المستحب. وكذلك عمل القلب منه الواجب ومنه المستحب. وكذلك الجوارح: عمل الجوارح منه الواجب ومنه المستحب. قال: وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وهذا كما قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: فرقان بين أهل السنة والجماعة وبين الجبرية. المرجئة لا يقولون بأن الإيمان يزيد وينقص. وكذلك الوعيدية من الخوارج والمعتزلة لا يقولون بأن الإيمان يزيد وينقص. ما هو سبب ذلك؟ سبب ذلك أن الإيمان عند هؤلاء كتلة واحدة، إما أن يكون موجودا بأكمله، وإما أن يذهب بأكمله. قال: وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر. تأمل قولهم: لا يكفرون أهل القبلة. من هم أهل القبلة؟ أهل القبلة هم المسلمون. ويطلق العلماء على أهل الإسلام بأنهم أهل القبلة؛ لأنهم يستقبلون القبلة، ولأن قبلتهم واحدة. وهذا مما امتاز به المسلمون. قال رحمه الله: لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر. وتأمل قوله: بمطلق المعاصي والكبائر، أي: المعاصي والكبائر التي ليست هي في حقيقة الأمر كفرا، والتي ليست هي كفرا، وإنما هي من جملة المعاصي التي لا تخرج صاحبها عن الإيمان. قال: بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي. أخوة إيمانية مع المعاصي. كيف هذا؟ كما تقدم من أنه مؤمن بإيمانه، فهو أخ لنا بهذا الإيمان، ولكنه فاسق بمعصيته. فلأجل هذا الفسق في معصيته، فإنه يبغض بحسب ما فيه من المعصية، ويحب بحسب ما فيه من الخير والطاعة. قال: كما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾. هذا في حال القاتل عمدا. قال الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾. أخيه سماه أخا. أخوة دينية. إذن الأخوة الدينية ثابتة مع وجود القتل، مع أنه قاتل. والقاتل كبيرة من الكبائر. قال: وقال في الآية الأخرى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾. تأمل قولهم: طائفتان من المؤمنين. سماهم الله جل وعلا مؤمنين. وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا. إذن هم مؤمنون مع حصول الاقتتال بينهم. قال: وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾. سماهم ربنا جل وعلا إخوة. وأثبت لهم الأخوة الإيمانية. قال: ولا يسلبون الفاسق الملي الإسلام بالكلية. الفاسق الملي: أي الذي على ملة الإسلام. ولا يسلبون الفاسق الملي الإسلام بالكلية. وقوله: لا يسلبون الإسلام بالكلية، في إشارة إلى أن الإسلام يتفاوت ويتفاضل. قال: ولا يخلدونه في النار إذا لم يكن كافرا. إذا لا يخلد في النار إن دخلها. وإلا فهو تحت مشيئة الله جل وعلا. وإن شاء غفر له، وإن شاء عذبه بعدله على قدر معصيته، ثم مآله إلى الجنة. قال: بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان. كما في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. مؤمنة، ولو كانت هذه الرقبة فيها من الفسق. يصدق عليها بأنها رقبة مؤمنة. قال: وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق. كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. فهذا الإيمان المطلق: المراد به الإيمان الكامل. قال: فائدة: الإيمان والإسلام الشرعيان متلازمان في الوجود، فلا يوجد أحدهما بدون الآخر. بل كل ما وجد إيمان صحيح معتد به، وجد معه إسلام، وكذلك العكس. ولهذا قد يستغنى بذكر أحدهما مع الآخر؛ لأن أحدهما إذا أفرد بالذكر دخل فيه الآخر. وأما إذا ذكر معا، أريد بالإيمان التصديق والاعتقاد، وأريد بالإسلام: القيام الظاهري من الإقرار باللسان وعمل الجوارح. قال: وقد يوجد الإسلام بدونه، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾. فأخبر بإسلامهم مع عدم الإيمان عنهم. وفي حديث جبريل: ذكر المراتب الثلاث: الإسلام والإيمان والإحسان. فدل على أن كل منهما أخص مما قبله. الإسلام أخص من الإيمان، والإيمان أخص من الإسلام باعتبار القائمين به. فكل مسلم مؤمن، وكل مؤمن مسلم. ولكن الإسلام أعم باعتبار القائمين به. وأما باعتبار ذات الإيمان وذات الإسلام، فإن الإسلام يدخل في الإيمان. ولا يرتقي الإنسان إلى الإيمان إلا بعد أن يكون مسلما. ولا يرتقي إلى الإحسان إلا بعد أن يكون مؤمنا. فهذا هو المقصود. والله أعلى وأعلم.

شاركنا على